تحقيقات و مقالات

من كوسوفو إلى أوكرانيا..هل تفوق السلاح الغربي على الروسي والصيني مجرد وهمّ؟

من كوسوفو إلى أوكرانيا..هل تفوق السلاح الغربي على الروسي والصيني مجرد أسطورة؟

في مساء 27 مارس/آذار 1999، حلّقت المقاتلة الأمريكية الشبحية “إف-117 نايت هوك” فوق الأجواء الصربية ضمن عمليات حلف شمال الأطلسي (الناتو) خلال حرب كوسوفو.

آنذاك، مثّلت الطائرة قمة التكنولوجيا العسكرية الأمريكية، وأصبحت رمزًا للتفوق التقني الذي ساد مرحلة ما بعد الحرب الباردة.

في المقابل، تمركزت قرب بلغراد بطارية دفاع جوي صربية من طراز “إس-125 نيفا” السوفياتية القديمة، المعروفة لدى الناتو باسم “سام-3”.

وبحسب المقاييس العسكرية السائدة في ذلك الوقت، بدت المواجهة محسومة مسبقًا لصالح الطائرة الشبحية.

كيف أسقطت صربيا المقاتلة الشبحية الأمريكية؟

لم يعتمد الضابط الصربي المسؤول عن البطارية على مواجهة مباشرة مع التكنولوجيا الأمريكية المتقدمة، بل استخدم تكتيكًا مختلفًا يقوم على تشغيل الرادار لثوانٍ معدودة ثم إيقافه بسرعة، مع تغيير موقع البطارية باستمرار.

ونتيجة لذلك، تمكن من التقاط إشارات ضعيفة للطائرة الشبحية خلال مرورها المتكرر في المسار نفسه تقريبًا.

وبعد تقدير اتجاهها وارتفاعها، أطلق الصواريخ في التوقيت المناسب، ما أدى إلى إسقاط الطائرة.

مع ذلك، لا تعني هذه الحادثة فشل تقنية التخفي الأمريكية، كما لا تثبت تفوق منظومة دفاع جوي قديمة على أحدث الطائرات الغربية.

بل تكشف أهمية الخبرة البشرية وحسن توظيف القدرات المتاحة داخل ساحة المعركة.

لماذا تقود المقارنات المبسطة إلى استنتاجات خاطئة؟

غالبًا ما تُستخدم حوادث إسقاط طائرات أو تدمير دبابات أو اختراق شبكات دفاع جوي كدليل على تفوق سلاح على آخر. لكن الواقع العسكري أكثر تعقيدًا من ذلك.

فعلى سبيل المثال، حققت الولايات المتحدة خلال حرب الخليج عام 1991 نجاحًا كبيرًا ضد منظومات ودبابات عراقية سوفياتية الصنع.

كما واجهت بعض الأنظمة الروسية والصينية انتكاسات في دول أخرى خلال العقود الماضية.

لكن هذه النتائج لا تعكس بالضرورة مستوى التكنولوجيا نفسها، لأن أداء السلاح يرتبط بعوامل متعددة تتجاوز المواصفات الفنية.

العقيدة العسكرية أهم من السلاح نفسه

يرى خبراء عسكريون أن العقيدة التشغيلية تمثل أحد أهم عناصر النجاح في الحروب الحديثة.

وتشمل العقيدة العسكرية طريقة دمج القوات الجوية والدفاع الجوي والاستطلاع والحرب الإلكترونية ضمن منظومة واحدة تعمل بشكل متكامل. لذلك، قد تمتلك دولة أسلحة متطورة، لكنها تفشل في تحقيق نتائج فعالة إذا افتقدت التنسيق والقيادة والسيطرة المناسبة.

علاوة على ذلك، يؤثر مستوى التدريب والجاهزية البشرية بشكل مباشر على أداء المنظومات القتالية، مهما بلغت درجة تطورها.

هل تحصل الدول المستوردة على النسخ الكاملة من الأسلحة؟

في كثير من الحالات، لا تبيع الدول المصنعة أحدث نسخ أسلحتها إلى الخارج، بل تصدر نسخًا مخففة القدرات مقارنة بالنسخ المستخدمة داخل جيوشها.

ويعود ذلك إلى أسباب أمنية وتقنية تهدف إلى الحفاظ على التفوق العسكري ومنع انتقال التكنولوجيا الحساسة إلى خصوم محتملين.

وتناول الضابط السوفياتي السابق فيكتور سوفوروف هذه الفكرة في كتابه “Inside the Soviet Army”، حيث تحدث عن ما عُرف داخل المؤسسة العسكرية السوفياتية باسم “نموذج القرد” أو “Monkey Model”، والذي يقوم على تصدير نسخ مبسطة من بعض الأسلحة للحلفاء.

إسكندر الروسي مثال على اختلاف النسخ العسكرية

يُعد صاروخ “إسكندر” الروسي من أبرز الأمثلة على الفروقات بين النسخ المحلية والتصديرية.

فالنسخة الروسية “إسكندر-إم” تمتلك مدى وقدرات أعلى مقارنة بالنسخة التصديرية “إسكندر-إي”، التي تخضع لقيود تتعلق بالمدى وحمولة الرأس الحربي.

لذلك، فإن تقييم أداء النسخ التصديرية لا يقدم دائمًا صورة دقيقة عن الإمكانات الحقيقية للمنظومة الأصلية.

لماذا تشتري بعض الدول أسلحة أقل تطورًا؟

لا ترتبط صفقات السلاح دائمًا بالحاجة إلى تحقيق التفوق العسكري المباشر.

ففي أحيان كثيرة، تستخدم الدول شراء الأسلحة كرسالة سياسية أو وسيلة لتعزيز العلاقات مع القوى الكبرى.

ولهذا السبب، قد تلجأ بعض الحكومات إلى اقتناء منظومات متقدمة لأغراض الردع السياسي أكثر من استخدامها في مواجهة عسكرية شاملة.

مواجهة الهند وباكستان.. اختبار مهم للسلاح الصيني

قدمت المواجهة الجوية بين الهند وباكستان في مايو/أيار 2025 نموذجًا أكثر توازنًا لتقييم أداء الأسلحة الحديثة.

ففي هذه الحالة، واجهت مقاتلات “جيه-10 سي” الصينية مقاتلات “رافال” الفرنسية ضمن بيئة تشغيل أكثر تقاربًا من حيث التدريب والبنية العسكرية.

وأشارت تقارير وتحليلات متعددة إلى خسارة الهند طائرة رافال واحدة على الأقل خلال الاشتباكات، وهو ما أثار نقاشًا واسعًا حول القدرات المتنامية للصناعة العسكرية الصينية.

صاروخ PL-15 يغير معادلات القتال الجوي

برز خلال المواجهة صاروخ “بي إل-15” الصيني بعيد المدى، والذي يمنح الطائرات قدرة على الاشتباك خارج مدى الرؤية.

ويعتمد هذا النوع من المعارك على سرعة اكتشاف الخصم وإطلاق الصاروخ أولًا، بدلًا من المناورات الجوية التقليدية القريبة.

لذلك، ينظر العديد من الخبراء إلى “بي إل-15” باعتباره منافسًا مباشرًا لصواريخ “ميتيور” الأوروبية و”أمرام” الأمريكية، ما يعكس التطور المتسارع للصناعات الدفاعية الصينية.

ماذا تكشف الحرب الأوكرانية؟

منذ اندلاع الحرب الأوكرانية عام 2022، استخدمت كييف مجموعة واسعة من الأسلحة الغربية المتقدمة، شملت أنظمة دفاع جوي حديثة وصواريخ بعيدة المدى وراجمات دقيقة التوجيه.

في المقابل، واصلت روسيا تطوير قدراتها العسكرية، ووسعت استخدام الطائرات المسيّرة والذخائر الانزلاقية، كما عززت شبكات الدفاع الجوي متعددة الطبقات.

ورغم الدعم الغربي الواسع لأوكرانيا، لم يؤد ذلك إلى انهيار القدرات العسكرية الروسية، بل شهدت جبهات القتال مراحل متعددة من التقدم والتراجع لكلا الطرفين.

هل السلاح الغربي أفضل من الروسي والصيني؟

لا تقدم الحروب الحديثة إجابة حاسمة على هذا السؤال، فالتفوق العسكري لا يعتمد على جودة السلاح فقط، بل يرتبط أيضًا بالعقيدة القتالية، ومستوى التدريب، وشبكات القيادة والسيطرة، والتكامل بين مختلف الأفرع العسكرية.

لذلك، لا يمكن اعتبار نجاح منظومة معينة دليلًا على تفوق مطلق، كما لا يمكن الحكم على فشل منظومة أخرى من خلال تجربة واحدة أو بيئة تشغيل محدودة.

وفي النهاية، تكشف تجارب كوسوفو وأوكرانيا ومواجهة الهند وباكستان أن نتائج المعارك الحديثة تُصنع عبر مزيج من التكنولوجيا والخبرة البشرية والتكامل العملياتي، وليس عبر مقارنة بسيطة بين أسماء الأسلحة أو الدول المصنعة لها.

اقرأ أيضاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى