
تشهد الساحة الجنوبية في لبنان تحوّلًا متسارعًا في طبيعة المواجهة، حيث تتجه التطورات الميدانية نحو إعادة صياغة قواعد الاشتباك، في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية رغم إعلان وقف إطلاق النار. هذا الواقع يعكس فجوة واضحة بين المسار السياسي النظري والوقائع الميدانية التي تفرض نفسها بالقوة.
في الميدان، يتبلور نمط عملياتي متصاعد يعتمد على القصف الجوي والمدفعي، إلى جانب عمليات نسف واسعة طالت مربعات سكنية كاملة، ما يشير إلى محاولة إسرائيلية لفرض معادلة جديدة تتجاوز حدود الاتفاقات السابقة، وتعيد تعريف نطاق الاشتباك جغرافيًا وأمنيًا.
تصعيد تحت سقف “الخط الأصفر”
تشير المعطيات إلى أن إسرائيل تعمل على تثبيت ما تسميه “الخط الأصفر” كحدّ أمني جديد، عبر توجيه تحذيرات لسكان عشرات البلدات الواقعة جنوب نهر الليطاني، بالتزامن مع عمليات تدمير ممنهجة تطال البنية السكنية.
وقد برزت بلدات مثل الخيام و بنت جبيل كنماذج لهذا التصعيد، حيث طالتها عمليات نسف واسعة، في سياق يوحي بمحاولة إفراغ هذه المناطق من مقومات الحياة، وإعادة تشكيلها بما يتناسب مع الرؤية الأمنية الإسرائيلية.
هذا التوجه لا يبدو منفصلًا عن سيناريو أوسع، يقوم على فرض منطقة عازلة بالقوة، عبر تكرار عمليات التجريف والتدمير، بما يحدّ من أي وجود سكاني أو عسكري يمكن اعتباره تهديدًا للمستوطنات الشمالية.
توسّع تدريجي لنطاق العمليات
لا تقتصر الاستهدافات على الشريط الحدودي، بل تمتد إلى عمق أكبر، حيث شملت بلدات جنوبية مثل دير عامص وخربة سلم، إضافة إلى مناطق أبعد نسبيًا كدير الزهراني وكفر رمان.
هذا التوسع يعكس انتقال العمليات من نطاق محدود إلى استراتيجية ضغط ممتدة، تقوم على إبقاء مناطق واسعة تحت التهديد المستمر، ما يكرّس واقعًا أمنيًا جديدًا يتجاوز الخطوط التقليدية للاشتباك.
ردود ميدانية واستمرار الاشتباك
في المقابل، لم تتوقف العمليات المضادة، حيث أُعلن عن استهداف مواقع وآليات عسكرية إسرائيلية، إضافة إلى إسقاط طائرة مسيّرة من طراز “هرمس 450”، في مؤشر على استمرار التفاعل العسكري رغم الحديث عن وقف إطلاق النار.
هذا التبادل يعزز فرضية أن ما يجري ليس تهدئة فعلية، بل إعادة تنظيم لمستوى الاشتباك، بما يسمح باستمرار العمليات ضمن سقوف غير معلنة.
من وقف إطلاق النار إلى “ضبطه”
في القراءة العسكرية، لا يمكن توصيف المرحلة الحالية كوقف إطلاق نار كامل، بل أقرب إلى “ضبط لإطلاق النار”، حيث تستمر العمليات ولكن ضمن أنماط مدروسة من حيث النطاق والعمق.
يتجلى ذلك في ثلاثة مستويات ميدانية:
- أولًا: منطقة “الخط الأصفر”، حيث يجري العمل على تثبيتها عبر التدمير الممنهج.
- ثانيًا: المنطقة الممتدة حتى نهر الليطاني، التي تشهد استهدافات شبه يومية.
- ثالثًا: مناطق شمال الليطاني، حيث تتكرر الضربات في سياق توسيع تدريجي للعمليات.
تدمير ممنهج وإلغاء مقومات الحياة
اللافت في هذا التصعيد هو تركيزه على البلدات ذات الثقل السكاني والتاريخي، حيث تبدو عمليات النسف وكأنها تهدف إلى كسر هذه المناطق جغرافيًا وأمنيًا، ومنع إعادة تشكل بيئة حاضنة لأي نشاط معادٍ.
كما يشير حجم الدمار إلى مسعى يتجاوز الأهداف العسكرية المباشرة، ليطال البنية الاجتماعية والاقتصادية، في محاولة لإلغاء إمكانية عودة الحياة الطبيعية إلى هذه المناطق.
غطاء سياسي وغموض قانوني
على المستوى السياسي، تستفيد إسرائيل من هامش واسع للتحرك تحت عنوان “حق الدفاع عن النفس”، في ظل غياب تعريف دقيق للقيود الجغرافية أو العملياتية لهذا المفهوم.
هذا الغموض يفتح المجال أمام توسيع العمليات تدريجيًا، وتحويلها من ردود موضعية إلى استراتيجية متكاملة لإعادة رسم قواعد الاشتباك.
وفي هذا السياق، تبدو العمليات الحالية أقرب إلى إعادة هندسة للواقع الأمني في الجنوب، عبر فرض معادلات جديدة بالقوة، مستفيدة من التوازنات الإقليمية والدولية القائمة .



