
في توقيت سياسي بالغ الحساسية، وبين تصعيد إقليمي متسارع، دخلت مصر بهدوء على خطّ الأزمة اللبنانية، في خطوة أعادت ملف التفاوض بين لبنان وإسرائيل إلى واجهة النقاش الإقليمي، بعد فترة طويلة من الجمود والمراوحة.
فبينما كانت المبعوثة الأميركية مورغان أورتيغاس تجول بين بيروت وتل أبيب حاملةً رسائل مباشرة حول مستقبل الترتيبات الأمنية في الجنوب، وصل إلى العاصمة اللبنانية اللواء حسن رشاد، مدير الاستخبارات المصرية، في زيارة وُصفت بأنها استطلاعية ومفتاحية في آن واحد.
الرسالتان، الأميركية والمصرية، حملتا مضموناً متشابهاً: إعادة لبنان إلى طاولة المفاوضات، ليس فقط في ما يتعلق بترسيم الحدود مع إسرائيل، بل عبر مقاربة أوسع تشمل الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية، ضمن رؤية شاملة لإعادة ترتيب خريطة المنطقة.
مصادر سياسية مطّلعة أكدت أن أورتيغاس نقلت مقترحاً أميركياً لإطلاق آلية تفاوض جديدة تتخطى الطابع العسكري التقليدي، عبر تشكيل لجان مدنية وعسكرية مشتركة تبحث في ملفات متعددة، أبرزها:
- تثبيت الحدود البرية والبحرية.
- ضبط الحدود الشرقية مع سوريا.
- معالجة ملف السلاح والعلاقات الأمنية الإقليمية.
الموقف اللبناني، وإن بدا إيجابياً في الشكل، إلا أنه جاء مغطى بعبارات حذرة، إذ تحدّثت دوائر القرار عن “آلية موسّعة قابلة للتطوير”، ما يوحي بقبول ضمني بشرط عدم إظهار لبنان في موقع التنازل.
أما على الجانب المصري، فقد جاءت زيارة اللواء رشاد لتضيف بعداً عربياً للمشهد. فالقاهرة، التي كانت غائبة عن مؤتمر شرم الشيخ الأخير في ما يتعلق بالملف اللبناني، تبدو اليوم عازمة على استعادة دورها التقليدي كوسيط إقليمي.

مصادر متابعة أشارت إلى أن اللقاء بين رشاد والرئيس جوزيف عون كان صريحاً وواضحاً في مضمونه، إذ أكدت القاهرة دعمها لموقف لبنان في مواجهة المطالب الإسرائيلية، مع الاستعداد للمساعدة في بناء مسار تفاوضي واقعي يحمي مصالح بيروت.
وترى القاهرة، بحسب ما تسرّب من أوساطها، أن الوقت حان لخروج لبنان من حالة المراوحة، ووضع مطالبه ضمن إطار عربي مشترك، بعيداً عن ارتباطها بالمفاوضات الأميركية – الإيرانية. وفي الوقت نفسه، لا تسعى مصر إلى إقصاء طهران عن معادلة المنطقة، بل إلى تثبيت توازنات جديدة تمنع الانفجار الأمني وتؤسس لمرحلة تهدئة شاملة.
التحرك المصري لا يأتي بمعزل عن التفاهمات المتقاطعة بين العواصم العربية. فالقاهرة، بالتنسيق مع عمّان والرياض، تحاول اليوم بناء منصة سياسية جديدة تُشرك لبنان في الحلول الإقليمية بدل عزله عنها، في وقت تأجلت فيه زيارة الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان إلى بيروت لأسباب دبلوماسية.
ويجمع المراقبون على أن هذا الحراك المزدوج، الأميركي والمصري، يعكس مرحلة إعادة تموضع سياسي في المنطقة، حيث تتبدل التحالفات وتتقاطع المصالح، فيما يجد لبنان نفسه أمام مفترق طرق:
إما الانخراط في مسار التفاوض ضمن مظلة عربية – دولية،
أو البقاء أسير الجمود الداخلي حتى تتضح معالم التوازنات النهائية.



