دوليات

كيف جنّدت إيران إسرائيليين للتجسس؟ حرب استخبارات صامتة اخترقت تل أبيب

كيف جنّدت إيران إسرائيليين للتجسس؟ حرب استخبارات صامتة اخترقت المجتمع الإسرائيلي

لم تعد المواجهة الاستخبارية بين إيران وإسرائيل تقتصر على اغتيال العلماء أو استهداف المنشآت النووية والهجمات السيبرانية، بل اتسعت خلال الحرب على غزة لتصل إلى داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.

وتشير تقارير أمنية وإعلامية إسرائيلية إلى أن طهران اعتمدت أسلوبا جديدا يقوم على تجنيد إسرائيليين عبر الإنترنت، مستفيدة من الضائقة المالية والانقسامات الاجتماعية، بهدف جمع المعلومات الاستخبارية والوصول إلى أهداف عسكرية وأمنية.

إيران تبدأ برسالة بسيطة ثم تنتقل إلى التجسس

تعتمد الاستخبارات الإيرانية، وفق التقارير الإسرائيلية، على نموذج تجنيد منخفض التكلفة يبدأ غالبا برسالة عبر “تلغرام” أو إعلان عمل وهمي.

في البداية، يُطلب من الشخص تنفيذ مهمة بسيطة مقابل مبلغ مالي، مثل تصوير شارع أو مبنى أو تعليق منشور أو شراء شريحة اتصال.

وبعد التأكد من استجابته، ترتفع طبيعة المهام تدريجيا لتشمل مراقبة مسؤولين، وتصوير قواعد عسكرية، وجمع إحداثيات حساسة، بل والبحث عن أشخاص مستعدين لتنفيذ عمليات داخل إسرائيل.

وبهذا الأسلوب، تختبر إيران عددا كبيرا من الأشخاص بتكاليف محدودة، ثم تركز على من يبدون استعدادا أكبر للتعاون.

ارتفاع غير مسبوق في قضايا التجسس

تكشف بيانات جهاز الشاباك عن تصاعد واضح في نشاط التجسس الإيراني.

ففي 31 ديسمبر/كانون الأول 2024 أعلن الجهاز كشف 13 قضية تجسس، وقدم لوائح اتهام ضد 27 إسرائيليا، مع ارتفاع عدد المعتقلين المرتبطين بإيران بنحو 400% مقارنة بعام 2023.

كما نجحت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية في إحباط نحو 700 هجمة سيبرانية من بين آلاف المحاولات خلال العام نفسه، بعدما تضاعف حجم الهجمات خمس مرات مقارنة بالسنوات السابقة.

لاحقا، واصلت الأرقام ارتفاعها.

ففي مايو/أيار 2025 ارتفع عدد المتهمين إلى 34 شخصا في 19 قضية، ثم وصل في يونيو/حزيران إلى 39 معتقلا ضمن 22 قضية.

أما في أكتوبر/تشرين الأول 2025، فقد بلغ العدد 46 إسرائيليا في 30 قضية، قبل أن ترتفع الحصيلة بنهاية العام إلى 35 قضية معلنة.

وفي يناير/كانون الثاني 2026، شملت 35 لائحة اتهام 54 متهما، بينما استمرت الاعتقالات خلال عام 2026، ما يشير إلى أن العدد الفعلي تجاوز حصيلة نهاية 2025.

أسلوب “التدحرج” في التجنيد

يصف محللون أمنيون إسرائيليون الطريقة الإيرانية بـ”أسلوب التدحرج”.

فالمشغل الإيراني لا يطلب منذ البداية معلومات عسكرية، وإنما يبدأ بمهام تبدو عادية ولا تثير الشكوك.

وبعد ذلك، ينتقل تدريجيا إلى مهام أكثر حساسية، مثل مراقبة منازل مسؤولين أو تصوير قواعد عسكرية أو جمع معلومات عن منظومات الدفاع الجوي.

في المقابل، يشعر المجند في البداية أن ما يفعله لا يشكل خطرا، ثم يصبح أكثر ارتباطا بالمشغل بسبب الأموال التي يتقاضاها، وهو ما يسهل تصعيد مستوى التعاون.

مبالغ مالية متفاوتة حسب قيمة المهمة

تكشف القضايا التي أعلنتها إسرائيل اختلافا كبيرا في قيمة المدفوعات.

ففي إحدى القضايا حصل جندي على 2500 دولار مقابل معلومات تتعلق بمنظومة القبة الحديدية، بينما حصل شريكه على 50 دولارا فقط.

وفي ملفات أخرى، دفعت إيران نحو 500 دولار مقابل تنفيذ مهمة واحدة باستخدام العملات الرقمية، في حين حصل زوجان من مدينة اللد على نحو 26 ألف دولار خلال فترة تشغيلهما.

وتشير هذه الفوارق إلى أن قيمة المكافآت ترتبط بحساسية المعلومات ومدى استعداد المجند لتنفيذ مهام أكثر خطورة.

اختراق المؤسسة العسكرية

يمثل اختراق العاملين داخل المؤسسة العسكرية أخطر مراحل التجنيد الإيراني.

ففي أكتوبر/تشرين الأول 2024 أعلن الشاباك تفكيك شبكة ضمت سبعة إسرائيليين جمعوا معلومات عن قواعد عسكرية ومنشآت للطاقة، مؤكدا أن بعض البيانات كان يمكن أن يساعد إيران على تنفيذ هجمات أكثر دقة.

ثم كشفت السلطات الإسرائيلية في مارس/آذار 2026 قضية جندي احتياط خدم في منظومة القبة الحديدية، اتهم بنقل إحداثيات قواعد عسكرية وأسماء مسؤولين مقابل نحو 1500 دولار بعملات رقمية.

وتوضح هذه القضية انتقال إيران من الاعتماد على المعلومات المفتوحة إلى استهداف أشخاص يمتلكون وصولا مباشرا إلى مواقع عسكرية حساسة.

من هم المجندون؟

لا تنتمي القضايا إلى فئة اجتماعية واحدة.
فقد شملت المتهمين يهودا وعربا، وجنودا نظاميين واحتياط، ومتدينين حريديم، ومهاجرين من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، إضافة إلى سكان من مناطق مختلفة داخل إسرائيل.

ورغم هذا التنوع، فإن العامل المشترك بين معظم القضايا كان الضائقة المالية أو الرغبة في تحقيق مكاسب سريعة، إلى جانب وجود دوافع سياسية أو أيديولوجية لدى بعض المتهمين.

التجسس يتكامل مع الهجمات السيبرانية

بالتوازي مع التجنيد البشري، كثفت إيران عملياتها السيبرانية ضد إسرائيل.

ففي مايو/أيار 2025 أعلن الشاباك إحباط عشرات هجمات التصيد الإلكتروني التي استهدفت مسؤولين أمنيين وسياسيين وأكاديميين وصحفيين.

كما أعلنت الجهات الأمنية في فبراير/شباط 2026 إحباط مئات محاولات اختراق حسابات “غوغل” وتطبيقات المراسلة الخاصة بمسؤولين وعسكريين وعاملين في الصناعات العسكرية.

ولا تهدف هذه العمليات إلى سرقة الوثائق فقط، بل تشمل أيضا جمع بيانات شخصية وأنماط الحركة والعلاقات الاجتماعية، ثم دمجها مع المعلومات التي يوفرها العملاء على الأرض.

حملات تأثير عبر مواقع التواصل

إلى جانب التجنيد المباشر، تشير دراسات إسرائيلية إلى أن إيران كثفت حملات التأثير عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

وركزت هذه الحملات على تعميق الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي واستغلال قضايا الأسرى والخسائر البشرية وتراجع الثقة بالحكومة، بهدف خلق بيئة أكثر قابلية للتجنيد والاختراق.

كما استخدمت الشبكات الرقمية نفسها للتواصل مع إسرائيليين واستدراجهم لتنفيذ مهام استخبارية.

لماذا تقلق إسرائيل؟

رغم نجاح الشاباك في كشف عشرات القضايا، فإن المسؤولين الإسرائيليين يرون أن الخطر لا يزال قائما.

فالاعتقالات تثبت امتلاك إسرائيل قدرات كبيرة في تتبع الاتصالات والعملات الرقمية، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن إيران تواصل إرسال مئات محاولات التجنيد باستمرار.

وبسبب انخفاض تكلفة هذه العمليات، تستطيع طهران تعويض أي عميل يُكشف بسرعة، ما يجعل المواجهة مستمرة.

تشير التقارير الإسرائيلية إلى أن إيران نجحت في تحويل التجسس من عمليات معقدة إلى نشاط يبدأ برسالة عبر الهاتف وينتقل تدريجيا إلى جمع معلومات عسكرية وأمنية.

ورغم أن طهران لم تحقق اختراقا حاسما للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية، فإنها أثبتت أن الثغرة البشرية لا تقل خطورة عن الهجمات السيبرانية، وأن الجمع بين التجنيد الرقمي والتأثير النفسي والعمل الاستخباري يمثل أحد أبرز تحديات الأمن الإسرائيلي في السنوات الأخيرة.

اقرأ أيضاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى