اقتصاد

أزمة ثقة لا أزمة سيولة

فرنسا أمام اختبار مالي وسياسي غير مسبوق منذ أزمة الديون الأوروبية.. والأسواق تترقب قدرة باريس والمركزي الأوروبي على احتواء المخاطر

بقلم د. واجب علي قانصو

في الأسبوع الأول من أكتوبر 2026 تجاوز الفارق بين عائد السندات الفرنسية والألمانية لأجل عشر سنوات عتبة 150 نقطة أساس، وهو مستوى لم تشهده الأسواق منذ أزمة الديون السيادية الأوروبية، ولامس عائد السند الفرنسي 5% لأول مرة منذ 2002.

وهذا الرقم يحمل دلالات عميقة في معايير الأزمات، لأن فرنسا هي ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، وأحد ركيزتي المشروع النقدي الأوروبي، وظلت سنداتها طوال عقدين تُعامل كشبه ملاذ آمن ملاصق للسندات الألمانية. واليوم تدفع باريس علاوة مخاطر تفوق ما تدفعه روما وأثينا في بعض الآجال.

هذا الانقلاب في الترتيب الأوروبي هو جوهر القصة لأن لأسواق لا تشكّ في قدرة فرنسا على السداد، بل في قدرة نظامها السياسي على إنتاج تصحيح مالي موثوق ومستدام. فهل نحن أمام تكرار لسيناريو 2012، أم أمام أزمة من نوع مختلف؟

في الأرقام

الفارق الذي بلغ نحو 150 نقطة كان يتراوح بين 40 و50 نقطة فقط بين 2022 ومنتصف 2024. وقد تجاوز حاجز المئة نقطة في سبتمبر، ثم ارتفع 13.9 نقطة في يوم واحد، في أكبر قفزة يومية منذ اضطراب مارس 2020 .

القيمة المؤشر

نحو 150 نقطة أساس (2 أكتوبر)
الأعلى منذ 2011-
الفارق الفرنسي-الألماني (10 سنوات)

4.87% (5 أكتوبر)، ولامس 4.99% في 1 أكتوبر
الأعلى منذ 
عائد السند الفرنسي (10 سنوات)

نحو 65 نقطة
لا ذعر من السداد القري
الفارق لأجل سنتين
73 نقطة
عقود مبادلة التعثر لخمس سنوات
5.4% من الناتج 2026 هدف 5% 2027
العجز العام
%119.3 _2025 115.7% _2027 121.7%_ 2026الدين العام
نحو 79مليار يورو 2026 _ 91 ملياراً 2027فوائد الدين
339.7 مليار يورو احتياجات التمويل 2027

ماذا تكشف آجال الاقتراض؟

ثمة ملاحظة تقنية حاسمة تكشفها المقارنة بين آجال الاقتراض. فعندما تقترض فرنسا لسنتين، لا تدفع سوى 0.65% تقريباً فوق ما تدفعه ألمانيا، أما حين تقترض لعشر سنوات فترتفع هذه العلاوة إلى نحو 1.5%، أي أكثر من الضعف. ومعنى ذلك أن المستثمرين واثقون من قدرة فرنسا على السداد في الأمد القريب، لكنهم يطالبون بتعويض أكبر كلما امتدت المدة، لأن قلقهم يتعلق بما قد تحمله السنوات المقبلة من تراكم للدين وتقلبات سياسية. والأخطر أن الفارق بين كلفة الاقتراض ومعدل النمو بات إيجابياً بنحو 1.9 نقطة مئوية، بعد أن كان سلبياً بشدة في زمن الفائدة الصفرية. ومعنى ذلك أن الدين يتضخم ذاتياً حتى لو توقفت الحكومة عن زيادة الإنفاق. وتشير حسابات ING إلى أن الموازنة المقترحة، حتى لو نُفّذت كاملة، ستمنع العجز من بلوغ 6.5% لكنها لن تثبّت نسبة الدين.

جذور الأزمة: اقتصاد سياسي قبل أن يكون مالياً

الأزمة الفرنسية هي حصيلة تفاعل أربعة عوامل: عجز ودين مرتفعان، وتصحيح مالي مكلف سياسياً، وبرلمان منقسم، وبيئة عالمية من الفائدة والتضخم المرتفعين. كل عامل منها منفرداً قابل للإدارة، لكن اجتماعها يصنع حلقة مغلقة.

