
من انهيار جليدي إلى فيضان مدمر.. ماذا حدث في الهيمالايا؟
من انهيار جليدي إلى فيضان مدمر.. ماذا حدث في الهيمالايا؟
من أعالي الهيمالايا في التبت، اندفعت كتلة هائلة من الجليد والصخور نحو أحد الأودية، لتطلق سلسلة من الأحداث انتهت بفيضان مدمر وصل إلى نيبال الأربعاء الماضي.
ولا تقف تداعيات الكارثة عند حجم الخسائر البشرية والمادية، إذ أعادت الحادثة تسليط الضوء على طبيعة المخاطر المتزايدة التي تواجه منطقة الهيمالايا في ظل تداعيات تغير المناخ.
وبحسب حصيلة أوردتها تقارير إعلامية، ارتفع عدد ضحايا الفيضانات المفاجئة التي اجتاحت مناطق حدودية بين نيبال والصين إلى 538 قتيلا، فيما تواصل فرق الإنقاذ عمليات البحث عن مفقودين في المناطق المتضررة، وسط تحذيرات من فيضانات جديدة.
كيف تحول الانهيار الجليدي إلى فيضان؟
تقول صحيفة “فاينانشال تايمز” إن تحديد السبب الدقيق للفيضان لا يزال مبكرا، إلا أن صور الأقمار الصناعية قبل الكارثة وبعدها تشير إلى انهيار جزء كبير من جرف شمال جبل لانغتانغ ليرونغ قرب التبت.
وأدى الانهيار إلى انفصال كتلة ضخمة من النهر الجليدي الموجود فوق المنطقة، قبل أن تسقط باتجاه الوادي بقوة هائلة.
وترى كريستن كوك، عالمة أشكال سطح الأرض في جامعة غرونوبل، أن الانهيارات الصخرية ليست ظاهرة نادرة في أعالي الهيمالايا، لكن حجم الانهيار الأخير جعل تداعياته استثنائية.
كذلك، يشير الباحث في مخاطر الكوارث بجامعة زيورخ سايمون ألين إلى أن صور الأقمار الصناعية تظهر انهيار كتلة ضخمة من الصخور والجليد، في حدث يمكن وصفه بأنه “انهيار صخري جليدي” أدى إلى الفيضان المدمر.

من الجليد والصخور إلى موجة من الحطام
وتشرح مجلة “إيكونوميست” كيف تحول الانهيار إلى فيضان واسع النطاق.
فقد انفصل جزء من نهر جليدي يبلغ عرضه نحو 600 متر، وسقط من ارتفاع يقارب 1.2 كيلومتر باتجاه الوادي.
وبسبب الطاقة الهائلة الناتجة عن السقوط، ذاب جزء من الجليد، وتشكل مزيج كثيف من المياه والصخور والحطام.
ومع اندفاعه نحو أسفل الوادي، جمع هذا المزيج المزيد من المواد، قبل أن يصل إلى قاع الوادي ويسد مجراه.
ومن ثم، تحولت الكتلة الجليدية والصخرية إلى قوة دفعت المياه والرواسب والحطام عبر شبكة الأنهار باتجاه نيبال.
ويشير دانيال بارسونز، في تحليل نشرته صحيفة “إندبندنت”، إلى أن وصف ما حدث بأنه مجرد “فيضان” لا يعكس سوى المرحلة الأخيرة من سلسلة معقدة من الأحداث بدأت بانهيار في أعالي الجبال.
تغير المناخ يفاقم مخاطر الهيمالايا
رغم ذلك، لا يعني انهيار نهر جليدي تلقائيا أن تغير المناخ تسبب مباشرة في الكارثة.
لكن الاحترار العالمي يغير الظروف التي تحدث فيها هذه الظواهر، ويجعل البيئة الجبلية أكثر عرضة لمجموعة مترابطة من المخاطر.
فمع ارتفاع درجات الحرارة، تتراجع الأنهار الجليدية، وتضعف استقرار المنحدرات، وتتكون بحيرات جديدة، كما تنكشف كميات كبيرة من الرواسب والصخور غير المستقرة.
وبالتالي، يمكن لخطر واحد أن يطلق سلسلة من الأخطار المتتابعة.
فعلى سبيل المثال، قد يؤدي انهيار أحد المنحدرات إلى تدمير نهر جليدي خلال ثوان، ثم يغير مسارات تصريف المياه.
وبعد ذلك، يمكن للأنهار التي تغيرت مساراتها أن تنقل كميات كبيرة من الرواسب، ما يزيد من شدة الفيضانات اللاحقة.
الأنهار الجليدية تتراجع بسرعة
وتنقل “فاينانشال تايمز” عن أنيل كولكارني، خبير الأنهار الجليدية في المعهد الهندي للعلوم في بنغالورو، أن الأنهار الجليدية في الهيمالايا تتراجع “بسرعة كبيرة”.
ويوضح كولكارني أن ارتفاع حرارة المنطقة بمعدل يفوق المتوسط العالمي بدأ يضعف التربة الصقيعية الموجودة بين الكتل الجليدية والصخور.
كما يشير تقرير للبنك الدولي وبنك التنمية الآسيوي صدر عام 2021 إلى أن تغير المناخ يؤثر بصورة كبيرة في البيئة النيبالية، مع تراجع الأنهار الجليدية وزيادة وتيرة الهطول الشديد.
كارثة نيبال ليست الأولى
ولا تشكل الكوارث المرتبطة بالأنهار الجليدية ظاهرة جديدة في المنطقة.
ففي عام 2021، أدى انهيار جليدي فوق شامولي في ولاية أوتاراخند الهندية إلى مقتل أكثر من 200 شخص، وفق مجلة “إيكونوميست”.
لكن التعامل مع هذه المخاطر يختلف عن ظواهر مناخية أخرى يمكن توقعها بدرجة أكبر، مثل ارتفاع درجات الحرارة أو ارتفاع مستوى سطح البحر.
وفي المقابل، يصعب تحديد موعد ومكان انهيار نهر جليدي، كما يصعب بناء دفاعات استباقية قادرة على التعامل مع جميع السيناريوهات المحتملة.
أخطار متسلسلة تغيّر جغرافية الكارثة
تزداد خطورة الوضع لأن الكارثة الواحدة قد تغير طبيعة المنطقة التي ستتعرض للكارثة التالية.
فبعد انحسار مياه الفيضانات، قد تبقى مجاري الأنهار متغيرة، والمنحدرات غير مستقرة، والرواسب منتشرة في مناطق جديدة، إضافة إلى أضرار كبيرة في البنية التحتية.
وبذلك، قد تصبح خرائط المخاطر التي أُعدت قبل وقوع الكارثة أقل دقة في وصف الوضع الجديد.
وهذا يعني أن الأمطار الغزيرة المقبلة أو أي انهيار جليدي جديد قد يضرب مناطق مختلفة عن تلك التي كانت معرضة للخطر سابقا.
هل تستطيع أنظمة الإنذار مواكبة الخطر؟
أمام هذه التحديات، تبرز أهمية أنظمة الإنذار المبكر والاستعداد للكوارث.
وترى “إيكونوميست” أن تطوير أنظمة إنذار مشابهة لتلك المستخدمة في رصد موجات تسونامي قد يساعد في إجلاء السكان في بعض الحالات.
ومع ذلك، تجعل الطبيعة غير المنتظمة للانهيارات الجليدية من الصعب بناء وسائل حماية استباقية فعالة ومنخفضة التكلفة.
كما تكمن مشكلة أخرى في تحديد الأنهار الجليدية الأكثر عرضة للانهيار.
ويقول سايمون كوك، عالم البيئة في جامعة دندي البريطانية، لـ”فاينانشال تايمز” إن أنظمة الإنذار المبكر يمكن أن تساعد، لكن الأنهار الجليدية التي قد تنهار تبدو في كثير من الأحيان شبيهة بغيرها، ما يجعل تحديدها مسبقا مهمة شديدة الصعوبة.
التنمية تزيد حجم المخاطر
ولا ترتبط قابلية الهيمالايا للتضرر بالعوامل الطبيعية وحدها.
فالتوسع في بناء السدود الكهرومائية وزيادة مشاريع التطوير في المناطق الجبلية قد يرفعان أيضا مستوى تعرض السكان والبنية التحتية للخطر.
وفي هذا السياق، تشير تحليلات الخبراء إلى أن إدارة المخاطر تحتاج إلى مواكبة التغيرات السريعة التي تشهدها البيئة الجبلية.
فلم تعد المسألة تقتصر على توقع وقوع كارثة، بل أصبحت تشمل فهم كيفية تغير المشهد بعد كل كارثة.
الهيمالايا أمام تحديات متزايدة
وتشير افتتاحية صحيفة “غارديان”، نقلا عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، إلى أن التغيرات المناخية تزيد مخاطر الانهيارات الجليدية والانهيارات الأرضية والفيضانات في المنطقة.
كما تهدد هذه التغيرات إمدادات المياه العذبة، نتيجة تراجع الأنهار الجليدية التي تشكل مصدرا مهما للمياه في أجزاء واسعة من المنطقة.
لذلك، تدعو الصحيفة إلى تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، ورفع مستوى الاستعداد للكوارث، ومنح إدارة المخاطر أولوية أكبر في السياسات الوطنية وميزانيات المساعدات.
وفي الوقت نفسه، يبقى الحد من مسببات تغير المناخ ضرورة أساسية، عبر تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وتسريع التحول نحو مصادر طاقة أقل تلويثا.
لكن مواجهة المخاطر الحالية تحتاج أيضا إلى إجراءات تكيف فعالة، وتحسين أنظمة الإنذار، وتحديث خرائط المخاطر باستمرار.
وفي النهاية، تكشف كارثة نيبال أن الخطر في الهيمالايا لم يعد حدثا منفردا يمكن التعامل معه بمعزل عن غيره.
فانهيار جليدي قد يقود إلى فيضان، والفيضان قد يغير مجرى نهر، بينما يمكن أن تهيئ هذه التغيرات الظروف لكارثة جديدة.
ولهذا، فإن الاستعداد للمخاطر المستقبلية يتطلب فهم سلسلة الأحداث كاملة، وليس التعامل مع كل كارثة باعتبارها حادثا منفصلا.



