ما يُبحث اليوم خلف الأبواب المغلقة يتجاوز، وفق قراءة سياسية متداولة، حدود التفاوض الظرفي.
فالمشهد اللبناني يبدو مرتبطًا بإعادة ترتيب أوسع للتوازنات الإقليمية، تمتد من التفاهمات المتعلقة بإيران والخليج، وصولًا إلى مستقبل الوضع في لبنان.
وفي هذا السياق، يبرز الجنوب باعتباره إحدى أبرز ساحات اختبار الترتيبات الجديدة.
فالاتفاق الإطاري الذي وقّعه لبنان وإسرائيل في حزيران برعاية أميركية وضع مسارًا تدريجيًا لتعزيز سيادة الدولة اللبنانية، بالتوازي مع ترتيبات تتعلق بالانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني.
الجنوب في قلب المرحلة المقبلة
لا تبدو معالجة ملف الجنوب منفصلة عن النقاش الأوسع حول مستقبل الدولة اللبنانية. فالحدود، والانسحابات، والانتشار العسكري، وحصرية السلاح، كلها ملفات باتت مترابطة داخل مسار تفاوضي واحد.
وفي المقابل، لا تزال تفاصيل التنفيذ موضع تجاذب، كما أن الاتفاق الإطاري لم يتحول بعد إلى تسوية نهائية مكتملة. لذلك، فإن الحديث عن المرحلة المقبلة يبقى مرتبطًا بقدرة الأطراف على تجاوز الملفات العالقة وتحويل التفاهمات إلى إجراءات ميدانية.
ومن هنا، تبرز فكرة الانتقال من ترتيبات أمنية مؤقتة إلى صيغة أكثر ثباتًا للجنوب، تشمل وقف الأعمال العدائية، وترتيبات الحدود، وآليات المراقبة، ودور الجيش اللبناني.
مستقبل الدولة يتقدم إلى الواجهة
ولا يتوقف النقاش عند الجنوب. فمع تعاظم الضغوط السياسية والاقتصادية، يعود البحث في شكل الدولة وقدرتها على احتكار القرار الأمني والعسكري إلى صدارة المشهد.
وتربط أطراف دولية دعم الدولة اللبنانية بقدرتها على توسيع حضور مؤسساتها، خصوصًا الجيش والقوى الأمنية.
وقد برز هذا المسار بوضوح في اجتماع باريس الأخير، الذي ركز على احتياجات الجيش اللبناني ومستقبل الترتيبات الأمنية في الجنوب مع اقتراب انتهاء مهمة اليونيفيل.
وبالتالي، فإن ملف السلاح والانتشار العسكري لم يعد منفصلًا عن مستقبل المساعدات الدولية أو إعادة الإعمار، بل أصبح جزءًا من النقاش حول قدرة الدولة على استعادة دورها.

ماذا بعد اليونيفيل؟
في الوقت نفسه، يفرض اقتراب انتهاء مهمة اليونيفيل البحث عن صيغة جديدة للوجود الدولي في الجنوب.
واجتماع باريس شكّل محطة أساسية في هذا المسار، إذ ناقش المشاركون احتياجات الجيش اللبناني، والخيارات المطروحة لتجنب حدوث فراغ أمني، إضافة إلى احتمال وجود صيغة دولية أو أوروبية بديلة بعد انتهاء المهمة الأممية.
ولا تزال طبيعة أي مهمة بديلة غير محسومة. إلا أن النقاش بات يتجه بوضوح نحو ربط الدعم الدولي للجيش بالمرحلة الأمنية المقبلة في الجنوب.
الاقتصاد مقابل الاستقرار
على المستوى الاقتصادي، تبدو إعادة الإعمار مرتبطة بدورها بالمسار السياسي والأمني.
فلبنان يحتاج إلى تمويل واسع لإعادة إعمار المناطق المتضررة، وإعادة تأهيل البنية التحتية، ومعالجة أزمة الكهرباء، ودعم القطاع المصرفي والاقتصاد الوطني.
لكن حجم المساعدات وشروطها يبقيان مرتبطين بعوامل عدة، أبرزها الاستقرار الأمني، والإصلاحات المالية، وقدرة الدولة على إدارة الأموال وتنفيذ المشاريع.
ومن هذا المنطلق، يمكن أن يتحول الاستقرار في الجنوب إلى عامل أساسي في جذب التمويل والاستثمارات، خصوصًا إذا ترافق مع إصلاحات اقتصادية وإدارية واضحة.
الجنوب وإعادة الإعمار
أما اجتماعيًا، فإن أي تسوية لن تُقاس فقط بوقف الأعمال العسكرية، بل بقدرتها على إعادة الحياة إلى المناطق المتضررة.
فالعودة تحتاج إلى أكثر من إعلان التهدئة. إنها تتطلب مساكن صالحة، ومياهًا وكهرباء، ومدارس ومستشفيات، وفرص عمل، إلى جانب إعادة تأهيل الطرق والبنى التحتية.
لذلك، فإن ملف إعادة الإعمار سيبقى جزءًا أساسيًا من أي تسوية شاملة، خصوصًا في الجنوب والمناطق التي تعرضت لأضرار واسعة.
باريس تكشف ملامح المرحلة
وفي هذا الإطار، اكتسب اجتماع باريس أهمية خاصة، لأنه جمع بين البعد الأمني والسياسي والعسكري.
فالاجتماع لم يكن مؤتمر مانحين بالمعنى التنفيذي، بل محطة لتحديد احتياجات الجيش اللبناني والتشاور بشأن المرحلة المقبلة، وفق ما أوضحه رئيس أركان الجيوش الفرنسية.
كما بحثت الأطراف مستقبل الوجود الدولي في الجنوب، في ظل اقتراب انتهاء مهمة اليونيفيل والحاجة إلى صيغة تضمن استمرار الاستقرار ودعم الجيش اللبناني.
مرحلة تتجاوز الحدود
بناءً على ذلك، تبدو المرحلة المقبلة أوسع من مجرد تسوية حدودية.
فالجنوب يقف عند تقاطع ملفات عدة: السلاح، وانتشار الجيش، والعلاقة مع إسرائيل، والوجود الدولي، وإعادة الإعمار، والمساعدات الخارجية، والإصلاح الاقتصادي.
وفي المقابل، لا تزال طبيعة التسوية النهائية وشروطها غير محسومة، كما أن تنفيذ الاتفاق الإطاري يحتاج إلى تجاوز عقبات سياسية وأمنية وميدانية.
لهذا، فإن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بما سيحدث في الجنوب، بل بما ستنتجه تسوية الجنوب على مستوى الدولة اللبنانية ككل.
فإذا نجح المسار التفاوضي في تثبيت ترتيبات أمنية مستقرة، فقد يفتح ذلك الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة الإعمار والدعم الدولي.
أما شكل هذه المرحلة، وحجم التغييرات التي ستطال الدولة والاقتصاد والأمن، فسيبقى مرتبطًا بما ستنتجه المفاوضات والاتصالات الجارية في الكواليس خلال المرحلة المقبلة.


