تحقيقات و مقالات

الشقيف من جديد.. لماذا يعود “الوحش على الجبل” إلى واجهة الحرب ؟

ليست مجرد قلعة تاريخية.. فالموقع الذي شكّل أحد أبرز رموز حرب 1982 يعود اليوم إلى دائرة الاهتمام العسكري الإسرائيلي مع توسع المعارك شمال الليطاني

بين ذاكرة 1982 وتصعيد 2026.. هل تحاول إسرائيل إعادة رسم جنوب لبنان من قلعة الشقيف؟

ليست مجرد قلعة أثرية.. بل واحدة من أكثر النقاط حساسية في العقل العسكري الإسرائيلي

مع اتساع العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، وعبور قوات الإحتلال الإسرائيلية نهر الليطاني في بعض المحاور، عاد اسم قلعة الشقيف إلى الواجهة مجددًا، ليس باعتبارها موقعًا أثريًا أو معلمًا تاريخيًا، بل كواحدة من أكثر النقاط الاستراتيجية التي لطالما ارتبطت بالمشاريع العسكرية الإسرائيلية في الجنوب.

فالقلعة التي تحولت عام 1982 إلى عنوان لمعركة شهيرة ما زالت حاضرة بقوة في الذاكرة العسكرية الإسرائيلية، إلى درجة أن الإعلام العبري أعاد خلال الأيام الماضية استخدام الوصف القديم لها: “الوحش على الجبل”.

لماذا الشقيف؟

تقع قلعة الشقيف على واحدة من أعلى التلال المشرفة على النبطية ووادي الليطاني ومحيط مرجعيون والخردلي، ما يجعلها نقطة مراقبة وسيطرة نارية استثنائية.

ومن يسيطر على هذه المرتفعات لا يحصل فقط على أفضلية عسكرية، بل على قدرة مراقبة واسعة لعدد كبير من المحاور الحيوية الممتدة بين جنوب الليطاني والنبطية وصولًا إلى مناطق واسعة من الجنوب.

لهذا السبب كانت القلعة هدفًا رئيسيًا خلال اجتياح عام 1982، ولهذا السبب تعود اليوم إلى قلب المشهد العسكري مجددًا.

من معركة 1982 إلى حرب اليوم

عندما اقتحمت قوات الإحتلال الإسرائيلية القلعة عام 1982، واجهت مقاومة شرسة رغم أن عدد المدافعين كان محدودًا للغاية مقارنة بحجم القوة المهاجمة المدعومة بالدبابات والطيران ووحدات النخبة.

قلعة الشقيف.. كيف صمد 27 مقاتلا أمام جيش إسرائيل؟ | سياسة | الجزيرة نت

تحولت المعركة لاحقًا إلى واحدة من أشهر معارك الاجتياح الإسرائيلي، وبقيت الشقيف رمزًا حاضرًا في الأدبيات العسكرية الإسرائيلية طوال سنوات الاحتلال.

لكن المفارقة أن القلعة التي اعتُبرت إنجازًا عسكريًا تحولت لاحقًا إلى أحد أبرز رموز الاستنزاف، بعدما أصبحت هدفًا دائمًا للهجمات خلال سنوات الاحتلال الممتدة حتى عام 2000.

ولهذا السبب لا تنظر المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إلى الشقيف فقط كموقع استراتيجي، بل كمكان يحمل ذاكرة ثقيلة من الخسائر والمعارك الطويلة.

ماذا تريد إسرائيل اليوم؟

المعطيات الميدانية الحالية تشير إلى أن العمليات الإسرائيلية لم تعد تقتصر على ضربات موضعية أو مواجهات حدودية محدودة.

فالتحركات العسكرية الأخيرة تركز بشكل واضح على المرتفعات والتلال الحاكمة المحيطة بالنبطية، وفي مقدمتها محور زوطر ويحمر وأرنون ومرتفعات الشقيف.

ويبدو أن الهدف الأساسي يتمثل في فرض واقع ميداني جديد شمال الليطاني، يمنح إسرائيل إشرافًا ناريًا ومراقبة متقدمة على المنطقة، ويخلق أوراق ضغط إضافية في أي مفاوضات أو ترتيبات أمنية مقبلة.

كما ترى بعض القراءات العسكرية أن السيطرة على هذه المرتفعات قد تسمح بعزل أجزاء واسعة من الجنوب ومراقبة خطوط الحركة بين النبطية والليطاني والقطاع الشرقي من الجنوب اللبناني .

تصعيد يتجاوز حدود المعركة التقليدية

.

فالحديث الإسرائيلي المتزايد عن توسيع العمليات البرية، وإصدار أوامر إخلاء جديدة، وتوسيع نطاق التوغل شمال الليطاني، يوحي بأن المعركة تتجه نحو محاولة تثبيت وقائع ميدانية طويلة الأمد، وليس مجرد تنفيذ عمليات عسكرية مؤقتة.

وفي هذا السياق تحديدًا، تبدو قلعة الشقيف جزءًا من صورة أكبر ترتبط بإعادة تشكيل الخريطة العسكرية للجنوب.

إلى أين تتجه الأمور؟

وفي وقت تتسارع فيه العمليات العسكرية شمال الليطاني، تتجه الأنظار إلى قلعة الشقيف التي عادت مجددًا إلى قلب المشهد الميداني، مع احتدام المعارك في محيطها وتحول المرتفعات المؤدية إليها إلى أحد أبرز محاور التصعيد الحالي.

وإذا استمر التقدم العسكري في المنطقة، فقد تجد الشقيف نفسها مرة أخرى في صلب المواجهة، تمامًا كما حدث خلال اجتياح عام 1982، حين تحولت إلى واحدة من أكثر المعارك حضورًا في الذاكرة العسكرية الإسرائيلية.

لكن ما يميز الشقيف عن غيرها من المواقع ليس موقعها الجغرافي فحسب، بل ما تمثله من رمزية تاريخية وعسكرية داخل إسرائيل، حيث ارتبط اسمها بمعركة صعبة، وبسنوات طويلة من الاستنزاف انتهت بالانسحاب من جنوب لبنان عام 2000.

ولهذا، فإن عودة “الوحش على الجبل” إلى واجهة الأحداث اليوم لا تعكس أهمية موقع استراتيجي فقط، بل تعيد فتح صفحة من أكثر صفحات الصراع في جنوب لبنان حساسية وتعقيدًا، في وقت يبدو فيه أن المنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة من التصعيد قد تحمل تطورات تتجاوز حدود الشقيف نفسها .

إقرأ أيضاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى