المُشرف والحَكَم في موقع واحد: قراءة في الهيئة المصرفية العليا ومصير الودائع
قراءة في استقلالية الهيئة المصرفية العليا في لبنان، بين صلاحياتها القانونية وضمانات الحياد المؤسسي في معالجة الأزمة المصرفية.
بقلم: د. واجب علي قانصو
صدر القانون رقم 23 المتعلّق بإصلاح وضع المصارف في لبنان وإعادة تنظيمها، وأُضيفت معه إلى رفّ التشريعات اللبنانية أداةٌ طال انتظارها لمعالجة أزمةٍ مصرفية حرمت أصحاب الودائع من التصرّف بأموالهم منذ خريف 2019. وهو، في موقعه من حزمة الإصلاح الثلاثية، أي تعديل قانون السرية المصرفية الذي أُقرّ، وهذا القانون، وقانون الانتظام المالي واسترداد الودائع المنتظر، يمثّل الخطوة الوسطى التي يُفترض أن تضع إطاراً قانونياً حديثاً للتعامل مع المصارف المتعثّرة.
تابع أبرز الأخبار والتطورات مباشرة عبر قناتنا الرسمية على واتساب.
انضم إلى قناتنا على واتسابالهيئة المصرفية العليا بين صلاحيات الحلّ واستقلالية القرار
ينشئ القانون «الهيئة المصرفية العليا» بوصفها سلطة الحلّ، ويمنحها صلاحياتٍ واسعة تمتدّ من إصلاح وضع المصرف إلى تصفيته، بما في ذلك أدوات الإنقاذ الداخلي وإعادة الرسملة وتعديل آجال المطلوبات ودمج المصارف. وهذه الصلاحيات، في جوهرها، متقدّمة ومتوافقة مع ما يوصي به الإطار الدولي. لكنّ موضع التساؤل ليس في الصلاحيات، بل في موقع الهيئة من المصرف المركزي. فالهيئة تُنشأ «لدى مصرف لبنان» لا خارجه، ويتحمّل المصرف المركزي نفقاتها، ويتولّى حاكم مصرف لبنان رئاسة غرفتيها كلتيهما، ويكون صوته مرجّحاً عند التعادل في كلٍّ منهما. وبذلك تجتمع في موقع الحاكم ثلاث وظائف أوصت المعايير الدولية صراحةً بتوزيعها: رسم السياسة النقدية، والإشراف على المصارف، وقرار حلّها عند التعثّر.
هنا يلزم تمييزٌ دقيق حتى لا يُظلم القانون ولا يُجمَّل. فالاستقلالية التي يوفّرها حقيقية، لكنّها استقلاليةٌ وظيفية لا هيكلية، وموجّهةٌ وجهةً بعينها. فالمادة 16 تنصّ على أنّ قرار الهيئة لا يرتبط بموافقة أيّ سلطةٍ أخرى، وتُتّخذ قرارات الإصلاح من دون حاجةٍ إلى موافقة المساهمين أو الدائنين أو مجلس الإدارة؛ وتُلزم المادتان 5 و6 أعضاءها بالتصريح عن مصالحهم وبتجنّب تضارب المصالح؛ ويُشترط في الخبيرين المالي والاقتصادي أن يكونا مستقلّين عن أيّ جهةٍ حكومية أو مصرفية. أي أنّ القانون يحصّن الهيئة تجاه المصرف الخاضع للمعالجة وتجاه مساهميه ودائنيه، لكنّه لا يحصّنها تجاه المؤسسة التي تنتمي إليها بنيوياً وتجلس على رأسها قيادتها نفسها.
غياب آلية فضّ النزاعات ومخاطر الطعون القضائية
ويترتّب على هذا الخيار نتيجةٌ منطقية: غياب أيّ آلية لفضّ نزاعٍ مؤسسي بين الهيئة والمجلس المركزي لمصرف لبنان. وهذا الغياب ليس سهواً، بل هو ثمرة التصميم نفسه؛ فحين يرأس الحاكم الهيئة ويرأس في الوقت عينه المجلس المركزي، يذوب احتمال النزاع عند القمّة بدل أن يُنشأ له حَكَم. ولذلك تنظّم المادة 18 العلاقة على أساس التشاور لا الخصومة: الهيئة «تستشير» المجلس المركزي في قضايا الاستقرار المالي، والمجلس المركزي «يرسل توصية» ضمن مهلةٍ تحدّدها الهيئة، فتبقى العلاقة استشاريةً تنتهي عند الهيئة بوصفها صاحبة القرار. أمّا المسارات القضائية في القانون — المحكمة الخاصة التي تنظر في الطعون بقرارات الهيئة (المادة 31) وفي نزاعات الدائنين والمودعين مع المصرف قيد التصفية (المادة 29) — فهي موجّهةٌ إلى المتضرّرين من القرار، لا إلى تنظيم علاقةٍ بين سلطتين.
وإذا كان غياب آلية فضّ النزاع بين الهيئة والمصرف المركزي نتيجةً منطقية للدمج عند القمّة، فإنّ القانون يحمل في المقابل بذور نزاعاتٍ من نوعٍ آخر. فمبدأ الإنقاذ الداخلي وامتصاص الخسائر مبنيٌّ على ترتيبيةٍ دقيقة للمودعين والدائنين (الملحق رقم 1) وعلى تقييمٍ يحدّد حجم الخسارة (المادتان 10 و11)، وكلاهما أرضٌ خصبة للطعن: فالقانون نفسه يُجيز لمن يثبت أنّ وضعه في ظلّ الإصلاح أسوأ ممّا كان سيكون عليه في التصفية أن يطالب بتعويضٍ أمام المحكمة الخاصة (المادة 14) — وهو مبدأٌ يُعدّ في التجربة الدولية المصدر الأول للتقاضي في عمليات الحلّ. يُضاف إليه نزاعٌ كامنٌ حول تمييز «الأموال الجديدة» الواردة بعد خريف 2019، إذ يخلق شرط إثبات مصدرها فئتين متنازعتين من المودعين على الحدّ الفاصل بينهما؛ ونزاعاتٌ متوقّعة مع المساهمين وأعضاء الإدارة إزاء صلاحياتٍ تطال حقوق الملكية وتسترجع مخصّصاتٍ عن سنواتٍ سابقة (المادة 16). ولا يُستبعد أن يُطرح حصر الطعون أمام المحكمة الخاصة وقصر أحكامها على التعويض المالي دون الإبطال (المادة 31) كمسألةٍ تتّصل بحقّ التقاضي ذاته. وليست هذه النزاعات في جوهرها عيباً في القانون بقدر ما هي طبيعةٌ ملازمة لأيّ نظام حلٍّ يُعيد توزيع الخسائر؛ لكنّ ثلاثة عوامل تجعل الحالة اللبنانية أشدّ عرضة لها: حجم الأزمة وعدد المتضرّرين غير المسبوق، والشحنة الاجتماعية لملفّ الودائع، وتعليق القانون على قانون الانتظام المالي الذي سيحدّد بدوره تفاصيل التقييم وحماية المودعين، وأيّ غموضٍ فيه سيُترجَم لاحقاً دعاوى. والصمّام الحقيقي هنا ليس تعديل القانون بل إحكام ذلك القانون المنتظر، ووضوح منهجية التقييم ومعايير «الأموال الجديدة»، وكفاءة المحكمة الخاصة وسرعتها، فهي ما سيتحمّل الضغط كلّه.
المعايير الدولية والفصل بين الرقابة المصرفية وسلطة الحلّ
ولإنصاف المقارنة، لا بدّ من وضع هذا التصميم بإزاء ما يستند إليه القانون في أسبابه الموجبة حين يتحدّث عن «أفضل المعايير الدولية». فمبادئ مجلس الاستقرار المالي الأساسية لأنظمة الحلّ الفعّالة تقوم على أن تمارس سلطة الحلّ مهامها باستقلاليةٍ تشغيلية وبمنأى عن التأثير غير المبرّر، وتوصي صراحةً، بأنه حين تُسنَد وظيفة الحلّ إلى المصرف المركزي أو جهة الإشراف، بإقامة فصلٍ وظيفيٍّ داخلي بين وظيفة الحلّ ووظيفتَي الإشراف والسياسة النقدية. وقد ترجم الاتحاد الأوروبي هذا المبدأ في توجيه التعافي والحلّ المصرفي وآليته الموحّدة إلى بنيةٍ مؤسسية صريحة: مجلسٌ موحّد للحلّ منفصلٌ عن المصرف المركزي الذي يُشرف، وإلزامٌ للدول بفصل الكوادر وخطوط المساءلة الخاصّة بالحلّ عن تلك الخاصّة بالإشراف. والمنطق وراء هذا الفصل بسيطٌ وعميق: الجهة التي أشرفت على المصرف قبل تعثّره، أو رسمت السياسة النقدية التي تفاعل في ظلّها، ليست بالضرورة الأقدر على الحكم بحيادٍ كامل في مصيره عند الأزمة .
وقد يُقال، وهو اعتراضٌ وجيه، إنّ القانون اللبناني يتضمّن فصلاً في العمل أصلاً: فلجنة الرقابة على المصارف هي التي تُقيّم وضع المصرف وتُعدّ التقرير التقييمي وترفع توصيتها إلى الهيئة (المادتان 12 و17)، والهيئة تبني قرارها على ذلك فضلاً عن تقييمٍ يُجريه مقيّمون مستقلّون (المادتان 10 و11). وهذا صحيح، لكنّه يُظهر بدقّةٍ موضع الفجوة لا عدمها. فالفصل القائم في القانون هو فصلٌ بين جهةٍ تُحضّر وجهةٍ تقرّر، وهو ترتيبٌ سليمٌ في ذاته. غير أنّ التوصية الدولية لا تُعنى بتقسيم العمل بين محضِّر ومقرِّر، بل بموقع المحضِّر نفسه من الأزمة. ولجنة الرقابة على المصارف ليست جهةً محايدة خارج المصرف المركزي؛ فهي جزءٌ من منظومة الرقابة المرتبطة به، وهي الجهة التي أشرفت على المصارف ذاتها قبل تعثّرها. فاليد التي تُحضّر ملفّ التقييم والفحص هي، مؤسسياً، اليد التي مارست الإشراف في المرحلة السابقة. والفصل الذي أقامه القانون فصلٌ بين الرقابة والقرار، لا بين وظيفة الحلّ ووظيفة الإشراف، والتوصية الدولية معنيّةٌ بالثاني لا بالأول.
ويكتسب هذا الفارق حساسيةً مضاعفة في الحالة اللبنانية تحديداً. فحين تكون قرارات المصرف المركزي ذاتها ، هندساته المالية وإدارته لمرحلة ما قبل 2019 ، محلّ نقاشٍ في أصل الأزمة، يصبح إسناد رئاسة سلطة الحلّ إلى رأس المؤسسة نفسها، وإسناد تحضير ملفّاتها إلى جهاز الإشراف المرتبط بها، أبعد ما يكون عن الغاية التي وُضع الفصل الدولي لأجلها: ألّا تكون اليد التي حضّرت أساس القرار هي نفسها اليد التي قد تكون قراراتها السابقة موضع البحث. وهذا تقويمٌ بنيويّ لا حكمٌ على نيّات؛ فالقانون اختار وحدة القيادة وسرعة القرار على حساب فصل الوظائف، وهو خيارٌ له ثمنه كما له ثماره.
ثلاث ضمانات إجرائية لتعزيز استقلالية الهيئة المصرفية العليا
أين المخرج إذن؟ لحسن الحظّ أنّ القانون نفسه يفتح الباب. فالمادة 37 تُعلّق تنفيذه على صدور قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، وهذه النافذة التشريعية هي الموضع الطبيعي لإدخال ضماناتٍ تُكمّل البنية من دون أن تنقضها، ومن دون الحاجة إلى وحدة حلٍّ مستقلة عن الهيئة ولا حتى إلى محضِّر جديد. يكفي أن يُقرَن القانون المنتظر بثلاث ضمانات إجرائية. أوّلها فصلٌ وظيفيٌّ داخل مسار الرقابة نفسه حين يتعلّق الأمر بملفّ حلٍّ قائم، بحيث يُفصل الكادر الذي يُعدّ ملفّ التقييم لغرض الحلّ عن الكادر الذي مارس الإشراف المباشر على المصرف ذاته سابقاً، فلا يُقيّم أحدٌ عملياً نتاج إشرافه هو ، وهذا هو المعنى الفعلي للفصل الوظيفي الداخلي حين تجتمع الوظائف تحت سقفٍ واحد. وثانيها ترقية وزن المقيّم المستقلّ الذي ينصّ عليه القانون أصلاً(المادة 10)، بحيث يصبح تقييمه هو المرجع الأساس في الحالات التي تكون فيها القرارات الرقابية أو النقدية السابقة محلّ بحث، مع إلزام الهيئة بتعليل أيّ خروجٍ عن خلاصته كتابةً، وقاعدة تنحٍّ واضحة عند تعارض المصلحة. وثالثها شفافيةٌ مُلزِمة عبر نشرٍ مُعلَّل لقرارات الإصلاح والتصفية وأسبابها الموجبة، بما يُخضع القرار لرقابةٍ عامة تُعوّض جانباً ممّا يوفّره الفصل المؤسسي في النماذج الأخرى.
خلاصة القول إنّ القانون رقم 23 خطوةٌ ضرورية أنجزها لبنان متأخّراً، وأداةٌ كان غيابها يُعطّل أيّ معالجةٍ جدّية. لكنّه اختار نموذج الدمج عند القمّة حيث اختار الإطار الدولي الفصل، وهو خيارٌ مفهومٌ في سياق بلدٍ محدود الموارد المؤسسية في هذا الاختصاص الدقيق، وفي لحظةٍ لا تحتمل التجاذب بين أجهزةٍ متنازعة؛ فالنموذج الأوروبي نفسه لم يبلغ فصله إلّا بعد سنواتٍ من البناء وضمن اتّحادٍ مصرفيٍّ متكامل. غير أنه باستطاعة قانون الانتظام المالي، حين يصدر، أن يردم معظمها عبر فصلٍ وظيفيٍّ داخلي وضماناتٍ إجرائية دقيقة، فنحتفظ بوحدة القرار وسرعته من دون أن نتخلّى عن مناعة الحياد التي تُقاس بها أنظمة الحلّ في العالم. فالمفاضلة في جوهرها ليست بين صوابٍ وخطأ، بل بين قيمتين متنافستين: نجاعة القرار الموحّد، ومناعة الحياد المؤسسي ، وما زال في الوقت متّسعٌ للتوفيق بينهما.
مصير الودائع في لبنان: هل يستعيد المودعون أموالهم؟
وأمّا بالنسبة لأموال المودعين، فبصراحةٍ تامّة ومن دون مجاملة، لن تعود كاملةً كما كانت، وهذا ليس حكماً تشاؤمياً بل قراءةٌ في أرقامٍ وبُنية. لكنّ ما يمكن أن يعود ويُحمى جزءٌ معتبرٌ منها، بتدرّجٍ زمنيّ وبتمييزٍ بين فئات المودعين. فجوهر المعضلة فجوةٌ موزّعة بين ثلاث جهات: خسائر مصرف لبنان، وخسائر المصارف، وما يُفترض أن تتحمّله الدولة. وأيّ حديثٍ عن «عودة الأموال» يصطدم أولاً بهذه الحقيقة: المال في جانبٍ كبيرٍ منه لم يعد موجوداً سائلاً، بل تبخّر في تمويل عجوزات الدولة وفي الهندسات المالية وفي استيرادٍ مدعومٍ استُنزف. ولهذا جاءت حزمة القوانين الثلاث متكاملةً: السرية المصرفية لتكشف أين ذهبت الأموال، وقانون إصلاح وضع المصارف ليوزّع الخسائر داخل كلّ مصرف، وقانون الانتظام المالي ليقرّر كم يُعاد ولمن ومن يتحمّل الباقي.
أربعة عوامل تحدّد حجم الودائع الممكن استردادها
والعوامل التي ستحدّد حجم ما يعود فعلاً أربعةٌ، وكلّها اليوم غير محسومة. أوّلها الإرادة في تحميل الدولة ومصرف لبنان حصّتهما من الخسارة بدل تحميلها للمودعين، وهي معركةٌ سياسية لم تُحسم بعد. وثانيها استعادة الأموال المحوَّلة إلى الخارج بعد تشرين 2019 بشكلٍ تمييزي، وهو ما يفتحه القانون في المادة 16 لكنّ تطبيقه بطيءٌ وصعبٌ قضائياً. وثالثها عودة النموّ الاقتصادي، فالودائع لا تُستردّ من اقتصادٍ منكمش بل من اقتصادٍ يُنتج فائضاً. ورابعها الشرط الخارجي، أي الاتفاق مع صندوق النقد الدولي الذي قد يفتح تمويلاً ويعيد الثقة، وهو معلّقٌ بدوره على تنفيذ الشروط والإصلاحات في حلقةٍ مترابطة.
إذن، لن تعود الأموال كما أودعت، وهذا واقعٌ محاسبيٌّ لا مجرّد رأي. لكنّ سيناريو «الصفر» ليس قدَراً أيضاً. فالمرجّح أن يُحمى صغار المودعين، بعد خصم ما سبق أن استردّوه عبر تعاميم المصرف المركزي، وأن يستردّ كبار المودعين جزءاً عبر الزمن والتحويل إلى أدواتٍ مالية، وأن يُشطب جزءٌ نهائياً. والفارق بين سيناريو سيّئ وآخر محتَمل لا يصنعه القانون رقم 23 وحده، بل قانون الفجوة المالية حين يصدر، ونزاهة تطبيقه، وكفاءة الهيئة التي ناقشنا استقلاليتها.


