
واكتملت الرواية (الجزء الثاني): العرض التركي–القطري… واستدعاء موسكو للأسد ..
من العرض الإقليمي إلى استدعاء موسكو… اللحظات التي بدأت فيها ملامح التغيير تظهر بوضوح
المقدمة
يستكمل هذا الجزء ما بدأ في الرواية الأولى، وينتقل من التحوّل الإسرائيلي في التعامل مع الملف السوري إلى طَرح تركيا وقطر صيغة بديل جاهز للحكم ضمن المسار الدولي الذي كان يتشكّل خارج دمشق.
المادة الواردة هنا تأتي استمرارًا للشهادة نفسها، دون أي تعديل في مضمونها أو تسلسلها، وتعكس ما جرى داخل دائرة القرار خلال المرحلة التي سبقت سقوط الدولة.
ويكشف هذا الجزء كيف انتقل الملف السوري من نطاق العمليات الميدانية إلى مشروع سياسي–أمني خارجي بدأت ملامحه تُرسَم قبل أن تظهر نتائجه على الأرض.
العرض القطري–التركي: صيغة البديل الجاهز

وتابع المصدر سرعان ما وصل إلى تركيا وقطر، عبر قنوات مختلفة، أنّ القرار الأميركي–الإسرائيلي يتجه نحو تغيير السلطة في دمشق بصورة مباشرة. وبمجرد أن أدرك الطرفان أنّ “النافذة الدولية” فُتحت، تحرّكا لتقديم ما وصفه المصدر بـ “حلّهما الجاهز”: صيغة سياسية تقوم على إدخال أبو محمد الجولاني كبديل للحكم في سوريا.
وبحسب المصدر، فقد رأت أنقرة والدوحة أن هذه اللحظة تمثل فرصة نادرة — “الصيدة التي جاءت إلى اليد”، كما وصفها — لتقديم مشروع يتوافق مع مصالحهما، ويضمن قبولًا دوليًا سريعًا، في إطار سياسي–أمني قريب من مشروع الإخوان المسلمين.
ويضيف المصدر أن المبادرة لم تُقدَّم كاقتراح عابر، بل كخطة انتقال كاملة قُدّمت للأميركيين والإسرائيليين، وتقوم على التزام الجولاني — بشكل واضح وغير مُعلن — بمجموعة نقاط أساسية، أبرزها:
— تنفيذ ما تطلبه واشنطن في إدارة المرحلة المقبلة،
— ضمان استقرار الجبهة الجنوبية بما يطمئن إسرائيل،
— التعامل بمرونة مع أي ترتيبات تخصّ ملف الجولان،
— الامتناع عن أي مواجهة أو تصعيد غير مرغوب،
— والقبول والمساهمة في إدخال سوريا في مرحلة جديدة تُبقي البلاد في حالة تفكك سياسي ومناطقي.
كما تضمنت الصيغة — وفقًا للمصدر — تكريس وضع يمنح تركيا حضورًا مؤثرًا داخل الملفات الميدانية والأمنية في سوريا، ويمنح قطر دورًا مباشرًا في المسار السياسي والاقتصادي، من دون أن يقتصر ذلك على منطقة جغرافية محددة، وبما ينسجم مع مصالحهما ورؤيتهما للمرحلة المقبلة.
وبهذه العناصر مجتمعة، تحوّلت المبادرة التركية–القطرية إلى البديل الأكثر جاهزية على طاولة القوى الدولية، واستُقبلت بوصفها مشروعًا قابلًا للتنفيذ الفوري بمجرد اكتمال ترتيبات إخراج الرئيس الأسد من المشهد.
من أوراق الخارج إلى استدعاء موسكو

سؤال:
بعد كل ما ذكرتَه عن التحوّل الدولي، والعرض التركي–القطري، والمشروع الذي بدأ يتشكل لما بعد الأسد… كيف تفاعلت دمشق نفسها مع هذا المشهد؟ وهل وردتكم أي إشارات مباشرة غيّرت طريقة القراءة داخل القيادة؟
الجواب :
نعم… وهنا بالتحديد بدأت مرحلة جديدة، وكانت الإشارة الأوضح والأكثر حسماً من موسكو نفسها. فبعد أيام قليلة على بدء التحول الدولي، وصل إلى دمشق عبر القناة الروسية طلب عاجل بأن يتوجّه الرئيس الأسد إلى موسكو في زيارة غير معلنة امتدّت لثلاثة أيام كاملة: 25 و26 و27 نوفمبر 2024. لم تُقدَّم الدعوة بصيغة بروتوكولية أو اقتراح سياسي، بل جاءت — كما أصفها — استدعاءً مباشراً يحمل طابع الإبلاغ لا التشاور.
اليوم الأول — 25 نوفمبر 2024
وصل الرئيس الأسد إلى موسكو مساءً، وعُقد اللقاء الأول مع الرئيس فلاديمير بوتين في جلسة مغلقة بالكامل، حضرها عدد محدود جدًا من كبار المستشارين الأمنيين الروس. وفي هذا اللقاء، لم يستخدم بوتين أي مقدمات دبلوماسية، بل بدأ بالكلام مباشرة:
“المجلس الوزاري الأمني المصغّر في إسرائيل (الكابينيت) يدرس قرار اغتيالك… ولا نستطيع حمايتك.”
ثم تابع بوتين بصراحة غير مسبوقة:
“الموضوع لم يعد مسألة ضربات أو رسائل بالنار… هناك تفاهمات أكبر، والقرار تجاوز مستوى يمكن لروسيا تعطيله.”
ويقول المصدر:
“رغم هذا الكلام المباشر، بقي الرئيس الأسد مُصمّمًا على المقاومة… كان موقفه واضحًا بأنه لن يغادر موقعه ولن يستسلم للتهديد.”
لكن — يضيف المصدر —
“الإصرار شيء… والمشهد الدولي شيء آخر تمامًا.”
لقد كانت الجلسة الأولى جلسة إبلاغ نهائي لا تحمل أي مساحة للمساومة.
اليوم الثاني — 26 نوفمبر 2024
عُقدت جلسة ثانية مطوّلة اتخذت طابع “الإحاطة الاستراتيجية”. عرض الروس خرائط وتحركات وتقديرات استخبارية، وأوضحوا أنّهم لن يدخلوا في مواجهة مباشرة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة لحماية الرئيس الأسد.
وفي الوقت نفسه، بينما كان الرئيس الأسد لا يزال في موسكو، ظهر بنيامين نتنياهو على منصة الأمم المتحدة في نيويورك، وقال:
“الأسد يلعب بالنار.”
ويعلّق المصدر:
“هذا التصريح لم يكن تحليلًا أو تقديرًا… كان تثبيتًا علنيًا لما سمعه الرئيس الأسد داخل الكرملين.”
اليوم الثالث — 27 نوفمبر 2024
اليوم الأخير كان الأقصر من حيث اللقاءات، والأكثر حساسية من حيث التطورات. فمع ساعات الفجر الأولى — والرئيس الأسد لا يزال في موسكو — بدأت الفصائل المسلحة بدعم تركي مباشر ونظم تشويش إسرائيلية هجومها الواسع من إدلب باتجاه الأطراف الغربية والجنوبية من حلب.
كان ذلك — بحسب المصدر — أول تنفيذ عملي للمسار الدولي الجديد.
استكمل الرئيس الأسد لقاءاته التقنية مع المسؤولين الروس، وقبيل المغادرة، نقل الروس له رسالة أخيرة:
“إذا اتُّخذ القرار داخل المجلس الوزاري الأمني المصغّر في إسرائيل (الكابينيت)، وانتقل إلى مرحلة التنفيذ، فسنبلغكم بالمعطيات فورًا.”
ويؤكد المصدر:
“تلك العبارة كانت الختم الفعلي للزيارة… إعلان نهاية مرحلة كاملة، وبداية مرحلة لم تعد فيها قرارات دمشق هي التي تحدد مستقبل سوريا.”
غادر الرئيس الأسد موسكو بعد الظهر عائدًا إلى دمشق، وفي تلك اللحظة كان الهجوم الذي بدأ صباحًا يتوسع على محاور حلب، ممهّدًا لبداية سلسلة الانهيارات التي ستتتابع في الأيام التالية.
من موسكو إلى حلب: أول اختبار ميداني للقرار الدولي

سؤال :
بعد عودتكم من موسكو، كان واضحًا أن المسار السياسي قد تغيّر…
لكن ميدانيًا، ما هي اللحظة التي جعلتكم تدركون أن الأمور لم تعد تدور في إطار الحرب التقليدية؟
كيف بدأت الإشارات الأولى على الأرض، وكيف ظهر أن ما يجري مرتبط مباشرة بالقرار الدولي الذي تحدّثت عنه ؟
الجواب :
بعد العودة من موسكو لم نكن نحتاج إلى كثير من الوقت كي نفهم أن المشهد تغيّر.
اللحظة التي كشفت ذلك كانت فجر السابع والعشرين من نوفمبر.
منذ الدقائق الأولى للهجوم الذي انطلق من إدلب باتجاه أطراف حلب، ظهر أن ما يجري ليس عملاً من الفصائل، بل تنفيذ مباشر لقرار دولي اتُّخذ مسبقًا — ومن دون أن يكون هناك قتال فعلي على الأرض.
الطريقة التي بدأ فيها الهجوم كانت مختلفة بالكامل:
طائرات مسيّرة تركية دقيقة، وتشويش إلكتروني إسرائيلي قطع الاتصالات بين القطاعات العسكرية حتى بدا وكأن القيادة اختفت من السماء.
هذا النوع من العمل لا تقوم به مجموعات مسلّحة، بل دول، وخصوصًا عندما يُنفّذ بهذا الشكل الذي يُلغي إمكانية المواجهة أصلًا.
وفي الوقت نفسه، غاب الروس والإيرانيون عن الصورة نهائيًا.
لا تغطية، لا تحرك، ولا حتى تواصل.
وعندما تبيّن أن بعض القيادات الإيرانية كانت قد غادرت حلب قبل يومين، أصبح واضحًا أن الجميع كان يعلم بما سيجري… إلا دمشق.
بهذه العناصر مجتمعة، اتضح أن ما يحدث هو المرحلة الأولى من تنفيذ العرض التركي–القطري: فتح الطريق ميدانيًا تمهيدًا لإدخال الجولاني كبديل جاهز برعاية أميركية–إسرائيلية، من دون دخول الجيش السوري في أي معركة حقيقية.
وحين بدأت أوامر الانسحاب المتضاربة في الثلاثين من نوفمبر،
وعندما تعطّلت الاتصالات بالكامل،
كان واضحًا أن القرار خرج من يد الجيش، وأن ما يجري لم يعد “جبهة شمالية” بل بداية انهيار منظّم تقرر خارج الحدود، وتحقق على الأرض بلا اشتباك يُذكر.
وباختصار — وهذه خلاصة ما قاله المصدر:
“في تلك الأيام، لم تعد الحرب حربًا… لأن المعارك لم تحصل أصلًا… وبدأت المرحلة التي يُنفّذ فيها القرار الدولي كما هو،.
خطوة بخطوة، وبلا طلقة واحدة تقريبًا.”
أستانا: تثبيت الاتفاق بدل التفاوض

سؤال :
بعد كل هذه التطورات التي بدأت على الأرض دون أي معارك، وبعد اختفاء الدور الروسي والإيراني ميدانيًا، كيف انعكس هذا المشهد على الطاولة السياسية؟ وبالتحديد… كيف فهمتم أن الأمور خرجت من الميدان إلى قرار دولي يجري تثبيته سياسيًا؟
الجواب :
بعد كل ما جرى على الأرض دون معارك، أصبح واضحًا أن الانتقال إلى المسار السياسي لم يكن سوى الخطوة التالية في مسار جرى رسمه مسبقًا خارج سوريا. فالتحرك الذي بدأ من إدلب، ثم الانسحابات التي حصلت داخل وحدات كاملة دون مواجهة، كان يعكس قرارًا دوليًا يجري تثبيته تدريجيًا على مراحل. وعندما وصلنا إلى أستانا في 8 ديسمبر 2024، اتضح منذ اللحظة الأولى أن هذا الاجتماع لا يشبه أي جولة سابقة. فالصورة التي بدأت تتشكّل في دمشق لم تأتِ من داخل الجلسة — لأن سوريا لم تكن حاضرة — بل من خلال ما ظهر من مواقف واتصالات لاحقة مع الحلفاء الروس والإيرانيين. ومن خلال تلك الاتصالات، بات واضحًا أن النقاش في أستانا لم يكن محاولة لصياغة اتفاق جديد، بل لتثبيت اتفاق جرى التفاهم عليه مسبقًا بين القوى الأساسية.
ففي جلسة مغلقة جمعت الروس والإيرانيين من جهة، والوفدين التركي والقطري من جهة أخرى، تم وضع النقاط على الحروف. أُبلغ الروس والإيرانيون بشكل صريح بأن الاتفاق مع واشنطن وتل أبيب دخل حيّز التنفيذ، وأن أبو محمد الجولاني هو الخيار الدولي المعتمد لإدارة سوريا في المرحلة المقبلة،وأن أي محاولة لحماية الرئيس الأسد ستقود فورًا إلى تفعيل السيناريو العسكري.
ثم جاءت الجملة التي أنهت كل احتمالات المناورة:
“لا تتدخلوا لحماية الرئيس الأسد… القرار مُتخذ.”
بعد هذا الموقف الحاسم، جرت سلسلة من المشاورات الجانبية وأخذ الضمانات بين الأطراف الحاضرة لضمان تنفيذ الخطة دون اعتراضات أو مفاجآت. وبعد تثبيت هذه التفاهمات، خرج إعلان وقف إطلاق النار رسميًا — من دون حضور أي ممثل عن سوريا، ودون أي محاولة لمنحها شكلًا من أشكال المشاركة في القرار.
في تلك اللحظة، أصبح واضحًا أن ما جرى على الأرض في 27 و30 نوفمبر كان التنفيذ الميداني للمرحلة الأولى، وأن اجتماع أستانا شكّل التثبيت السياسي للمرحلة التالية: مرحلة إخراج الرئيس الأسد من المعادلة بقرار دولي مكتمل — عسكريًا، سياسيًا، ودبلوماسيًا.
بهذا الفصل من الشهادة، تتضح ملامح التحوّل الذي خرجت فيه سوريا من إطار الصراع العسكري التقليدي، ودخلت في طور جديد كانت مفاتيحه خارج حدودها بالكامل. من العرض التركي–القطري إلى استدعاء موسكو، ومن الانهيار الميداني الصامت إلى تثبيت الاتفاق في أستانا… يتبيّن أن ما جرى لم يكن سلسلة قرارات متفرّقة، بل مسارًا دوليًا محكمًا تحرّك خطوة بخطوة نحو لحظة حاسمة. وإذا كان هذا الجزء قد كشف طبيعة الدور الإقليمي والدولي، وكيف بدأت مفاتيح الدولة تنتقل تدريجيًا إلى طاولات قرار أخرى، فإن ما سيأتي يحمل الأسئلة الأثقل:
كيف وصل القرار إلى لحظة التنفيذ؟
وماذا جرى في الساعات التي سبقت خروج الرئيس الأسد من دمشق؟
ومن حسم المشهد في النهاية؟
هذه التفاصيل — وفق شهادة المصدر — تمثّل ذروة الرواية، وتضع النقاط الأخيرة على مسار انهيار الدولة وخروج رأس السلطة من العاصمة.



