
بدت شركة شي إن قبل أربع سنوات وكأنها تمتلك الوصفة المثالية لإعادة تشكيل صناعة الأزياء العالمية.
آلاف التصميمات الجديدة يوميا، وأسعار يصعب على المتاجر التقليدية منافستها، وخوارزميات تلتقط توجهات المستهلكين قبل تحولها إلى موضة واسعة الانتشار.
وفي ربيع 2022، وصل تقييم الشركة إلى نحو 100 مليار دولار، لتصبح واحدة من أعلى الشركات الناشئة الخاصة قيمة في العالم.
لكن الصورة تغيرت بشكل كبير مع اقترابها من سوق الأسهم.
وتستعد شي إن لطرح أسهمها في بورصة هونغ كونغ بقيمة سوقية استرشادية تتراوح بين 202.1 و210.2 مليارات دولار هونغ كونغ، أي ما يعادل نحو 25.7 إلى 26.8 مليار دولار أميركي.
وبذلك، تكون الشركة قد فقدت قرابة ثلاثة أرباع تقييمها مقارنة بذروة 2022، وفقا لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية.
من تقييم 100 مليار دولار إلى نحو 27 ملياراً
قبل الإدراج، لم تكن لدى شي إن قيمة سوقية فعلية مثل الشركات المدرجة في البورصات.
بل كانت تقييماتها تعتمد على جولات التمويل وصفقات بيع الأسهم بين المستثمرين.
أما طرح هونغ كونغ، فيمثل أول اختبار علني حقيقي لقيمة الشركة أمام قاعدة واسعة من المستثمرين.
وهنا تظهر الفجوة بوضوح بين التقييمات التي صنعتها مرحلة النمو السريع وبين السعر الذي يقبله السوق حاليا.
كيف أصبحت شي إن عملاقا عالميا؟
بدأت رحلة شي إن في الصين عام 2012 على يد أربعة مؤسسين، قبل اعتماد اسمها الحالي في العام التالي.
وفي 2015، أطلقت الشركة تطبيقها للهواتف، ثم توسعت تدريجيا حتى أصبحت اليوم منصة عالمية للأزياء والتجارة الإلكترونية.
وتتخذ الشركة حاليا من سنغافورة مقرا لها، وهي مسجلة كشركة قابضة في جزر كايمان، بينما لا تزال شبكة واسعة من مورديها ومصانعها مرتبطة بالصين.
ورغم عدم بيع منتجاتها داخل السوق الصينية، وصلت شي إن إلى نحو 273 مليون عميل نشط في قرابة 160 سوقا خلال 2025.
كما حققت الشركة إيرادات بلغت 41.8 مليار دولار خلال العام نفسه، وسجلت أكثر من مليار طلب شراء.
السر وراء نجاح شي إن
اعتمدت شي إن على نموذج مختلف عن شركات الأزياء التقليدية.
فبدلا من إنتاج عشرات الآلاف من القطع قبل معرفة حجم الطلب، تبدأ الشركة عادة بدفعات صغيرة تتراوح بين 100 و200 قطعة.
بعد ذلك، تراقب المبيعات وتفاعل المستخدمين، ثم تزيد إنتاج التصميمات التي تحقق نجاحا.
وبحسب نموذج عمل الشركة، يمكن أن تطلب كميات إضافية من التصميمات الناجحة خلال مدة قصيرة قد لا تتجاوز خمسة أيام.
وبفضل هذا النموذج، أصبحت المنصة تعرض أكثر من مليوني تصميم للملابس.
وفي الربع الأول من 2026، أضافت نحو 4700 تصميم جديد يوميا.
كما حافظت على نسبة المخزون غير المباع ضمن خانة الآحاد، بينما بلغ متوسط دوران المخزون نحو 36 يوما خلال 2025.
وبالتالي، تحولت شي إن إلى منظومة تجمع البيانات والتصميم والتصنيع والشحن، وتربط عملية الإنتاج مباشرة بسلوك المستهلكين.
صعود سريع قبل الانهيار
لم تصل شي إن إلى تقييم 100 مليار دولار بين ليلة وضحاها.
ففي 2014، قدرت قيمة الشركة قبل الاستثمار بنحو 53 مليون دولار خلال جولة تمويل جمعت 5 ملايين دولار.
ثم ارتفع تقييمها إلى 2.4 مليار دولار في 2018، بعدما جمعت الشركة 243 مليون دولار.
ومع بداية جائحة كورونا في مارس 2020، وصل تقييمها إلى نحو 5 مليارات دولار.
وفي ظل إغلاق المتاجر حول العالم، استفادت شي إن من تحول المستهلكين نحو التسوق الإلكتروني.
وبفضل أسعارها المنخفضة وسرعة تغيير المنتجات، أصبحت الشركة أكثر قدرة على جذب المستهلكين الشباب الذين يتابعون اتجاهات الموضة عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
ذروة 2022
في يناير 2022، رفعت صفقة بين مساهمين تقييم شي إن إلى 60.5 مليار دولار.
وبعد أسابيع، جمعت الشركة نحو 1.8 مليار دولار من بيع أسهم ممتازة، على أساس تقييم قبل الاستثمار بلغ 98.2 مليار دولار.
وهكذا اقترب تقييم شي إن من حاجز 100 مليار دولار.
لكن ذلك التقييم لم يعكس حجم مبيعات الشركة فقط.
بل اعتمد أيضا على توقعات باستمرار النمو الاستثنائي، وقدرة شي إن على الجمع بين سرعة اكتشاف اتجاهات الموضة وتحليل البيانات والإنتاج منخفض التكلفة.
بداية التراجع
لم يستمر ذلك التقييم طويلا.
ومع تراجع أسهم شركات التكنولوجيا وارتفاع أسعار الفائدة خلال أواخر 2022، بدأت أسهم شي إن في السوق الثانوية تتداول عند مستويات تشير إلى قيمة تراوحت بين 65 و85 مليار دولار.
وفي جولة تمويل عام 2023، انخفض تقييم الشركة إلى 64 مليار دولار، رغم جمعها 1.7 مليار دولار إضافية.
وتكشف أرقام الطرح حجم الفجوة بين أسعار الأسهم السابقة والسعر المقترح حاليا.
فقد بلغ متوسط كلفة السهم المعدلة في جولة 2022 نحو 23.72 دولارا، بينما تعادل نقطة منتصف النطاق السعري للطرح نحو 6.2 دولارات فقط.
أما المستثمرون في جولة 2023، فبلغت كلفة السهم المعدلة لديهم نحو 15.02 دولارا.
المشكلة ليست في المبيعات فقط
رغم تراجع التقييم، واصلت شي إن تحقيق نمو في الإيرادات.
فقد ارتفعت الإيرادات من 32.1 مليار دولار في 2023 إلى 38.7 مليار دولار في 2024، بزيادة تقارب 21%.
لكن النمو تباطأ بشكل واضح في 2025.
فقد وصلت الإيرادات إلى 41.8 مليار دولار، أي بنمو يقارب 8% فقط.
وفي الربع الأول من 2026، زادت الإيرادات بنسبة 1.1% فقط، لتصل إلى نحو 9.05 مليارات دولار.
وهذا التباطؤ يمثل أحد أبرز أسباب قلق المستثمرين.
نهاية ميزة الرسوم الجمركية
واجه نموذج شي إن ضربة أخرى في السوق الأميركية.
فلسنوات، استفادت الشركة من قاعدة “دي مينيميس” التي سمحت بإعفاء الشحنات التي تقل قيمتها عن 800 دولار من الرسوم الجمركية.
وكان ذلك مهما بالنسبة لشي إن، لأن جزءا كبيرا من طلباتها منخفض القيمة ويصل مباشرة من الصين إلى المستهلك الأميركي.
لكن الولايات المتحدة أنهت هذا الإعفاء عن السلع القادمة من الصين وهونغ كونغ في 2 مايو 2025.
وتقول شي إن إن المنتجات ذات المنشأ الصيني أصبحت تواجه ضرائب ورسوم تتراوح بين 10% و87.5%.
وبدأت الشركة منذ ذلك الوقت تمرير جزء كبير من التكاليف الإضافية إلى المستهلكين عبر رفع الأسعار.
السوق الأميركية تتراجع
ظهر أثر التغييرات الجمركية سريعا.
ففي الربع الأول من 2026، تراجعت إيرادات شي إن من السوق الأميركية بنسبة 14.3% إلى نحو ملياري دولار.
كما انخفضت حصة الولايات المتحدة من إجمالي إيرادات الشركة من 29.4% في 2023 إلى 24.1% في 2025.
ثم تراجعت مجددا إلى 22.5% خلال الربع الأول من 2026.
وفي الوقت نفسه، لم تعد أوروبا سوقا خالية من الضغوط الجمركية.
ففي يوليو 2026، ألغى الاتحاد الأوروبي الإعفاء الجمركي للشحنات التي لا تتجاوز قيمتها 150 يورو، وفرض رسما مؤقتا قدره 3 يوروات على كل فئة جمركية داخل الشحنة.
وهكذا، تعرض نموذج شي إن لضغوط متزامنة في اثنين من أكبر أسواقها.
منافسون يقلدون الوصفة
في المقابل، لم تعد شي إن وحدها في سوق الأزياء فائقة السرعة.
فقد أطلقت شركة بي دي دي هولدنغز منصة تيمو في الولايات المتحدة عام 2022.
ثم دخل تيك توك شوب السوق الأميركية بشكل كامل في سبتمبر 2023، مستفيدا من مقاطع الفيديو والتوصيات الخوارزمية والشراء المباشر.
وفي نوفمبر 2024، أضافت أمازون خدمة هاول التي تركز على المنتجات منخفضة السعر، ومعظمها يقل سعره عن 10 دولارات.
وبذلك أصبحت شي إن تنافس منصات تمتلك قواعد مستخدمين ضخمة وشبكات لوجستية واسعة وقدرات إنفاق هائلة.
التسويق يلتهم مزيدا من الأموال
ومع اشتداد المنافسة، ارتفعت فاتورة التسويق لدى شي إن بشكل كبير.
ففي 2025، قفز الإنفاق التسويقي بنسبة 48.9% إلى 6.19 مليارات دولار.
وأصبح الإنفاق التسويقي يعادل 14.8% من إيرادات الشركة، مقارنة بـ10.7% سابقا.
وفي الربع الأول من 2026، ارتفع الإنفاق التسويقي بنسبة 31.4% إلى 1.43 مليار دولار.
وبالمقابل، لم تتجاوز زيادة المبيعات 1.1%.
كذلك ارتفعت تكاليف تنفيذ الطلبات والشحن من 42.8% من الإيرادات في الربع الأول من 2025 إلى 47.7% في الربع الأول من 2026.
ونتيجة لذلك، تراجع الربح التشغيلي الفصلي من 348 مليون دولار إلى 258 مليون دولار.
هل أصبحت شي إن خاسرة؟
قد تبدو أرقام الأرباح أكثر قتامة عند النظر إلى صافي النتيجة.
فقد حققت شي إن ربحا صافيا قدره 3.37 مليارات دولار في 2024.
لكن الربح تراجع إلى 2.06 مليار دولار في 2025، بانخفاض 38.7%.
وفي الربع الأول من 2026، سجلت الشركة خسارة صافية قدرها 99 مليون دولار، مقارنة بربح بلغ 395 مليون دولار في الفترة نفسها من العام السابق.
ومع ذلك، لا تعني هذه الأرقام أن النشاط التشغيلي للشركة انهار.
فالشركة حققت خلال الربع الأول ربحا تشغيليا قدره 258 مليون دولار.
ويرتبط جزء كبير من الخسارة الصافية ببند محاسبي قيمته 328 مليون دولار ناتج عن إعادة تقييم الأسهم الممتازة القابلة للتحويل والاسترداد.
وبعد استبعاد هذا البند وعناصر أخرى، بلغ صافي الربح المعدل نحو 271 مليون دولار.

لماذا تحتاج شي إن إلى الإدراج؟
كما تمتلك الشركة موارد نقدية واستثمارات قصيرة الأجل بقيمة تقارب 14.83 مليار دولار في نهاية مارس 2026.
رغم امتلاكها سيولة كبيرة، تسعى شي إن إلى طرح أسهمها في هونغ كونغ.
وتعتزم الشركة تخصيص نحو 40% من حصيلة الطرح للتكنولوجيا، و40% للتسويق وتعزيز حضورها العالمي، و10% لمبادرات المسؤولية المؤسسية، فيما يذهب الباقي للأغراض العامة.
لذلك، لا يبدو الإدراج مرتبطا بالحاجة إلى تمويل عاجل.
بل يوفر الطرح سعرا علنيا للسهم ومسارا لتوفير السيولة للمستثمرين القدامى بعد سنوات من تأجيل التخارج.
وتعرض شي إن نحو 280 مليون سهم من الفئة “بي” بسعر يتراوح بين 47.60 و49.50 دولار هونغ كونغ للسهم.
ومن المقرر إعلان السعر النهائي ونتائج التخصيص بحلول 31 أغسطس 2026، على أن يبدأ تداول السهم في بورصة هونغ كونغ صباح 1 سبتمبر 2026.
المؤسس يحتفظ بالسيطرة
ورغم الإدراج، سيحتفظ المؤسس والرئيس التنفيذي شو يانغتيان بنحو 49.9% من حقوق التصويت بعد الطرح.
ويملك المؤسس نحو 30.3% من الأسهم، لكن هيكل الملكية يمنح أسهم الفئة “إيه” عشرة أصوات للسهم، مقابل صوت واحد لأسهم الفئة “بي”.
وبالتالي، تستطيع شي إن الحصول على تسعير عام وسيولة إضافية، بينما يحتفظ مؤسسها بالسيطرة الفعلية على الشركة.
طريق طويل إلى البورصة
لم يكن وصول شي إن إلى هونغ كونغ سهلا.
فقد بدأت الشركة محاولتها الأولى للإدراج في نيويورك، لكنها واجهت اعتراضات من مشرعين أميركيين وتساؤلات بشأن الإعفاءات الجمركية وسلسلة التوريد.
بعد ذلك، انتقلت الخطة إلى لندن، وحصلت الشركة على موافقة أولية من هيئة السلوك المالي البريطانية.
لكن الخطة تعطلت وسط عدم حصولها على الضوء الأخضر الصيني وخلافات مرتبطة بالإفصاحات المتعلقة بالمخاطر في سلسلة التوريد.
وفي مايو 2025، اتجهت الشركة إلى خيارها الثالث: الإدراج في هونغ كونغ.
وفي 10 يوليو 2026، أصدرت هيئة تنظيم الأوراق المالية الصينية إخطار التسجيل الذي يسمح للشركة بإصدار ما يصل إلى 341.6 مليون سهم والإدراج في هونغ كونغ.
لكن الانتقال بين ثلاث بورصات محتملة خلال نحو أربع سنوات زاد حالة عدم اليقين حول الشركة.
وبالتالي، بات المستثمرون ينظرون إلى شي إن باعتبارها شركة تقع في قلب التنافس السياسي والتنظيمي بين الصين والغرب.
ضغوط تنظيمية إضافية
ولا تقتصر التحديات على الرسوم الجمركية والمنافسة.
ففي فبراير 2026، فتحت المفوضية الأوروبية تحقيقا رسميا بموجب قانون الخدمات الرقمية.
ويشمل التحقيق تصميم المنصة واحتمال دفعه المستخدمين إلى الاستخدام الإدماني، إضافة إلى شفافية أنظمة التوصية وآليات منع بيع المنتجات غير القانونية عبر البائعين الخارجيين.
كما كشفت نشرة الطرح عن تحقيق تجريه لجنة التجارة الفدرالية الأميركية بشأن عمليات الشركة في الولايات المتحدة، من دون الإعلان عن موضوع التحقيق أو نتيجته المحتملة.
هل انهارت شي إن فعلا؟
رغم كل هذه الضغوط، لا تشير الأرقام إلى انهيار تشغيلي كامل للشركة.
فشي إن لا تزال تحقق عشرات مليارات الدولارات من الإيرادات، وتمتلك قاعدة ضخمة من العملاء، إضافة إلى سيولة مالية كبيرة.
لكن المشكلة الأساسية تكمن في تباطؤ النمو وارتفاع التكاليف وتزايد المنافسة والضغوط التنظيمية والجمركية.
وهنا تكمن المفارقة.
فالشركة التي استطاعت خلال سنوات قليلة بناء واحدة من أكبر إمبراطوريات التجارة الإلكترونية في العالم، لم تعد تحصل على التقييمات الضخمة التي رافقت مرحلة نموها الاستثنائي.
وبالتالي، فإن ما تراجع حتى الآن ليس بالضرورة حجم شي إن أو قدرتها على بيع مئات الملايين من الطلبات.
الذي انهار بدرجة أكبر هو الرواية الاستثمارية التي أوصلت تقييم الشركة إلى نحو 100 مليار دولار في 2022.
والآن، يضع إدراج هونغ كونغ هذه الرواية أمام اختبار جديد:
هل تستطيع شي إن تحويل حجمها الهائل إلى نمو مستدام وأرباح أعلى، أم أن عصر النمو السريع للأزياء فائقة السرعة بدأ يقترب من نهايته؟



