تحقيقات و مقالاتسياسةمحليات

من «الرد على كل خرق» إلى الصمت تحت النار.. ما الذي أعاد حزب الله إلى المعادلة التي رفضها؟

إسرائيل تواصل اعتداءاتها في الجنوب بلا رد يغيّر المعادلة، وحزب الله يتمسك بخطاب مرتفع السقف، فيما تفاوض الدولة على انسحاب لم يكتمل.. فمن فرض قواعد اللعبة الجديدة؟

الصحفي حسين حرقوص كاتب المقال التحليلي

بقلم الصحفي حسين حرقوص

منذ بدء الحديث عن وقف جديد لإطلاق النار في لبنان،والذي جاء في سياق التفاهم الأميركي–الإيراني والمسار التفاوضي الذي كانت تستضيفه سويسرا، عادت قضية حزب الله والخروقات الإسرائيلية إلى صدارة المشهد. وكان موقف الحزب واضحًا: لن تتكرر تجربة اتفاق تشرين الثاني 2024، ولن يقبل بتهدئة تتيح لإسرائيل مواصلة القصف والاغتيالات وتدمير المنازل والتحرك داخل الأراضي اللبنانية، فيما يُطلب منه وحده التزام وقف النار.

وعلى لسان أكثر من مسؤول، أكد الحزب أن أي خرق إسرائيلي سيواجه بالرد، مقدمًا بذلك معادلة يفترض أنها مختلفة عن المرحلة السابقة: لا وقف للنار من طرف واحد، ولا حرية حركة لإسرائيل من دون ثمن.

لكن ما حدث بعد ذلك جاء مختلفًا.

فالاعتداءات الإسرائيلية لم تتوقف، واستمرت الغارات والاغتيالات وتفجير المنازل والتحركات العسكرية في الجنوب، فيما غاب الرد الذي تحدث عنه الحزب، وعادت إلى الواجهة، من حيث النتيجة، المعادلة نفسها التي أعلن أنه لن يقبل بتكرارها.

وهنا يبرز السؤال الذي تتجاوز أهميته تعداد الخروقات اليومية نفسها:

ما الذي أعاد حزب الله إلى الصمت الذي قال إنه لن يقبله مجددًا ؟

وقف للنار على الورق.. والاعتداءات مستمرة على الأرض

غارات إسرائيلية متواصلة على مناطق في جنوب لبنان رغم وقف إطلاق النار

لم يحتج اللبنانيون إلى وقت طويل لاكتشاف هشاشة وقف إطلاق النار الجديد. فبعد دخوله حيز التنفيذ، لم تتوقف العمليات الإسرائيلية داخل لبنان، وبقي الجنوب على امتداد الأسابيع التالية مسرحًا لغارات جوية وضربات بالطائرات المسيّرة وعمليات اغتيال، طالت عناصر من حزب الله وسقط خلالها مدنيون أيضًا، إلى جانب تفجير المنازل والمنشآت وتجريف الأراضي والتحركات والتوغلات العسكرية في عدد من المناطق الحدودية، فضلًا عن استمرار الوجود الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية.

ولم تعد هذه العمليات مجرد حوادث متفرقة يمكن التعامل معها بوصفها خروقات استثنائية لوقف إطلاق النار، بل تحولت إلى مشهد متكرر يكاد يرافق يوميات الجنوب. ففي الوقت الذي كانت فيه الاتصالات السياسية والمفاوضات تتحدث عن تثبيت التهدئة والانسحاب والترتيبات الأمنية، بقيت إسرائيل تنفذ عملياتها على الأرض، وتلاحق من تقول إنهم عناصر في حزب الله، وتستهدف ما تعتبره بنى عسكرية تابعة له، وتفجر المنازل في القرى الجنوبية.

اتفاق الإطار أيضاً لم يوقف الاعتداءات الإسرائيلية

والأخطر أن هذه العمليات لم تتوقف مع الانتقال إلى اتفاق الإطار، ولا مع بدء الحديث عن «المناطق التجريبية» وانتشار الجيش اللبناني، بل استمرت بالتوازي مع المسار التفاوضي نفسه. وهكذا وجد لبنان نفسه أمام واقع شديد التناقض: مفاوضات تجري حول الانسحاب ووقف الاعتداءات من جهة، فيما تستمر الغارات والاغتيالات والتفجيرات والتحركات العسكرية على الأرض من جهة أخرى.

حزب الله أمام الخروقات.. أين ذهب وعد الرد؟

أمام هذا المشهد، لم يعد من الضروري التوقف عند كل غارة أو اغتيال أو منزل جرى تفجيره لإثبات استمرار الخروقات، لأن كثافتها وتكرارها جعلت منها واقعًا قائمًا بذاته. لكن ما يستحق التوقف عنده فعلًا هو الطرف الآخر من المعادلة.

فمقابل هذا الاستمرار شبه اليومي للعمليات الإسرائيلية، لم يعد حزب الله إلى سياسة الرد العسكري المعلن على كل خرق كما تعهد مسؤولوه عند بداية وقف النار، ولم يظهر حتى الآن رد قادر على إعادة فرض معادلة ردع تحد من حرية الحركة الإسرائيلية داخل لبنان.

وهنا تظهر المفارقة الأكبر: فالحزب الذي رفض أن يمنح أي اتفاق إسرائيل «حرية الحركة»، وجد نفسه بعد أسابيع أمام واقع تمتلك فيه إسرائيل هذه الحرية على الأرض، ليس لأن اتفاقًا معلنًا منحها إياها بالضرورة، بل لأن عملياتها استمرت من دون أن تواجه بالرد الذي قال الحزب سابقًا إنه سيجعل أي خرق مكلفًا.

ومن هذه المفارقة تحديدًا، يبدأ البحث عن الأسباب التي دفعت حزب الله إلى هذا التحول .

هل المشكلة في امتلاك السلاح أم في القدرة على استخدامه؟

من السهل اختصار المشهد بالقول إن حزب الله تعرض لضربات عسكرية قاسية وإن ميزان القوى تغير. لكن هذه الإجابة، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لتفسير ما يجري.

إسرائيل تقدم رواية شديدة القسوة عن حجم ما أصاب قدرات الحزب، وتقول إن الجزء الأكبر من ترسانته وبناه العسكرية تعرض للتدمير. وهذه بطبيعة الحال تقديرات إسرائيلية لا يمكن التعامل معها كحقائق مستقلة ونهائية، لكنها تكشف بوضوح الطريقة التي تنظر بها القيادة الإسرائيلية إلى ميزان القوى الجديد.

وحتى لو افترضنا أن هذه التقديرات مبالغ فيها، يبقى من الصعب تجاهل أن الحزب خرج من المواجهات الأخيرة في وضع مختلف جذريًا عن المرحلة التي بنى خلالها قدراته على مدى سنوات طويلة.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل لا يزال حزب الله يمتلك صواريخ ؟

فالأرجح أنه يمتلك

 لكن هل ما زال يمتلك حرية استخدام ما لديه؟

فإطلاق صاروخ أو تنفيذ عملية عسكرية ليس هو التحدي الأكبر. التحدي يبدأ في الساعة التالية، عندما ترد إسرائيل بعشرات أو مئات الضربات، وربما تفتح جبهة أوسع، وتعود مناطق لبنانية واسعة إلى دائرة الاستهداف الثقيل.

ربما يستطيع الحزب أن يرد.

لكن هل يستطيع تحمل نتائج هذا الرد؟

هذه هي المعادلة التي ربما تكون تغيرت فعلًا. وفي حال كان هذا هو السبب، يصبح الصمت العسكري مفهومًا من زاوية الحسابات الواقعية، لكنه يفتح في المقابل أزمة أخرى تتعلق بالخطاب السياسي الذي لا يزال يُقدّم إلى جمهور الحزب وكأن قواعد الاشتباك القديمة لم تتغير.

وهنا تحديدًا يصبح السؤال عن قدرة الحزب على الرد أقل أهمية من السؤال عن الثمن الذي قد يدفعه إذا قرر استخدام هذه القدرة

بين حماية ما تبقى والخوف من حرب لا يمكن ضبطها

قد يكون حزب الله اليوم أمام واحدة من أصعب المعضلات في تاريخه. فإذا رد على كل غارة أو اغتيال كما تعهد مسؤولوه، فقد يجد نفسه سريعًا أمام مواجهة واسعة مع إسرائيل، في وقت لم يستكمل فيه إعادة ترتيب صفوفه ولا ترميم ما خسره من قدرات.

وإذا لم يرد، فإنه يسمح تدريجيًا بتكريس واقع لطالما أعلن رفضه: أن تتحول العمليات الإسرائيلية داخل لبنان إلى أمر اعتيادي لا يواجه برد، وأن تصبح حرية الحركة التي رفض منحها لإسرائيل قائمة بالفعل على الأرض.

وهكذا يصبح الحزب أمام خيارين كلاهما مكلف. الأول هو استخدام ما تبقى من قوته والدخول في مواجهة قد لا تكون ظروفها مناسبة له، والثاني هو الحفاظ على هذه القوة وانتظار توقيت أفضل، ولو كان ثمن ذلك الصمت أمام استمرار الاستهدافات الإسرائيلية.

حزب الله وبيئته.. لماذا لا تُقال الحقيقة؟

لكن المشكلة لا تكمن فقط في الخيار الذي اتخذه الحزب، بل في أنه لم يشرح هذا الخيار لجمهوره بهذه الصراحة.

فالحزب لم يقل إن موازين القوى تغيرت، ولم يعلن أن الأولوية في هذه المرحلة هي حماية ما تبقى من قدراته أو إعادة بنائها، ولم يوضح ما إذا كان امتناعه عن الرد نابعًا من الخشية من توسع الحرب أو من حسابات عسكرية وإقليمية أخرى.

وبدلًا من ذلك، بقي الخطاب السياسي مرتفع السقف، واستمرت الانتقادات للدولة واتفاق الإطار، فيما بدا السلوك العسكري على الأرض أكثر هدوءًا بكثير من اللغة المستخدمة في المواقف والتصريحات.

وهنا تتسع المسافة بين الخطاب والواقع، ويصبح السؤال عن قرار حزب الله أكثر تعقيدًا: هل اختار الحزب هذا الهدوء بنفسه لحماية ما تبقى من قوته، أم أن القرار لم يعد مرتبطًا بالحسابات اللبنانية وحدها؟

ومن هذه النقطة تحديدًا، يصبح من الصعب فصل ما يجري في جنوب لبنان عن الحسابات الإيرانية الأوسع في المنطقة .

أين تبدأ إيران وأين ينتهي القرار اللبناني؟

التفاهم الأميركي الإيراني وانعكاساته على لبنان وحزب الله
التفاهم الأميركي الإيراني وانعكاساته على لبنان وحزب الله أمام حسابات إقليمية معقدة

لا يمكن فصل المشهد في جنوب لبنان عن إيران، خصوصًا أن وقف إطلاق النار الأخير لم يأتِ نتيجة مسار لبناني–إسرائيلي منفصل، بل جاء في سياق التفاهم الأميركي–الإيراني والمسار التفاوضي الذي كانت تستضيفه سويسرا، وفي لحظة كانت فيها تهدئة الجبهة اللبنانية جزءًا من حسابات إقليمية أكبر.

وزاد هذا الترابط وضوحًا عندما تحدث مسؤولون في حزب الله عن ارتباط استمرار المسار بين طهران وواشنطن بوقف شامل لإطلاق النار في لبنان. وهذا يعني أن قرار التهدئة، منذ بدايته، لم يكن معزولًا بالكامل عن الحسابات الإيرانية الأوسع.

ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا: هل امتنع حزب الله عن الرد على الخروقات الإسرائيلية لأن الأولوية الإيرانية كانت تقتضي إبقاء الجبهة اللبنانية هادئة وحماية المسار مع واشنطن؟

إذا كان هذا أحد أسباب الصمت، فقد بدا تفسيرًا ممكنًا في المرحلة الأولى…

لكن التطورات الأخيرة أعادت خلط الأوراق، وفتحت الباب أمام سؤال أكثر تعقيدًا.

التفاهم انهار.. فلماذا بقي حزب الله صامتًا؟

التفاهم الأميركي–الإيراني الذي كان يمكن أن يفسر جانبًا من ضبط الجبهة اللبنانية لم يعد قائمًا كما كان. فقد عادت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، واستؤنفت الضربات الأميركية على الأراضي الإيرانية، فيما ردت طهران باستهداف قواعد ومواقع مرتبطة بالوجود الأميركي في المنطقة.

ومع عودة التصعيد، كان من الطبيعي أن يعود السؤال إلى لبنان: إذا كان هدوء حزب الله مرتبطًا بالحسابات الإيرانية وبالمسار بين طهران وواشنطن، فلماذا لم يتغير سلوكه بعد انهيار هذا المسار؟

حتى الآن، لم يطرأ تحول مماثل على الجبهة اللبنانية. الاعتداءات الإسرائيلية استمرت، لكن الحزب بقي بعيدًا عن الرد العسكري الذي تحدث عنه مسؤولوه عند بداية وقف إطلاق النار.

وهذا يفتح الباب أمام احتمال أكثر تعقيدًا: ربما لم يعد الهدوء في لبنان مرتبطًا فقط بتفاهم سياسي بين إيران والولايات المتحدة، بل أصبح خيارًا استراتيجيًا أوسع لدى طهران وحزب الله .

هل يحتفظ حزب الله بقوته لـ«ساعة الصفر»؟

قد تكون الأولوية اليوم عدم استهلاك ما تبقى من قدرات الحزب في ردود متفرقة على الخروقات اليومية، والاحتفاظ بهذه القدرات لسيناريو أكبر إذا توسعت المواجهة الإقليمية ووصلت إلى مرحلة ترى فيها إيران أن دخول الجبهة اللبنانية أصبح ضروريًا.

هذه تبقى فرضية تحليلية وليست معلومة مؤكدة، لكنها تكتسب أهميتها من استمرار صمت الجبهة اللبنانية حتى بعد عودة المواجهة الأميركية–الإيرانية.

ومن هنا يبرز سؤال آخر: هل ينتظر حزب الله لحظة مواجهة إقليمية أوسع لاستخدام ما تبقى من أوراقه، مستفيدًا في الوقت نفسه من فترة الهدوء لإعادة ترتيب صفوفه وترميم ما يستطيع من قدراته؟

أم أن ما يبدو انتظارًا لساعة مواجهة أكبر ليس في الحقيقة سوى انعكاس لموازين قوى جديدة جعلت الحزب غير قادر على فتح جبهة لا يعرف حجم الرد الإسرائيلي عليها ولا إلى أين يمكن أن تقوده؟

سلاح الحزب.. لحماية لبنان أم للحرب الإقليمية؟

الفرق بين الاحتمالين كبير، لكن حزب الله نفسه لا يقدم حتى الآن إجابة واضحة. وهذا الغموض يترك الباب مفتوحًا أمام سؤال لا يقل أهمية: إذا كان الحزب يحتفظ بسلاحه لمرحلة لاحقة، فهل الأولوية في استخدام هذا السلاح أصبحت مرتبطة بحماية لبنان من الاعتداءات الإسرائيلية اليومية، أم بتوقيت المواجهة الإقليمية الأوسع ؟

إسرائيل تضرب وتفاوض في الوقت نفسه

في الطرف المقابل، تبدو إسرائيل الطرف الأكثر استفادة من الغموض الحالي. فهي تواصل عملياتها العسكرية داخل لبنان، وتحتفظ بوجودها في أجزاء من الجنوب، وتعلن أن بقاءها مرتبط باستمرار التهديد الذي يمثله حزب الله، بينما تدخل في الوقت نفسه في مفاوضات مع الدولة اللبنانية حول ترتيبات الانسحاب والسلاح وانتشار الجيش.

بهذه المعادلة، تحصل إسرائيل عمليًا على ما تريده في الاتجاهين. فمن جهة، تستخدم وجود سلاح حزب الله لتبرير استمرار احتلالها وعملياتها العسكرية، ومن جهة أخرى تستفيد من غياب الرد الفعلي للحزب لمواصلة هذه العمليات من دون أن تدفع ثمنًا عسكريًا يفرض عليها تغيير سلوكها.

وهنا يظهر تناقض يستحق التوقف عنده.

إسرائيل تقول إن حزب الله لا يزال يشكل تهديدًا يبرر بقاء قواتها داخل الأراضي اللبنانية، لكنها في الوقت نفسه تقدم في خطابها السياسي والعسكري صورة عن حزب تعرض لضربات قاسية وخسر جزءًا كبيرًا من قدراته، فيما يظهر الواقع الحالي أنه يمتنع عن الرد على عملياتها المتواصلة.

هل تحول سلاح حزب الله إلى ذريعة لبقاء إسرائيل؟

إذا كانت إسرائيل ترى أنها حققت تفوقًا عسكريًا واستخباراتيًا يسمح لها بتنفيذ عمليات داخل لبنان من دون مواجهة واسعة أو أي رد حتى ، وإذا كان حزب الله نفسه لا يستخدم سلاحه لوقف الاعتداءات اليومية، فهل يبقى وجود هذا السلاح وحده سببًا كافيًا لاستمرار الاحتلال؟

أم أنه تحول تدريجيًا إلى ذريعة تسمح لإسرائيل بتمديد وجودها داخل لبنان، بحيث يصبح الانسحاب مرتبطًا دائمًا بشروط جديدة ومطالب إضافية؟

هذا السؤال لا يلغي إشكالية وجود سلاح خارج سلطة الدولة، ولا يعفي حزب الله من مسؤولية الإجابة عن مستقبل سلاحه ودوره. لكنه يطرح في المقابل سؤالًا لا يقل أهمية: هل ستنتهي المطالب الإسرائيلية فعلًا عند نزع سلاح الحزب؟

فالتجربة اللبنانية مع إسرائيل لا تقدم ضمانات كثيرة في هذا الاتجاه، فيما لا تزال تجربة الاحتلال الطويل للجنوب و«الحزام الأمني» حاضرة في الذاكرة. واليوم، مع استمرار الوجود الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، يعود الخوف من أن يتحول ما يُقدم باعتباره إجراءً أمنيًا مؤقتًا إلى واقع طويل الأمد.

وهنا تنتقل المسؤولية أيضًا إلى الدولة اللبنانية، التي اختارت طريق التفاوض واتفاق الإطار باعتباره السبيل إلى استعادة الأرض وإنهاء الاحتلال. ومن هذه النقطة تحديدًا، يصبح من الضروري السؤال عما حققه لبنان فعليًا حتى الآن من هذا المسار .

«المناطق التجريبية».. ماذا حصل لبنان فعليًا؟

انتشار الجيش اللبناني في جنوب لبنان ضمن الترتيبات الأمنية الجديدة
انتشار الجيش اللبناني في الجنوب ضمن الترتيبات الأمنية ومسار تثبيت سلطة الدولة

قُدم مسار «المناطق التجريبية» باعتباره خطوة أولى نحو انسحاب إسرائيلي تدريجي وانتشار الجيش اللبناني، ضمن الترتيبات التي انطلقت في إطار المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية.

لكن التدقيق في طبيعة بعض هذه المناطق يطرح أسئلة جدية حول القيمة الفعلية لما تحقق حتى الآن.

ففي حالة فرون مثلًا، لم يكن هناك تمركز عسكري إسرائيلي داخل البلدة أساسًا، فيما يختلف الوضع في مناطق أخرى تتمتع فيها القوات الإسرائيلية بوجود أو بحرية حركة أوسع. وهذا يعني أن التعامل مع كل «منطقة تجريبية» باعتبارها أرضًا كانت محتلة ثم انسحبت منها إسرائيل ليس دقيقًا.

ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا للدولة اللبنانية: هل حصل لبنان فعلًا على انسحاب إسرائيلي من أراض كانت إسرائيل تحتلها، أم أن بعض ما جرى تقديمه باعتباره تقدمًا هو في الواقع انتشار للجيش اللبناني في مناطق لم تكن القوات الإسرائيلية متمركزة فيها أصلًا؟

هذا لا يعني أن جميع المناطق التجريبية متشابهة، ولا يقلل من أهمية أي انسحاب إسرائيلي حقيقي يمكن تحقيقه، لكنه يفرض على الحكومة أن تشرح للبنانيين بوضوح ماذا حصلت عليه مقابل ما التزمت به.

انسحاب مقابل نزع السلاح.. ولكن من يضمن التنفيذ الإسرائيلي؟

المعضلة الأكبر أن إسرائيل لا تزال تربط انسحابها من جنوب لبنان بنزع سلاح حزب الله وانتشار الجيش اللبناني، فيما تستمر عملياتها العسكرية على الأرض بالتوازي مع المفاوضات.

وهنا يجد لبنان نفسه أمام معادلة شديدة الحساسية: يُطلب منه تنفيذ التزامات تتعلق بالسلاح وبسط سلطة الدولة، بينما يبقى الانسحاب الإسرائيلي الكامل مرتبطًا بمراحل وشروط وآليات تحقق لا يملك لبنان ضمانة نهائية بأن تؤدي في النهاية إلى خروج إسرائيل من كامل الأراضي التي تحتلها.

وهذا يعيد النقاش إلى جوهر اتفاق الإطار نفسه.

فإذا نفذ لبنان التزاماته، وانتشر الجيش، وجُرد حزب الله من سلاحه، فما الضمانة بأن تنسحب إسرائيل بالكامل وتتوقف عن تنفيذ عملياتها داخل لبنان؟

وماذا يحدث إذا اعتبرت إسرائيل لاحقًا أن تهديدًا جديدًا ظهر، أو أن الدولة اللبنانية لم تنفذ التزاماتها بالشكل الذي تريده؟

هل تعود العمليات العسكرية؟

هل يبقى الاحتلال؟

أم تظهر شروط جديدة؟

هذه الأسئلة لا تعني رفض مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، لكنها تكشف أن أي مسار من هذا النوع لا يمكن أن يقوم على التزامات لبنانية أحادية، بينما تبقى الالتزامات الإسرائيلية مؤجلة أو مشروطة.

ومن هنا يصبح النقاش حول سلاح حزب الله جزءًا من سؤال أكبر يتعلق بقدرة الدولة اللبنانية نفسها على تقديم بديل حقيقي: فإذا كان المطلوب أن تتولى الدولة وحدها مسؤولية حماية لبنان، فعليها أن تثبت أولًا أن المسار الذي اختارته قادر على حماية السيادة واستعادة الأرض .

الدولة تطلب احتكار السلاح.. لكن أين ضمانات السيادة؟

من حق الدولة اللبنانية أن تقول إن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون بيدها وحدها، ومن حقها أن تطالب بأن يكون الجيش اللبناني القوة المسلحة الشرعية الوحيدة على أراضيها. بل إن بناء دولة حقيقية لا يمكن أن يكتمل في ظل وجود قرار عسكري مستقل عن مؤسساتها الدستورية.

لكن هذه المعادلة لا تكتمل بمجرد مطالبة حزب الله بتسليم سلاحه.

فعندما تقول الدولة للبنانيين إن الجيش والدبلوماسية والمفاوضات هي البديل عن السلاح، يصبح عليها أن تثبت أن هذا البديل قادر على تحقيق نتيجة ملموسة على الأرض.

أين الانسحاب الإسرائيلي الكامل؟

أين وقف الاغتيالات والغارات؟

أين توقف تفجير المنازل؟

وأين الضمانة بأن تنفيذ لبنان التزاماته لن يتحول إلى خطوة أحادية، يقابلها استمرار إسرائيل في احتلال أجزاء من الجنوب أو تنفيذ عملياتها العسكرية بحجة ظهور تهديد جديد؟

لا يكفي القول إن المسار الدبلوماسي سيقود في النهاية إلى الانسحاب. المطلوب أن يبدأ هذا الانسحاب بالظهور فعليًا على الأرض، وأن تترافق أي خطوة لبنانية مع خطوة إسرائيلية واضحة وموازية، لا أن يقدم لبنان التزاماته أولًا ثم ينتظر ما ستقرره إسرائيل لاحقًا.

وهذا يعني أن الدولة اللبنانية مطالبة أيضًا بمصارحة الناس بحقيقة ما تحققه المفاوضات، تمامًا كما أن حزب الله مطالب بمصارحتهم بحقيقة قدرته على المواجهة.

بين دولة تتهم الحزب وحزب يتهم الدولة.. الجنوب يدفع الثمن

هكذا وجد لبنان نفسه داخل حلقة مغلقة.

الدولة تعتبر أن سلاح حزب الله يمنح إسرائيل ذريعة للاستمرار في احتلالها وعملياتها العسكرية.

وحزب الله يتهم الدولة بأنها تقدم تنازلات وتدخل في اتفاقات لا تمنع الاحتلال ولا توقف الاعتداءات.

وإسرائيل تستفيد من المأزقين معًا.

فهي تقول إن الدولة اللبنانية لم تستكمل احتكار السلاح، فتستخدم ذلك لتبرير استمرار وجودها العسكري. وفي الوقت نفسه، تستفيد من امتناع حزب الله عن الرد لتواصل عملياتها بأقل كلفة ممكنة.

وبين الطرفين، تبقى قرى الجنوب وسكانها هم من يدفعون الثمن.

وهنا ربما تكمن أخطر نتيجة للمرحلة الحالية: أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة.

أن يعتاد اللبنانيون الغارة.

أن يصبح تفجير منزل خبرًا يوميًا.

وأن يتحول الاغتيال إلى حدث عابر.

وأن تترسخ تدريجيًا معادلة تستطيع فيها إسرائيل أن تضرب داخل لبنان، بينما ينحصر الرد اللبناني بين بيان رسمي وإدانة سياسية وجولة جديدة من المفاوضات.

وهي تحديدًا المعادلة التي قال حزب الله منذ البداية إنه لن يقبل بتكرارها.

لكن العودة إلى هذه النقطة بعد كل ما جرى تفرض سؤالًا أخيرًا: إذا كانت هناك أسباب عسكرية وسياسية وإقليمية دفعت الحزب إلى الصمت، فلماذا لا يشرحها لجمهوره وللبنانيين بوضوح ؟

المشكلة ليست في قرار الصمت.. بل في عدم قول الحقيقة

ربما يمتلك حزب الله أسبابًا عسكرية حقيقية لعدم الرد.

ربما تعرضت قدراته لضربات أعمق مما يعترف به، أو يخشى أن يمنح أي رد إسرائيل ذريعة لاستئناف حرب واسعة، أو يراهن على الوقت لإعادة بناء جزء من قوته. وربما ينتظر تطور المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل قبل أن يقرر أين ومتى يستخدم ما تبقى لديه.

كل هذه احتمالات يمكن فهمها ضمن الحسابات العسكرية والسياسية.

لكن المشكلة ليست في أن يقرر حزب الله عدم الدخول في حرب جديدة. فليس مطلوبًا منه أن يفتح مواجهة مدمرة لمجرد إثبات أنه لا يزال قادرًا على إطلاق الصواريخ.

خطاب حزب الله وموقفه من الخروقات الإسرائيلية في لبنان
بين الخطاب السياسي والواقع الميداني.. أسئلة تتسع حول موقف حزب الله من استمرار الاعتداءات الإسرائيلية

المشكلة الحقيقية تكمن في المسافة المتزايدة بين ما يقوله الحزب وما يفعله على الأرض.

فالحزب لا يزال يخاطب بيئته بلغة القوة والمعادلات والردع، بينما تشير الوقائع إلى أن هامش حركته أصبح أضيق بكثير مما كان عليه في السابق.

ليس عيبًا على أي قوة عسكرية أن تعيد حساباتها عندما تتغير موازين القوى، وليس خطأ أن تختار التراجع خطوة إذا كانت كلفة المواجهة أكبر من قدرتها على الاحتمال.

لكن من حق اللبنانيين، ومن حق أهل الجنوب وبيئة الحزب تحديدًا، أن يعرفوا الحقيقة.

إذا كانت المعادلة تغيرت، فليُقل ذلك.

إذا كان الرد مؤجلًا لأسباب عسكرية، فليُشرح ذلك.

إذا كانت الأولوية هي حماية ما تبقى من قدرات الحزب وإعادة بنائها، فمن حق الناس أن يعرفوا ذلك أيضًا.

وإذا كانت هناك حسابات إقليمية أكبر من لبنان تتحكم بتوقيت استخدام السلاح، فمن حق اللبنانيين أن يعرفوا أن أمنهم ومستقبل قراهم مرتبطان بهذه الحسابات.

أما الاستمرار في رفع سقف الخطاب، وتحميل الدولة وحدها مسؤولية العجز أو التفريط، بينما تقصف إسرائيل وتغتال وتفجر من دون أن تتغير المعادلة على الأرض، فلن يكون قادرًا على إخفاء هذا التناقض إلى ما لا نهاية.

من أعاد حزب الله إلى الصمت؟

في النهاية، لا يحتاج لبنان اليوم إلى شعار جديد بقدر ما يحتاج إلى جواب واضح.

حزب الله قال إنه لن يقبل وقفًا لإطلاق النار يسمح لإسرائيل بحرية الحركة.

لكن إسرائيل تتحرك.

قال إن الخروقات لن تمر من دون رد.

لكن الرد الذي يعيد فرض معادلة ردع لم يظهر.

واتهم اتفاق الإطار بأنه يكرس واقعًا يخدم إسرائيل، لكن الواقع الميداني الذي نشأ في ظل صمته لا يبدو أقل راحة بالنسبة إليها.

ومن هنا يصبح السؤال الذي يصعب على الحزب تجنبه بعد اليوم:

ما الذي أعاده إلى المعادلة التي رفضها؟

هل هي الخسائر العسكرية؟

هل هو اختلال ميزان القوى؟

هل هو الخوف من حرب أوسع؟

هل هو قرار بالحفاظ على ما تبقى من القوة لجولة أكبر؟

أم أن حزب الله اكتشف ببساطة أن قدرته على الرد شيء، وقدرته على تحمل نتائج هذا الرد شيء آخر تمامًا؟

وفي الجهة المقابلة، على الدولة اللبنانية أن تجيب هي الأخرى.

إذا كان سلاح حزب الله هو المشكلة التي تبرر بها إسرائيل استمرار وجودها وعملياتها، فما الذي يضمن أن تنسحب بعد نزعه؟

وإذا كانت المفاوضات هي الطريق الذي اختارته الدولة، فما الذي حصل عليه لبنان حتى الآن في مقابل استمرار الاحتلال والضربات والاغتيالات؟


فبين حزب لا يصارح جمهوره بالكامل بحجم التحول الذي أصاب قدرته على فرض المعادلات، ودولة لم تثبت بعد أن تفاوضها قادر على وقف الاعتداءات واستعادة الأرض، تبدو إسرائيل الطرف الوحيد الذي يتحرك على الأرض من دون أن يجد أمامه استراتيجية لبنانية موحدة.

وهذه ربما هي الحقيقة الأكثر قسوة في المشهد كله.

لبنان لا يعاني اليوم فقط من خلاف حول السلاح، ولا من صراع بين مشروع الدولة ومشروع المقاومة.

إنه يعاني من غياب جواب واضح عن سؤال أبسط وأخطر:

من يحمي لبنان و الجنوب الآن ؟


إقرأ أيضاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى