تحقيقات و مقالات

مفاوضات تحت النار.. إلى أين يُدفع لبنان فيما الجنوب يُمحى تدريجياً ؟

القرى الجنوبية تُمحى تدريجياً تحت القصف فيما تتجه مفاوضات واشنطن وسط مخاوف من فرض واقع أمني جديد في الجنوب اللبناني.

بقلم الصحفي حسين حرقوص

إسرائيل تفاوض بالنار والقرى الجنوبية تدفع الثمن يومياً

في الوقت الذي تُعلّق فيه الدولة اللبنانية آمالاً على جولة المفاوضات المرتقبة في واشنطن لوقف الحرب المستمرة على الجنوب، يبدو أن إسرائيل تسابق أي مسار سياسي بمزيد من النار والدمار، محاولة فرض وقائع ميدانية جديدة قبل الجلوس إلى الطاولة.

المشهد في جنوب لبنان لم يعد مجرد مواجهات عسكرية أو غارات واسع ، بل تحوّل إلى عملية استنزاف يومية تُغيَّر فيها معالم القرى الجنوبية وخصوصاً الحدودية بالقصف والتدمير والتهجير، وسط تصاعد واضح في الخطاب الإسرائيلي الذي لم يعد يخفي أهدافه المرتبطة بمستقبل المنطقة الجنوبية وسلاح حزب الله.

قرى تُمحى بصمت

من الناقورة إلى عيتا الشعب ومارون الراس ويارون والخيام، وصولاً إلى النبطية وضواحيها، لم تعد مشاهد الدمار استثنائية. قرى حدودية كاملة مُسحت معالمها بفعل القصف المتواصل، ومنازل سويت بالأرض، فيما تحولت أحياء بأكملها إلى مناطق غير قابلة للحياة، وخرجت بنى تحتية أساسية من الخدمة تحت وطأة الغارات اليومية.

ولم تعد القرى التي تُمسح بالقصف محصورة ب الشريط الحدودي فقط، بل امتدت دائرة الاستهداف تدريجياً إلى عمق الجنوب اللبناني، حيث باتت النبطية ومحيطها أيضاً تحت ضغط الغارات المتواصلة، في مشهد يعكس اتساع رقعة العمليات العسكرية وتبدّل طبيعة المواجهة، مع انتقال الدمار من القرى الحدودية إلى مناطق أبعد داخل الجنوب، وسط تركيز إسرائيلي واضح على توسيع مساحة الخراب وإبقاء مختلف المناطق الجنوبية تحت ضغط النار المستمر .

اللافت أن إسرائيل لم تعد تكتفي باستهداف مواقع عسكرية أو نقاط اشتباك، بل باتت تعتمد سياسة الضغط الواسع عبر تدمير البيئة الحاضنة وإفراغ مناطق كاملة تدريجياً، في محاولة لإعادة رسم الواقع الجغرافي والأمني في جنوب لبنان بالقوة.

سلسلة من الغارات الإسرائيلية استهدفت مناطق متفرقة في لبنان من الجنوب إلى الشمال(1)

وفي كل يوم يمر، تتوسع مساحة الدمار، بينما يعيش آلاف اللبنانيين بين النزوح والخوف وانتظار مصير مجهول، وسط عجز دولي واضح عن فرض وقف حقيقي للحرب أو الحد من الانهيار الإنساني المتسارع.

واشنطن بين الوساطة والضغوط

المفاوضات التي تستضيفها واشنطن تأتي وسط مناخ شديد التعقيد، خصوصاً مع التصريحات الإسرائيلية الأخيرة التي حملت رسائل مباشرة للبنان، عنوانها أن أي تهدئة دائمة لن تتم من دون خطوات ميدانية تتعلق بسلاح حزب الله.

وفي المقابل، يتمسك لبنان الرسمي بمطلب تثبيت وقف إطلاق النار، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية التي لا تزال تحتلها.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل تملك بيروت فعلاً القدرة على انتزاع ضمانات حقيقية، أم أن المفاوضات ستُستخدم فقط لشراء الوقت بينما يستمر تغيير الواقع على الأرض بالقوة العسكرية؟

“اللعبة انتهت”.. ماذا تريد إسرائيل؟

التصريحات الإسرائيلية الأخيرة لم تكن عابرة، خصوصاً مع الحديث عن “مرحلة جديدة” و”اللعبة انتهت”، وهي عبارات تعكس بوضوح أن تل أبيب تريد الذهاب أبعد من مجرد وقف إطلاق نار مؤقت.

إسرائيل تسعى، وفق خطابها السياسي والعسكري، إلى فرض معادلة أمنية جديدة في الجنوب اللبناني، تقوم على منع أي عودة للقوة العسكرية لحزب الله قرب الحدود، مع منح الجيش اللبناني دوراً أكبر ميدانياً تحت رقابة وضغط دولي.

وفي ظل الدعم الأمريكي السياسي والعسكري المستمر لإسرائيل، تبدو تل أبيب أكثر اندفاعاً لمحاولة فرض شروطها مستفيدة من حجم الدمار الهائل والضغط الإنساني والاقتصادي الذي يعيشه لبنان.

الجنوب بين الحرب والمجهول

المخاوف اليوم لا تتعلق فقط بمسار المفاوضات، بل بمستقبل الجنوب اللبناني نفسه، وبالشكل الذي ستبدو عليه هذه المنطقة بعد انتهاء الحرب، إن انتهت فعلاً.

فكل يوم إضافي من القصف يعني مزيداً من القرى المدمرة، ومزيداً من العائلات النازحة، ومزيداً من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي في بلد يعيش أساساً واحدة من أسوأ أزماته في تاريخه.

وبينما تتحرك الوفود السياسية بين واشنطن والعواصم الكبرى، يبقى أهل الجنوب وحدهم في مواجهة النار المفتوحة، يراقبون قراهم وهي تُمحى تدريجياً من الخريطة، في مشهد يعكس حجم المأساة اللبنانية المستمرة منذ عامين وأكثر.

عودة الحزام الأمني… لكن بصيغة أكثر قسوة

على ما يبدو، فإن الجنوب اللبناني يُدفع مجدداً نحو واقع يشبه مرحلة الحزام الأمني التي عاشها قبل عام 2000، لكن هذه المرة بطريقة أكثر خطورة وقسوة.

في تلك المرحلة، كان السكان يعيشون داخل قراهم رغم الاحتلال الإسرائيلي، أما اليوم، فالمشهد يتجه نحو مناطق حدودية فارغة بالكامل من أهلها، بعد أن تحولت قرى بأكملها إلى مناطق مدمرة وغير قابلة للحياة.

والأخطر أن هذا الأمر لم يعد مجرد قراءة أو تحليل سياسي، بل بات يُقال بشكل علني عبر تصريحات مسؤولين إسرائيليين وتقارير إعلامية إسرائيلية تتحدث بوضوح عن منع عودة الواقع السابق في جنوب لبنان، وعن فرض معادلة أمنية جديدة بالقوة.

ما يجري اليوم لا يشبه فقط حرباً عسكرية، بل عملية إعادة تشكيل كاملة للجغرافيا والديموغرافيا في جنوب لبنان تحت النار.

اللبنانيون بين محاور الخارج

وفي خضم هذا المشهد، يشعر كثير من اللبنانيين، وخصوصاً أبناء الجنوب، أنهم يدفعون ثمن صراعات ومحاور تتجاوزهم، فيما القرار اللبناني يبدو غارقاً بين نفوذ الخارج والانقسامات الداخلية.

الأمريكي والإيراني يتفاوضان بهدوء عبر الوسطاء وعلى الطاولات السياسية، بينما لبنان يفاوض مباشرة تحت القصف والدمار والتهجير.

الكشف عن تفاصيل الجولة الثالثة من المفاوضات الإيرانية الأمريكية | إرم نيوز

فيما ينقسم السياسيون اللبنانيون بين الارتهان للمشروع الإيراني والارتماء في الحضن الأمريكي والغربي، يبقى الشعب اللبناني عالقاً بين محورين يتصارعان فوق أرضه، يدفع الثمن من دمه وبيوته وأرزاقه ومستقبل أولاده، بينما يتحول لبنان يوماً بعد يوم إلى ساحة مستباحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، من دون أي اعتبار لما تبقى من وطن ينهار تحت النار والخراب.

أما أهل الجنوب المقاوم، فهم من دفعوا الثمن أولاً، ويبدو أنهم سيواصلون دفعه في المرحلة المقبلة، بعدما وجدوا أنفسهم في قلب حرب مفتوحة تُرسم فيها خرائط المنطقة بالنار، فيما تتساقط قراهم وبيوتهم يومياً بين الحسابات الإقليمية والدولية، وسط غياب أي أفق واضح لحل حقيقي يعيد لهم الأمان والاستقرار .

إلى أين يتجه لبنان؟

السؤال الأخطر اليوم لم يعد فقط: هل تتوقف الحرب؟

بل: أي جنوب سيبقى بعد هذه الحرب؟ وأي لبنان سيخرج من تحت هذا الركام؟

فالخوف الحقيقي لم يعد من استمرار الحرب فحسب، بل من أن يتحول الدمار والتهجير التدريجي إلى واقع دائم وطويل الأمد، يُفرض بالقوة العسكرية والسياسية معاً، فيما يقف اللبنانيون عموماً، والجنوبيون خصوصاً، أمام وطن يتغيّر بالقوة، وبلد يُستنزف يوماً بعد يوم بين الحسابات الإقليمية والدولية. وبين محورٍ يرهن لبنان لمشاريع الخارج وإسرائيل التي تحاول فرض إحتلال ووقائع جديدة بالقوة العسكرية والنار، يجد أهل الجنوب أنفسهم مرة جديدة وحيدين في مواجهة مصير مفتوح على الخوف والخسارة والاقتلاع من أرضهم، وعندها سيكون خيارهم القديم ـ الجديد: المقاومة الوطنية، لا غيرها …

إقرأ أيضاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى