
بعد نحو ستة أشهر من الحرب، تعيد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ترتيب أدوات الضغط على إيران، منتقلة من الضربات العسكرية إلى العقوبات الاقتصادية، في محاولة لدفع طهران إلى تقديم تنازلات سياسية واستراتيجية.
وتراهن واشنطن حاليا على ما تصفه بـ”يوم الإنزال الاقتصادي”، في إشارة إلى عملية إنزال نورماندي الشهيرة عام 1944. لكن الخطة الأميركية لا تبدو مجرد جولة جديدة من العقوبات، بل محاولة لاستهداف القنوات التي تحافظ على تدفق الأموال إلى الاقتصاد الإيراني.
واشنطن تغيّر قواعد المواجهة مع إيران
جاء التحول الأميركي بعد تعثر الرهان العسكري في تحقيق أهدافه الأساسية، وفقا لتحليل نشرته صحيفة نيويورك تايمز للكاتب ديفيد إي. سانغر.
وبدلا من المسار التقليدي الذي يبدأ بالدبلوماسية، ثم العقوبات، ثم يلجأ إلى العمل العسكري باعتباره الخيار الأخير، انتقلت إدارة ترمب بسرعة من جولة دبلوماسية قصيرة إلى الضربات العسكرية.
وكان الهدف دفع إيران إلى التخلي عن مخزونها النووي، وربما إحداث تغيير سياسي داخل البلاد.
لكن الحرب لم تحسم أيا من الهدفين بصورة نهائية، في حين تكبد الطرفان خسائر بشرية ومادية كبيرة.
وبحسب تقديرات مستقلة أوردها التحليل، تجاوزت كلفة العمليات العسكرية الأميركية 100 مليار دولار، وهي أرقام تفوق التقديرات الرسمية التي أعلنتها وزارة الحرب الأميركية.
“هجوم اقتصادي” لخنق إيران
في هذا السياق، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية ما وصفته إدارة ترمب بـ”عملية المنبوذ الاقتصادي”، بهدف قطع ما تبقى من القنوات الاقتصادية التي تغذي إيران.
وتستهدف الخطة شبكة واسعة من المسارات المالية، من المعاملات الرقمية المتخفية إلى عمليات نقل النفط بين السفن، إضافة إلى حركة الذهب وشبكات التحويل المالي.
وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت إن واشنطن تريد دفع إيران إلى مرحلة لا يبقى فيها أمامها سوى عدد محدود من الخيارات.
وبالتالي، لا تركز الاستراتيجية الجديدة على العقوبات التقليدية فقط، بل تسعى إلى ملاحقة الشبكات التي تساعد طهران على الالتفاف على العقوبات.
الصين.. الحلقة الأصعب في الخطة الأميركية
لكن العقبة الأكبر أمام واشنطن تتمثل في الصين.
فبكين تعد المستورد الرئيسي للنفط الإيراني، الأمر الذي يجعل خنق الاقتصاد الإيراني بالكامل مهمة صعبة من دون الضغط على الشركات والجهات الصينية التي تتعامل مع طهران.
وتشير تقديرات نقلتها نيويورك تايمز وبلومبيرغ إلى أن الصين اشترت النسبة الأكبر من صادرات النفط الإيرانية خلال عام 2025، ما جعل السوق الصينية منفذا أساسيا لطهران.
ولهذا السبب، فإن أي حملة أميركية واسعة ضد النفط الإيراني قد تتحول بسرعة إلى مواجهة اقتصادية مع بكين.
وكان ترمب قد هدد سابقا بفرض عقوبات ثانوية على الدول والشركات التي تشتري النفط الإيراني، لكنه لم يطبق هذه التهديدات بصورة شاملة.
ومن هنا تظهر المعضلة الأميركية: كيف يمكن لواشنطن خنق الاقتصاد الإيراني من دون إشعال مواجهة اقتصادية جديدة مع الصين؟
النفط الإيراني يجد طريقه إلى الصين
توضح بيانات تتبع حركة السفن أن تدفقات النفط الإيراني إلى الصين شهدت تقلبات كبيرة خلال الأشهر الماضية.
وبحسب صحيفة الغارديان، وصلت التدفقات إلى نحو 1.5 مليون برميل يوميا خلال فبراير ومارس، قبل أن تتراجع خلال الأشهر التالية.
ثم انخفضت التدفقات إلى نحو 785 ألف برميل يوميا في يونيو، قبل أن تسجل تراجعا جديدا إلى نحو 534 ألف برميل يوميا في منتصف أغسطس.
ولا تعتمد هذه التجارة بشكل رئيسي على شركات النفط الحكومية الصينية الكبرى، التي تتجنب التعامل المباشر مع إيران خشية العقوبات الأميركية.
بدلا من ذلك، تلعب المصافي المستقلة الصينية، المعروفة باسم “مصافي الإبريق”، دورا مهما في شراء النفط الإيراني بأسعار مخفضة.
كما تستخدم شبكات تجارية ومالية معقدة لتغيير بيانات الشحن وإخفاء مصدر بعض الشحنات، بينما تجري التسويات باليوان بعيدا عن النظام المالي القائم على الدولار.
معضلة مضيق هرمز
وتزداد صعوبة المهمة الأميركية بسبب مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية لتجارة النفط العالمية.
وتواجه واشنطن معادلة دقيقة: الضغط على حركة النفط الإيراني عبر المضيق قد يضر بإمدادات الطاقة العالمية، بينما تجنب التصعيد مع الصين قد يحد من فعالية العقوبات.
وبحسب تحليلات أميركية، كان أمام إدارة ترمب خياران رئيسيان: الضغط المباشر على الصين بسبب تجارتها مع إيران، أو تشديد الضغط على حركة ناقلات النفط.
واختارت واشنطن المسار الثاني، لأنه أقل كلفة سياسيا من الدخول في مواجهة مباشرة مع الشركات والبنوك الصينية الكبرى.
واشنطن تخشى رد بكين
حتى الآن، تحاول إدارة ترمب تجنب تسمية شركات صينية محددة ضمن العقوبات الجديدة.
وقال بيسنت إن العقوبات الأميركية لا تستثني أحدا، لكنه تحدث في الوقت نفسه عن أهمية “الدبلوماسية الهادئة”.
ويأتي ذلك قبل اللقاء المرتقب بين ترمب والرئيس الصيني شي جين بينغ في سبتمبر المقبل.
لذلك، يبدو أن واشنطن تحاول تحقيق معادلة صعبة: زيادة الضغط على إيران، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحا مع الصين.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطر كبيرة.
فإذا استهدفت الولايات المتحدة بنوكا أو شركات صينية كبرى، قد ترد بكين بإجراءات اقتصادية مضادة، بينها فرض قيود على صادرات المعادن النادرة والمواد الأساسية للصناعات التكنولوجية والعسكرية.
وبالتالي، قد تتحول العقوبات على إيران إلى شرارة لمواجهة اقتصادية أوسع بين أكبر اقتصادين في العالم.
طهران تواجه ضغوطا اقتصادية متزايدة
في المقابل، بدأ الضغط الأميركي ينعكس على الاقتصاد الإيراني.
وأشارت صحيفة تايمز البريطانية إلى تراجع حاد في قيمة الريال الإيراني في السوق الموازية، حيث وصل سعر الدولار إلى نحو 2.02 مليون ريال، مقارنة بنحو 1.28 مليون ريال في بداية الحرب.
ومع ذلك، قلل وزير الاقتصاد الإيراني سيد علي مدني زاده من تأثير الإجراءات الأميركية، مؤكدا أن الحكومة أعدت خطة للتعامل مع التطورات خلال العامين المقبلين.
كما شدد على استمرار التعاون مع الشركاء الدوليين، وفي مقدمتهم الصين وروسيا.
صراع اقتصادي وسياسي داخل إيران
ولا تقتصر تداعيات الضغوط الاقتصادية على الأسواق الإيرانية، بل امتدت إلى المشهد السياسي الداخلي.
وحذر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف من خطورة الضغوط المعيشية، مشيرا إلى أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي إذا عانى السكان من الجوع.
وأثارت تصريحاته انتقادات من التيار المتشدد، الذي رأى فيها رسائل ضعف للخصوم.
ولاحقا، أوضح قاليباف موقفه مؤكدا أن الولايات المتحدة لن تتمكن من فرض شروطها على إيران، وأن شركاء طهران التجاريين لا يخضعون بسهولة للضغوط الأميركية.
الرهان على الشارع يتراجع
في الوقت نفسه، يبدو أن إدارة ترمب أعادت حساباتها بشأن الرهان على تغيير النظام الإيراني من الداخل.
فبعد دعوات سابقة إلى انتفاضة شعبية ضد الحكومة الإيرانية، أقر ترمب بأن الشارع الإيراني يفتقر إلى التنظيم والسلاح اللازمين لتحويل هذا الرهان إلى تغيير سياسي حاسم.
لذلك، اتجه وزير الخزانة الأميركي إلى مخاطبة الجنود الإيرانيين، داعيا إياهم إلى التخلي عن قيادتهم.
واستند بيسنت إلى تجربة سقوط جدار برلين عام 1989، عندما امتنع جنود عن إطلاق النار على المواطنين، في حدث أسهم لاحقا في إنهاء انقسام المدينة ومهد الطريق لإعادة توحيد ألمانيا.
لكن سانغر رأى أن المقارنة بين الحالتين لا تبدو دقيقة، بسبب اختلاف الظروف السياسية والعسكرية والجيوسياسية.
ضغوط داخل الولايات المتحدة أيضا
ولا تتحرك إدارة ترمب في فراغ سياسي داخلي.
فقد أظهر استطلاع أجرته إيبسوس لصالح رويترز تراجعا في تأييد العمليات العسكرية ضد إيران إلى 31%، مقارنة بـ34% في وقت سابق من أغسطس و37% في مارس.
وامتد التراجع إلى قاعدة الحزب الجمهوري، إذ انخفض التأييد بين الجمهوريين إلى نحو 69%.
كما تراجعت نسبة الرضا عن أداء ترمب إلى 33%، وفقا للبيانات التي أوردتها تايمز.
وهكذا، تواجه الإدارة الأميركية ضغوطا من أكثر من اتجاه، في وقت تبحث فيه عن مخرج من تكلفة الحرب دون الظهور بمظهر المتراجع أمام إيران.

العقوبات قد توسع نطاق الحرب
ويرى ولي نصر، الأستاذ في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز والمسؤول السابق في وزارة الخارجية الأميركية، أن توسيع العقوبات الثانوية لن يقتصر تأثيره على إيران والصين.
فالهند وتركيا ودول الخليج قد تجد نفسها أيضا أمام تداعيات مباشرة أو غير مباشرة لهذه السياسة.
وبعبارة أخرى، قد تنتقل المواجهة من ساحات الخليج إلى الاقتصاد العالمي.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية في الاستراتيجية الأميركية الجديدة: كلما أرادت واشنطن زيادة الضغط على إيران، اضطرت إلى الاقتراب أكثر من مصالح شركائها التجاريين والقوى الاقتصادية الكبرى التي تساعد طهران على تجاوز العقوبات.
هل ينجح الخنق الاقتصادي؟
في النهاية، تقف واشنطن أمام معادلة شديدة التعقيد.
فمن جهة، يصعب على الولايات المتحدة تحقيق خنق اقتصادي حقيقي لإيران طالما استمر تدفق النفط والأموال عبر القنوات المرتبطة بالصين ودول أخرى.
ومن جهة أخرى، فإن إغلاق هذه القنوات بشكل كامل قد يتطلب مواجهة مباشرة مع بكين، بما تحمله من مخاطر على التجارة العالمية وسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة.
لذلك، يبدو أن إدارة ترمب انتقلت من سؤال “كيف نهزم إيران عسكريا؟” إلى سؤال أكثر تعقيدا: “كيف نخنق اقتصادها من دون توسيع الحرب؟”
ويبقى السؤال الأهم: هل يستطيع الدولار حسم المعركة التي عجزت حاملات الطائرات والقاذفات الاستراتيجية عن حسمها؟



