
واشنطن تراجع خياراتها ضد إيران.. هل وصلت القوة الأمريكية إلى حدودها؟
دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة، بعدما بدأت واشنطن مراجعة خياراتها العسكرية والسياسية عقب تقييمات أشارت إلى أن الضربات الجوية لم تحقق النتائج السياسية المرجوة.
وفي خطوة لافتة، طلب ضابط في فرع الاستخبارات التابع للقيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) من محللين عسكريين تقديم أفكار “جديدة وإبداعية وغير تقليدية” لزيادة الضغط على طهران، في مؤشر واضح إلى أن الإدارة الأمريكية تبحث عن بدائل أكثر فاعلية.
لماذا تبحث واشنطن عن خيارات جديدة ضد إيران؟
لا يثير طلب أفكار جديدة الاستغراب بحد ذاته، لأن مراجعة الخطط جزء من عمل المؤسسات العسكرية. لكن توقيت الطلب وطريقة تعميمه عبر البريد الإلكتروني كشفا أن سنتكوم تعيد تقييم استراتيجيتها في ظل استمرار المواجهة.
وبحسب مصادر تحدثت إلى شبكة CNN، فإن هذا الأسلوب غير معتاد خلال العمليات العسكرية، ما يعكس رغبة القيادة الأمريكية في البحث عن حلول مختلفة بعد محدودية نتائج الضربات الحالية.
الضربات العسكرية لم تغيّر موقف إيران
أشارت تقديرات صادرة عن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ووكالة استخبارات الدفاع إلى أن استمرار القصف لن يدفع إيران إلى تغيير موقفها التفاوضي.
ورغم أن الهجمات ألحقت أضراراً ببعض القدرات العسكرية الإيرانية، فإنها لم تحقق الهدف السياسي الأساسي، وهو دفع طهران إلى تقديم تنازلات في المفاوضات.
ولهذا السبب، أكد رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين أن “للقوة الجوية حدوداً”، في إشارة إلى أن التفوق العسكري وحده لا يكفي لتحقيق الأهداف السياسية.
هل تتجه أمريكا إلى تصعيد أكبر؟
ما تزال واشنطن تملك خيارات عسكرية أكثر قوة، من بينها استهداف منشآت نووية محصنة مثل منشأة جبل الفأس قرب نطنز.
لكن مصادر أمريكية أكدت أن تدمير هذه المواقع قد يتطلب عمليات برية، وهو خيار لا يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يرغب في اللجوء إليه بسبب مخاطره الكبيرة.
وفي المقابل، ترى الإدارة الأمريكية أن أي تصعيد واسع قد يقود إلى حرب شاملة، وهو سيناريو تحاول تجنبه.
الدبلوماسية تعود إلى الواجهة
بالتزامن مع ارتفاع كلفة العمليات العسكرية، عادت الجهود الدبلوماسية إلى الواجهة.
فقد أعلن ترامب تعليق الضربات العسكرية، بعدما تلقى اتصالات من السعودية والإمارات وقطر، قبل أن يؤكد انطلاق محادثات مع إيران.
وفي الوقت نفسه، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات جديدة على شركات وناقلات مرتبطة بإيران، في محاولة لزيادة الضغط الاقتصادي إلى جانب الضغط العسكري.
استراتيجية جديدة تجمع بين القوة والعقوبات
تشير المعطيات إلى أن واشنطن لا تعتمد على الخيار العسكري فقط، بل تعمل على الجمع بين الضغوط العسكرية والعقوبات الاقتصادية والتحركات الدبلوماسية.
كما تدرس الإدارة الأمريكية تنفيذ ضربات محدودة تحقق مكاسب سياسية ورمزية، من دون الانجرار إلى حرب واسعة في المنطقة.
إيران توسع ساحات المواجهة
في المقابل، لم تكتفِ إيران بالرد العسكري المباشر، بل وسعت نطاق المواجهة ليشمل الملاحة البحرية وأمن الطاقة ودول المنطقة.
ويرى الباحث مايكل نايتس أن قوة إيران لا تكمن فقط في قدرتها العسكرية، بل أيضاً في قدرتها على التأثير في الاقتصاد العالمي عبر تهديد طرق التجارة والطاقة.
تغييرات داخل البنتاغون خلال الحرب
تزامنت مراجعة الاستراتيجية الأمريكية مع تغييرات كبيرة داخل وزارة الدفاع الأمريكية.
فقد أجرى الرئيس دونالد ترامب سلسلة إقالات وتعيينات شملت قيادات عسكرية واستخباراتية بارزة، كما غادر عدد من كبار المسؤولين مناصبهم خلال الحرب.
وأثارت هذه القرارات جدلاً واسعاً، خاصة بعدما اختلفت بعض التقييمات الاستخباراتية مع الرواية الرسمية بشأن نتائج الضربات الأمريكية داخل إيران.

مخزون الصواريخ يفرض تحديات جديدة
إلى جانب التحديات السياسية، تواجه واشنطن ضغوطاً مرتبطة بتراجع مخزون صواريخ الدفاع الجوي.
وأظهر تقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) انخفاضاً ملحوظاً في مخزون صواريخ باتريوت وثاد منذ بداية الحرب، ما قد يدفع الجيش الأمريكي إلى تعديل أساليب استخدام منظومات الدفاع الجوي للحفاظ على مخزونه.
ورغم ذلك، شدد البنتاغون على أن الجيش الأمريكي يمتلك الإمكانات اللازمة لتنفيذ أي قرار يتخذه الرئيس.
هل وصلت القوة الأمريكية إلى حدودها؟
تشير التطورات إلى أن الولايات المتحدة لم تستنفد قدراتها العسكرية، لكنها تواجه حدوداً واضحة في قدرتها على تحويل التفوق العسكري إلى مكاسب سياسية.
فكلما توسعت العمليات، ارتفعت كلفة الحرب وزادت احتمالات اندلاع مواجهة إقليمية شاملة، وهو ما تسعى واشنطن إلى تجنبه.
وفي المقابل، لم تحقق الضربات الحالية الهدف المطلوب، الأمر الذي يدفع الإدارة الأمريكية إلى البحث عن مقاربة جديدة تجمع بين الضغط العسكري والعقوبات والدبلوماسية.
تكشف مراجعة واشنطن لاستراتيجيتها أن المشكلة لا تكمن في نقص القوة العسكرية، بل في محدودية تأثيرها السياسي.
وبين تصعيد قد يقود إلى حرب شاملة، وضربات لم تغيّر حسابات إيران، تواصل الولايات المتحدة البحث عن خيار ثالث يحقق أهدافها من دون إشعال المنطقة بأكملها.



