
يشهد جنوب لبنان تطورات ميدانية وسياسية متسارعة مع توسع انتشار الجيش اللبناني في عدد من المناطق الحدودية، بالتزامن مع استمرار المفاوضات الرامية إلى تحقيق انسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة برعاية أمريكية.
وفي هذا السياق، كثّف الجيش اللبناني دورياته وأقام حواجز أمنية في بلدة فرون الواقعة ضمن المنطقة التجريبية الثانية المنصوص عليها في اتفاق الإطار الموقع أواخر يونيو/حزيران الماضي.
وتزامنت هذه الخطوة مع انعقاد الجولة السادسة من مفاوضات روما، ما عزز التقديرات التي تشير إلى انتقال التفاهمات السياسية إلى مرحلة التطبيق الميداني.
وتكتسب بلدة فرون أهمية استراتيجية بسبب موقعها القريب من عدد من النقاط الساخنة في جنوب لبنان.
كما تشكل البلدة نقطة مراقبة متقدمة للمناطق التي تشهد تحركات عسكرية إسرائيلية متكررة، لا سيما في محيط زوطر الشرقية ووادي الحجير.
في المقابل، تواصل إسرائيل تنفيذ عمليات عسكرية وغارات جوية وتحركات ميدانية داخل مناطق جنوبية، رغم تراجع مستوى المواجهات خلال الأسابيع الماضية. كذلك تستمر القوات الإسرائيلية في التمركز داخل مناطق لبنانية احتلتها خلال الحرب الأخيرة.
وتندرج هذه التطورات ضمن ترتيبات أمنية ترعاها الولايات المتحدة، وتهدف إلى تنفيذ اتفاق ينص على انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي اللبنانية المحتلة، يبدأ بمناطق تجريبية قبل الانتقال إلى مراحل أوسع.

انقسام سياسي حول المسار التفاوضي
على الصعيد السياسي، تتباين المواقف اللبنانية بشأن نتائج المفاوضات الجارية وآفاقها المستقبلية.
ويرى المحلل السياسي يوسف دياب أن الزيارة المرتقبة للرئيس اللبناني جوزيف عون إلى واشنطن ولقاءه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قد يفتحان الباب أمام وضع جدول زمني واضح للانسحاب الإسرائيلي من المناطق المتبقية في جنوب لبنان.
لكن دياب يشير في الوقت نفسه إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد ضغوطاً أمريكية مرتبطة بملفات أمنية حساسة، من بينها ملف سلاح حزب الله شمال نهر الليطاني، وهو ما قد يفرض تحديات إضافية أمام الدولة اللبنانية.
تشكيك في الوعود الأمريكية
في المقابل، يتبنى المحلل السياسي توفيق شومان رؤية أكثر تشككاً تجاه المسار التفاوضي الحالي، معتبراً أن اتفاق الإطار المطروح يحمل أوجه تشابه مع اتفاق 17 أيار 1983 الذي أثار انقسامات سياسية واسعة في لبنان قبل إلغائه لاحقاً.
ويؤكد شومان أن الرهان على الضمانات الأمريكية قد لا يؤدي بالضرورة إلى نتائج ملموسة على الأرض، مشيراً إلى أن التجارب السابقة تدفع إلى التعامل بحذر مع الوعود الدولية المتعلقة بالملف اللبناني.
موقف حزب الله
بالتوازي مع ذلك، يرفض حزب الله توسيع أي ترتيبات أمنية لتشمل المناطق الواقعة شمال نهر الليطاني. كما يعارض المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، ويعتبر أن المسار التفاوضي الحالي لم يحقق مكاسب ملموسة للبنان حتى الآن.
ومن جهة أخرى، تسعى السلطات اللبنانية إلى تجنب أي تصعيد إقليمي جديد، خصوصاً في ظل التوتر المتجدد بين الولايات المتحدة وإيران.
لذلك تواصل بيروت التمسك بالحلول الدبلوماسية وتراهن على الجهود السياسية لدفع ملف الانسحاب الإسرائيلي إلى الأمام.
مستقبل الجنوب اللبناني
في انتظار الاجتماع العسكري التكميلي برعاية أمريكية لتحديد آليات تنفيذ المرحلة المقبلة، يبقى المشهد اللبناني محكوماً بمعادلتين أساسيتين: استمرار التحركات الميدانية للجيش اللبناني في الجنوب، واستمرار الانقسام السياسي حول جدوى المفاوضات والضمانات الأمريكية.
وبين هذين المسارين، يترقب اللبنانيون ما إذا كانت الجهود الدبلوماسية ستنجح في تحقيق انسحاب إسرائيلي فعلي، أم أن الخلافات السياسية والتعقيدات الأمنية ستؤخر الوصول إلى تسوية شاملة ومستقرة في جنوب لبنان.