القنبلة المؤجلة منذ 2024

القنبلة المؤجلة منذ 2024. قرار الرئيس ماكرون حلّ الجمعية الوطنية في يونيو 2024 أفرز برلماناً مشرذماً بلا أغلبية. ومنذ ذلك الحين تضاعف الفارق تقريباً، وسقطت حكومتان متتاليتان بسبب التقشف، قبل أن يتمكن رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو من تمرير موازنة 2026 في فبراير الماضي بعد أربعة أشهر من الشلل.

ثمن البقاء السياسي

ثمن البقاء السياسي. لم تمر تلك الموازنة مجاناً. فقد تراجع لوكورنو عن إصلاح التقاعد لعام 2023 الذي رفع سن التقاعد إلى 64 عاماً، ليشتري دعم الاشتراكيين. وهنا الدرس الذي استخلصته الأسواق: كل موازنة تُشترى بتنازلات هيكلية تُضعف ما بعدها، ولم يتحقق هدف 5% لعام 2026 أصلاً، إذ ارتفع العجز إلى 5.4%.

موازنة 2027 تحت المجهر

موازنة 2027 تحت المجهر. تقترح الحكومة إجراءات جديدة بـ 43 مليار يورو، يبلغ معها الجهد الإجمالي نحو 54 ملياراً، تشمل تجميد رواتب القطاع العام ومدخرات في المعاشات والإجازات المرضية. لكن الإنفاق العام سيبقى عند 56.9% من الناتج، وهو من الأعلى في العالم المتقدم. وفي المقابل، سترتفع فوائد الدين بنحو 12 مليار يورو في عام واحد، ما يستنزف جزءاً كبيراً من الوفورات التي تسعى الحكومة إلى تحقيقها. وقد وصف الحزب الاشتراكي الموازنة بأنها جرعة تقشف مرّة، والتصويت الحاسم عليها مقرر في 17 نوفمبر.

ظل انتخابات 2027

ظل انتخابات 2027. تجري الانتخابات الرئاسية في أبريل-مايو المقبلين، ويرى اليمين المتطرف فيها أفضل فرصه للوصول إلى السلطة. وتتخوف الأسواق من أن فوز أي من الطرفين المتطرفين سيعني وعوداً مكلفة كخفض سن التقاعد، أو أفكاراً مقلقة حول معاملة الدين الذي يحمله البنك المركزي.

الصدمة الخارجية

الصدمة الخارجية. جاءت الحرب على إيران وارتفاع برنت فوق 100 دولار لترفع التضخم في منطقة اليورو إلى 3.8% في سبتمبر، وترفع العوائد العالمية معه. ففرنسا تواجه مشكلتها الداخلية في أسوأ توقيت خارجي ممكن.

هل هي 2012 من جديد؟

الجواب المختصر: الأعراض متشابهة، لكن جذور الأزمة مختلفة. وفهم هذا الفرق هو مفتاح قراءة المرحلة المقبلة .


أزمة 2010-2012
أزمة فرنسا 
أزمة 2010-2012 البُعد
المصداقية المالية والسياسيةالملاءة واحتمال تفكك اليوروطبيعة المخاوف
فرنسا أساساً، مع انتقال محدوداليونان، إيرلندا، البرتغال، إسبانيا، إيطالياالدول المعنية
نحو 150 لفرنسا، 110 لإيطالياتجاوزت 500 نقطة لإيطاليا وإسبانيا (تقريباً)مستوى الفوارق
أقوى رسملة، وبإشراف أوروبي موحدهشّ ومتشابك مع الديون السياديةالنظام المصرفي
موجودة (TPI) لكن شروطها تستثني فرنسا عملياً غائبة حتى عبارة دراغي وأداة omtشبكة الأمان
فارق السنتين 65 نقطة فقطانقلاب في بعض الحالات (ذعر قصير الأجل)المنحنى الزمني

أين تكمن عناصر الطمأنينة؟

إلا أن أوجه الطمأنينة الحقيقية هي أن فرنسا تملك أسواقاً رأسمالية عميقة وقاعدة مستثمرين محليين واسعة، ومتوسط آجال دينها طويل يبطّئ انتقال الفائدة المرتفعة إلى الموازنة. كما أن التوتر يبقى حتى الآن فرنسياً أكثر منه أوروبياً.

المفارقة التي تجعل تدخل المركزي أصعب

وأما المفارقة المقلقة فهي أنه في العام 2012 أنقذ المركزي الأوروبي الموقف لأن الأزمة هددت وجود اليورو نفسه، فكان التدخل دفاعاً عن العملة. أما اليوم فالأزمة ناتجة عن خيارات موازنة فرنسية، وهذا بالضبط ما يجعل التدخل أصعب. واللافت أيضاً أن نسبة الدين الفرنسي أدنى من إيطاليا واليونان، ومع ذلك تدفع علاوة أعلى.

قنوات العدوى ومعضلة فرانكفورت

بدأت العدوى تتسرب فعلاً، وإن بشكل محدود. فقد ارتفع الفارق الإيطالي إلى نحو 110 نقاط، واليوناني إلى 95، والبلجيكي إلى 80، مع اتساع أخف في إسبانيا والبرتغال.

القناة الأولى: اليورو

القناة الأولى: اليورو. تراجع اليورو إلى أدنى مستوياته منذ مايو 2025 مقابل دولار يتمتع بدعم رفع الفائدة الأميركية. وكل اتساع إضافي في الفارق يُقرأ كمخاطر تشظٍّ داخل الاتحاد النقدي، لا كمشكلة بلد واحد.

القناة الثانية: البنوك

القناة الثانية: البنوك. تحمل البنوك الفرنسية وشركات التأمين كميات ضخمة من الدين السيادي. وهبوط أسعار السندات يضغط على ميزانياتها ويرفع كلفة تمويلها، فينتقل الضغط إلى الائتمان الممنوح للأسر والشركات. هذه هي الحلقة المفرغة بين الدولة والمصارف التي دمّرت إسبانيا وإيرلندا في الأزمة السابقة.

القناة الثالثة: التصنيف الائتماني

القناة الثالثة: التصنيف الائتماني. بعد خفض فيتش العام الماضي، فإن أي خفض جديد قد يدفع مستثمرين مؤسسيين مقيّدين بحدود التصنيف إلى البيع القسري، فتتسارع الحركة.

معضلة البنك المركزي الأوروبي

معضلة البنك المركزي الأوروبي. وهنا جوهر المشكلة، فالبنك المركزي الأوروبي يحدد سعر فائدة واحداً لجميع دول منطقة اليورو، لكن إذا ارتفعت كلفة الاقتراض في إحداها بشكل حاد بسبب ذعر الأسواق، فإن قراراته لا تصل إليها كما ينبغي، وتتشوّه السياسة النقدية. ولمعالجة هذا الخلل، أطلق البنك في يوليو 2022، مع بدء رفع الفائدة بعد سنوات من الفائدة الصفرية، أداة حماية انتقال السياسة النقدية (TPI)، التي تهدف إلى ضمان أن يصل قرار الفائدة الصادر من فرانكفورت بالأثر نفسه إلى برلين وباريس وروما. تسمح هذه الأداة نظرياً بشراء غير محدود لسندات الدولة المتضررة، لكنها مشروطة بأن يكون ارتفاع الفوائد غير مبرر بأساسيات الاقتصاد، وبأن تلتزم الدولة بسياسات مالية سليمة. وهذان الشرطان لا ينطبقان بسهولة على فرنسا: فهي خاضعة أصلاً لإجراء العجز المفرط الأوروبي، أي أنها مخالفة لقواعد الانضباط المالي، كما أن ارتفاع فوائدها يعود إلى أسباب داخلية واضحة، هي العجز والدين والأزمة السياسية، لا إلى ذعر غير مبرر. لذلك يصعب على البنك تبرير التدخل دون أن يبدو وكأنه يكافئ التراخي المالي. وقد أغلق رئيس البوندسبانك الباب مؤقتاً حين أكد أن أدوات البنك تستهدف استقرار الأسعار، لا مستويات معينة من الفوارق. وتزداد المعضلة تعقيداً لأن التضخم المرتفع يدفع نحو التشديد النقدي، بينما يتطلب استقرار السندات العكس. ولعل نبرة لاغارد، التي جاءت أكثر ليونة مما توقعت الأسواق، تعكس هذا التوازن الحرج، إذ إن اتساع الفوارق يشدّد الأوضاع المالية بحد ذاته، فيغني جزئياً عن رفع الفائدة. ومن الحلول الوسطى التي يطرحها اقتصاديو ING أن يبدأ البنك بإيقاف التشديد الكمي، ثم يعيد استثمار عوائد السندات المستحقة في شراء سندات فرنسية، قبل اللجوء إلى أي تفعيل رسمي للأداة.

هل يؤدي تدخل جديد إلى تأجيل التصحيح؟

في المقابل، يرى بعض الاقتصاديين أن مشتريات البنك الضخمة خلال العقد الماضي هي التي صنعت وهم المساحة المالية الفرنسية، وأن أي تدخل جديد سيرسل إشارات مضللة إلى السياسيين ويؤجل التصحيح مرة أخرى. وبهذا المعنى، قد تكون الأسواق بصدد اختبار الإرادة السياسية الفرنسية قبل أن تتوقع أي شبكة أمان.

ثلاثة مسارات محتملة

المحطة الفاصلة الأولى هي تصويت 17 نوفمبر على الموازنة، والثانية هي الانتخابات الرئاسية في الربيع المقبل. بينهما تتشكل ثلاثة مسارات:

المسار الأول: التهدئة الهشّة

التهدئة الهشّة. تمر الموازنة بتنازلات محدودة دون سقوط الحكومة، ويهدأ النفط مع أي تهدئة في الخليج. يعود الفارق عندئذ إلى نطاق 100-120 نقطة، دون أن يعود أبداً إلى مستويات ما قبل 2024. هذا هو المسار الأرجح في تقديري، لكنه لا يحل شيئاً؛ إنه يؤجل الاختبار إلى ما بعد الانتخابات.

المسار الثاني: التصعيد المسيطر عليه

التصعيد المسيطر عليه. تسقط الحكومة بحجب الثقة أو تُفرغ الموازنة من مضمونها، فيتجه الفارق نحو 200 نقطة، وهو المستوى الذي يحذّر منه مايك بيل من RBC BlueBay. لا يعني ذلك تعثراً، لكنه يرفع توقعات كلفة الخدمة بحدة، ويستدعي خفضاً للتصنيف، ويمدد العدوى إلى إيطاليا وبلجيكا واليونان. وهنا قد يجد المركزي الأوروبي نفسه مدفوعاً لتدخل غير مباشر.

المسار الثالث: المواجهة المؤسسية

المواجهة المؤسسية. يفوز في 2027 مرشح يرفع شعارات تتصادم مع قواعد بروكسل المالية، فتتحول المشكلة من مالية إلى مواجهة بين باريس والمؤسسات الأوروبية، على غرار أزمة إيطاليا في 2018 لكن بحجم أكبر بكثير. وهذا هو السيناريو الذي يستحق فعلاً وصف شبح 2012، لأن ما سيكون على المحك عندئذ هو تماسك الاتحاد النقدي نفسه.

ما الذي يجب مراقبته في الأسابيع المقبلة؟

وتبقى مؤشرات المتابعة الأهم في الأسابيع المقبلة هي الفارق الفرنسي-الألماني أولاً، ومسار نقاش الموازنة واحتمالات حجب الثقة، ومراجعات وكالات التصنيف، واستطلاعات الرأي الرئاسية، وأي تغيير في لغة المركزي الأوروبي حول التشديد الكمي.

أزمة ثقة لا أزمة سيولة

ما تشهده فرنسا ليس إعادة حرفية لعام 2012، بل نسخة أبطأ وأصعب علاجا. في 2012 كانت الأزمة حادة ومرئية وقابلة للحل بتدخل نقدي حاسم. أما اليوم فهي تآكل تدريجي في المصداقية، ولا تملك الأدوات النقدية له علاجاً.

المخرج الوحيد المستدام سياسي بالدرجة الأولىألا وهو إطار مالي متوسط الأجل يحظى بتوافق عابر للأحزاب ويصمد بعد الانتخابات، مع إصلاحات ترفع النمو، لأن التقشف وحده في اقتصاد بطيء يغذّي ديناميكية كرة الثلج. وحتى يتحقق ذلك، ستبقى السوق هي المشرّع الفعلي في باريس. سيما وان الدرس الأوسع يتجاوز فرنسا لأنه في عالم الفائدة المرتفعة والصدمات المتكررة، لم يعد الحيّز المالي مضموناً لأي دولة، مهما كان حجمها أو مكانتها. والدول التي تؤجل إصلاح ماليتها تدفع ثمن التأجيل فوائدَ متراكمة .

إقرأ أيضاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى