تحقيقات و مقالات

لماذا “البحر” في البقاع ؟ حين تتحوّل الضربة إلى اختبارٍ لما بعد الضربة !

غارات متعددة الوسائط تكشف انتقال إسرائيل إلى مرحلة “البدائل العسكرية” في ظل توتر إقليمي متصاعد

بقلم الصحفي حسين حرقوص

ليلة 20 شباط/فبراير لم تمرّ على البقاع كخبرٍ عادي. وزارة الصحة اللبنانية أعلنت سقوط 10 شهداء و24 جريحًا في ضربات على شرق لبنان، بينهم أطفال.

أما إسرائيل فكرّرت روايتها المعتادة عن “استهداف مراكز قيادة” و”عناصر من منظومة الصواريخ” التابعة لحزب الله في منطقة بعلبك–البقاع.

لكن ما شدّ الانتباه هذه المرة لم يكن “مَن” استُهدف فقط… بل كيف.

الحديث الإسرائيلي عن إشراك سلاح البحرية وزوارق الصواريخ لم يكن تفصيلًا تقنيًا عابرًا. فلو أرادت إسرائيل الاكتفاء بالفعل العسكري لكانت نفذته بصمت. أمّا الإعلان، فهو جزء من الضربة نفسها.


أولًا: “خطة بديلة” لليوم الذي قد تصبح فيه السماء أغلى كلفة



لم يكن الإعلان عن إشراك سلاح البحرية مجرد تفصيل تقني، بل إشارة مقصودة إلى خيار عسكري بديل يخفّف الاعتماد على الطيران في مرحلة قد تصبح فيها السماء أكثر تعقيدًا.

يأتي ذلك في وقت يتحرّك فيه المشهد الإقليمي نحو تصعيد مرتبط بإيران، مع تزايد المؤشرات على احتمال مواجهة أوسع أو على الأقل بيئة توتر مرتفعة تتطلب جهوزية متعددة المسارات.

في مثل هذه الأجواء، أي دولة تستعد لسيناريو تتعرض فيه قواعدها الجوية أو مسارات طيرانها لضغط أعلى — سواء بفعل التهديدات أو التشويش أو ازدحام المهام أو الحسابات السياسية.

وهنا تحديدًا يصبح “البحر” رسالة واضحة: حتى لو تغيّر شكل السماء، فإن القدرة على الضرب ستبقى قائمة من دون انقطاع.



ثانيًا: اختبار “الضربة المركّبة” في وقت قصير

عندما تُدار ضربة على أكثر من محور (جو، بحر، مسيّرات، استخبارات)، فهذا لا يعني استعراض قوة فقط، بل اختبار عملي لقدرة المنظومة العسكرية على العمل المتزامن تحت الضغط.

هذا النوع من العمليات يختبر:

  • سرعة اتخاذ القرار
  • دقة تنسيق بنك الأهداف
  • توقيت التنفيذ
  • القدرة على إغلاق نافذة الرد المقابل

وغارات البقاع، من حيث التوقيت والحساسية، بدت وكأنها حالة اختبار واقعية لسيناريو أكثر تعقيدًا في المستقبل.


ثالثًا: البحر كمنصة “متاحة دائمًا”


إحدى النقاط العملية التي تظهر في الأدبيات العسكرية هي أن المنصة البحرية:

  • متوفرة باستمرار في البحر
  • أقل انكشافًا من بعض أنماط العمل الجوي
  • وقادرة على إطلاق ضربات بوتيرة منتظمة

الرسالة هنا ليست فقط عسكرية، بل تشغيلية أيضًا:

إسرائيل تقول إن لديها منصة يمكنها إطلاق النار منها بسرعة، وبإيقاع متواصل، وبكلفة تشغيلية أقل نسبيًا عندما ترتفع وتيرة العمليات.


رابعًا: تعميم الخطر على العمق


استهداف البقاع، وهو عمق جغرافي بعيد عن الساحل، يحمل بحد ذاته رسالة.

وعندما يُذكر البحر ضمن العملية، تُضاف طبقة نفسية جديدة:

التهديد لم يعد من جهة واحدة.

حتى لو لم تكن المنصة البحرية هي التي تصل جغرافيًا إلى كل نقطة، فإن الإعلان عن استخدامها يهدف إلى ترسيخ صورة ذهنية مفادها أن المعركة يمكن أن تُدار من مسارح متعددة في آن واحد.


خامسًا: الرسالة السياسية – “الإنفاذ” لا “المواجهة المفتوحة”



في الخطاب الإسرائيلي، تُقدَّم هذه الضربات منذ وقف إطلاق النار على أنها جزء من سياسة “الإنفاذ”، أي منع إعادة بناء القدرات.

لكن إدخال البحر في هذه المعادلة يعطي بُعدًا إضافيًا:

إسرائيل لا تتصرف كمن ينفذ ردًا موضعيًا، بل كمن يفرض قواعد حركة، ويقول بوضوح إن لديه أكثر من ذراع لتنفيذ هذه السياسة.


سادسًا: المعطيات الخاصة… ضمن قراءة تحليلية



تشير معطيات خاصة حصلت عليها “أضواء اليقظة العربية” إلى أن إسرائيل تعاملت مع غارات البقاع الأخيرة بوصفها رسالة تتجاوز الهدف المباشر، في ظل تقديرات عن تغيّر محتمل في مستوى المخاطر على مسار الطيران خلال تنفيذ الضربات.

وفي هذا السياق، يمكن فهم إبراز مشاركة البحرية كخطوة لتحصين استمرارية الضرب عبر بدائل جاهزة، دون حصر العمليات بالجو فقط.



ما بعد البقاع


ما حدث في البقاع لا يُختصر بكونه غارات أوقعت شهداء و ضحايا.

الرسالة الأعمق هي أن إسرائيل تعمل على بناء ساحة بدائل، وتُعدّ نفسها لمرحلة قد تتجاوز حدود لبنان.

في هذه المرحلة، قد لا تُدار الحرب من الجو فقط… بل من البر والبحر معًا، في بيئة إقليمية مفتوحة على احتمالات أكبر.


إقرأ أيضاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى