
لم يكن اقتحام سالي حافظ أحد المصارف اللبنانية في سبتمبر/أيلول 2022، وهي تحمل ما بدا أنه سلاح للمطالبة بأموالها من أجل علاج شقيقتها، حادثة عابرة.
بل تحول المشهد إلى واحد من أبرز رموز انهيار النظام المصرفي اللبناني، بعدما وجد آلاف المودعين أنفسهم عاجزين عن الوصول إلى مدخراتهم، رغم استمرار ظهورها في حساباتهم المصرفية.
لكن قصة الانهيار لم تبدأ عام 2022، وإنما تعود إلى عقود سابقة، وتحديدا إلى أغسطس/آب 1993، عندما تولى رياض سلامة منصب حاكم مصرف لبنان.
وخلال نحو 3 عقود، أصبح سلامة أحد أبرز وجوه السياسة النقدية اللبنانية، في وقت اعتمد فيه الاقتصاد على نموذج مالي يقوم بصورة أساسية على جذب الودائع وتحويلات المغتربين والسياحة والاستثمارات.
كيف بُني النموذج المصرفي اللبناني؟
استفاد لبنان لسنوات من تثبيت سعر صرف الليرة أمام الدولار، إلى جانب تقديم فوائد مصرفية مرتفعة ساعدت على جذب المزيد من الأموال.
وبحلول عام 1999، استقر سعر صرف الليرة عند نحو 1507.5 ليرات للدولار، بينما وصلت أسعار الفائدة في بعض الفترات إلى ما بين 13 و17%.
في المقابل، اعتمدت المصارف اللبنانية بصورة متزايدة على مصرف لبنان والدولة.
فقد أودعت المصارف جزءا كبيرا من أموال العملاء لدى مصرف لبنان للاستفادة من الفوائد، بينما استخدمت جزءا آخر من الودائع في تمويل الدولة.
وبالتالي، أصبح القطاع المصرفي مرتبطا بشكل متزايد بالسياسات المالية للدولة وبمصرف لبنان.
كما تحولت التدفقات المالية القادمة من الخارج إلى عنصر أساسي في تمويل الاقتصاد، وسداد التزامات الدولة، والحفاظ على سعر صرف الليرة.
لكن هذا النموذج أخفى مشكلة كبيرة.
فمع تباطؤ نمو الودائع وتراجع تدفق الأموال الجديدة، بدأت الفجوة تتسع بين الأموال التي يطالب بها المودعون وبين السيولة والأصول المتاحة فعليا لدى النظام المصرفي.
الهندسات المالية عمقت الأزمة
في عام 2016، لجأ مصرف لبنان إلى ما عرف بـ”الهندسة المالية”، في محاولة لتعزيز احتياطياته والحفاظ على استقرار النظام النقدي.
وساعدت هذه العمليات على رفع الاحتياطيات إلى نحو 41 مليار دولار، لكنها في الوقت نفسه زادت انكشاف المصارف على مصرف لبنان والدولة.
وبذلك، أصبح النظام المالي أكثر اعتمادا على تدفقات مالية جديدة لتمويل التزامات سابقة.
وبدلا من معالجة الاختلالات الأساسية، ساهمت الهندسات المالية في تأجيل المشكلة وتعقيدها، بينما أصبحت أموال المودعين مرتبطة بدرجة أكبر بمصرف لبنان والدولة.
عام 2019.. بداية الانهيار الفعلي
جاء عام 2019 ليكشف حجم الأزمة بصورة أوضح.
فقد بدأت تدفقات الأموال الخارجية بالتراجع، ولم يعد لبنان قادرا على جذب الدولار بالسرعة الكافية لتمويل التزاماته والحفاظ على سعر الصرف.
وفي أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، اندلعت احتجاجات شعبية واسعة ضد الطبقة السياسية والفساد وسوء الإدارة.
وأغلقت المصارف أبوابها مؤقتا، قبل أن تعود للعمل وسط أزمة ثقة متزايدة.
وعند إعادة فتحها، فرضت المصارف قيودا على السحوبات والتحويلات، من دون وجود قانون موحد ينظم حركة رؤوس الأموال.
وهنا ظهرت واحدة من أبرز مفارقات الأزمة اللبنانية.
فالأموال بقيت موجودة على الورق داخل الحسابات المصرفية، لكن أصحابها فقدوا القدرة على الوصول إليها بحرية.
ومع انهيار الليرة وتعدد أسعار الصرف، بدأت القيمة الحقيقية للودائع بالتراجع، وتحول المودعون تدريجيا إلى أكبر الخاسرين.
التعثر السيادي يسرّع الانهيار
في يناير/كانون الثاني 2020، تسلمت حكومة حسان دياب إدارة البلاد وسط أزمة مالية كانت قد دخلت بالفعل مرحلة الانهيار.
ومع غياب قانون موحد لضبط حركة رؤوس الأموال، تركت المصارف لنفسها تحديد سقوف السحب والتحويل.
وأدى ذلك إلى تفاوت كبير في التعامل مع المودعين، في وقت استمرت فيه أزمة السيولة.
ثم جاءت الضربة الأكبر في 7 مارس/آذار 2020.
ففي ذلك اليوم، أعلنت الحكومة اللبنانية التوقف عن سداد سندات الدين الدولية “اليوروبوند”، البالغة قيمتها 1.2 مليار دولار.
وبذلك دخل لبنان أول تعثر سيادي في تاريخه.
بعد ذلك، طرحت حكومة دياب في مايو/أيار 2020 خطة للتعافي المالي أعدتها شركة “لازارد”، وتضمنت إعادة هيكلة شاملة للقطاع المصرفي.
لكن الخطة اصطدمت بخلافات حادة حول حجم الخسائر والجهة التي يجب أن تتحملها.
هل تتحمل الدولة الخسائر؟ أم مصرف لبنان؟ أم المصارف؟ أم المودعون؟
بقيت هذه الأسئلة من دون حل، وتحولت الخطة في النهاية إلى مشروع لم يجد طريقه إلى التنفيذ، بينما واصل القطاع المالي انهياره وتراكم الخسائر.
عندما اقتحم المودعون المصارف
بحلول عام 2022، لم يعد غضب المودعين يقتصر على الاحتجاج في الشوارع.
انتقلت الأزمة إلى داخل المصارف نفسها.
وخلال أسبوع واحد، اقتحم 7 مودعين على الأقل فروعاً مصرفية بالقوة للمطالبة بأموالهم، في مشاهد عكست حجم اليأس الذي وصل إليه أصحاب الودائع بعد سنوات من القيود.
وكانت سالي حافظ واحدة من أشهر الحالات.
ففي سبتمبر/أيلول 2022، اقتحمت مصرفا للمطالبة بأموالها من أجل تغطية تكاليف علاج شقيقتها.
وأصبحت الواقعة رمزا للأزمة التي دفعت المودعين إلى البحث عن طرق استثنائية للوصول إلى أموالهم.
ووصف البنك الدولي الأزمة اللبنانية بأنها واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية والمالية في العالم منذ عام 1850، وحمّل النخب الحاكمة مسؤولية كبيرة عن طريقة إدارتها.

رياض سلامة.. المسؤول عن الانهيار؟
غادر رياض سلامة مصرف لبنان في يوليو/تموز 2023، بعد نحو 3 عقود على رأس المؤسسة النقدية.
لكن خروجه لم ينه الملفات المرتبطة بالمرحلة السابقة.
وفي سبتمبر/أيلول 2024، أوقفته السلطات اللبنانية في قضايا مرتبطة بشركات خدمات مالية، ووجهت إليه اتهامات بالاختلاس والتزوير والإثراء غير المشروع.
وأفرج عنه لاحقا بكفالة، مع استمرار القيود القضائية.
وفي يناير/كانون الثاني 2026، واجه اتهاما جديدا يتعلق باختلاس نحو 44.8 مليون دولار في قضية “الحساب الاستشاري”.
ومع ذلك، فإن اختزال انهيار النظام المصرفي اللبناني في شخص رياض سلامة وحده لا يفسر الصورة كاملة.
فسلامة كان جزءا أساسيا من منظومة مالية امتدت لثلاثة عقود، وشملت سياسات الاستدانة والدعم والهندسات المالية والعلاقة بين مصرف لبنان والمصارف والطبقة السياسية.
أزمة نظام كامل
في النهاية، لم يسقط النظام المصرفي اللبناني في يوم واحد.
بل تآكل تدريجيا تحت ضغط نموذج مالي اعتمد لسنوات على تدفقات الأموال الخارجية، والفوائد المرتفعة، وتمويل الدولة، وتثبيت سعر الصرف.
وعندما تراجعت تدفقات الدولار، ظهرت نقاط الضعف التي تراكمت داخل هذا النموذج.
وبالتالي، لم تكن أزمة لبنان مجرد أزمة مصرفية، بل نتيجة تراكم طويل من الاختلالات المالية والنقدية والسياسية.
أما المودعون، فبقوا في الطرف الأضعف من المعادلة.
أموالهم ما زالت تظهر في الحسابات، لكن الوصول إليها أصبح مقيدا، فيما فقدت نسبة كبيرة من قيمتها مع انهيار الليرة وتعدد أسعار الصرف.
وهكذا تحول انهيار النظام المصرفي اللبناني إلى واحدة من أعمق الأزمات الاقتصادية التي شهدها لبنان في تاريخه الحديث، بعدما وجد المواطن نفسه أمام مفارقة قاسية: أموال موجودة على الورق، لكنها غير متاحة فعليا.



