تحقيقات و مقالاتمقابلات وتصريحات

واكتملت الرواية: هكذا سقطت الدولة السورية… وهكذا غادر الأسد

ماذا جرى في الأيام الأخيرة قبل سقوط الدولة السورية؟
هذه الرواية تُنشر للمرة الأولى كما وردت على لسان شخصية كانت داخل دائرة القرار خلال الساعات الحاسمة التي سبقت مغادرة الرئيس السوري بشار الأسد دمشق. تكشف الشهادة تسلسل الوقائع من داخل المواقع التي لم تصلها الكاميرات، وتعيد رسم صورة ما حدث كما جرى، لا كما رُوي في الخطاب السياسي والإعلامي. سيتم نشر الرواية كاملة على أجزاء متتابعة ابتداءً من 8 ديسمبر 2025.

أجرى الجلسة ودون الشهادة:
الصحفي حسين حرقوص

رئيس تحرير مجلة أضواء اليقظة العربية

المكان : موسكو
التاريخ : ٢٩ نوفمبر ٢٠٢٥
المدة : 3 ساعات
نوع اللقاء : جلسة مغلقة – شهادة مباشرة
مصدر الرواية : شخصية من داخل دائرة القرار خلال الأيام الأخيرة قبل سقوط الدولة (يطلب المصدر عدم الكشف عن اسمه )
طبيعة المحتوى : شهادة على مرحلة لا تحليل سياسي

المقدمة

لم تكن الأشهر الأخيرة قبل سقوط الدولة السورية مثل أي مرحلة سبقتها.

فالأحداث لم تقع كعناوين عاجلة أو انفجارات مفاجئة، بل جاءت كمسار طويل من التحولات الصامتة التي تراكمت خطوة بعد خطوة، إلى أن وصلت اللحظة التي لم يعد فيها ما كان ثابتًا قابلًا للاستمرار.

في العلن، كانت الصورة مختلفة: بيانات متتابعة، ووعود بالصمود، ومواقف سياسية تحاول الحفاظ على ما تبقى من تماسك.

لكن خلف الأبواب المغلقة، كانت الأسئلة مختلفة، والقرارات أصعب، والخيارات أضيق.


ملامح الانهيار

خلال هذه الفترة الحاسمة، شهدت المراكز العليا في دمشق تغيّرًا تدريجيًا في طبيعة الحرب، الحلفاء، والمشهد الدولي. ومع مرور الوقت، أصبح واضحًا أن ما يجري لم يعد صراعًا على الأرض فقط، بل صراعًا على شكل ومستقبل الدولة نفسها.

اليوم، لسنا أمام رواية مبنية على تسريبات أو إشاعات أو قراءات سياسية متباينة.

ولسنا أمام إعادة تركيب لمشهدٍ أنهكه المراقبون بالتحليل والتفسير.

اليوم، نحن أمام شهادة مباشرة — رواية من قلب الحدث، ممّن كانوا هناك عندما تغيّر كل شيء.

الرجل الذي يروي ما سيأتي لم يكن مراقبًا، ولا شاهدًا من بعيد، ولا ناقلًا لما سُمع…

بل كان جزءًا من المكان الذي اتُّخذت فيه القرارات، حيث لم يكن الضجيج مسموعًا، بل الحقائق.

وبينما ظلّت الكثير من الروايات تتنافس على تفسير ما حدث، جاء هذا اللقاء  ليضع النقاط فوق الحروف، بعيدًا عن التهويل أو التبرير أو الحسابات السياسية .

ومن هنا ،كان السؤال الأول :

لحظة الانكسار البداية الحقيقية للتحول

سؤال  : 

قبل الدخول في التفاصيل العسكرية والسياسية،متى كانت اللحظة التي شعرتُم فيها أن مسار الحرب تغيّر، وأنما يجري لم يعد فصلًا من الصراع بل بداية تغيّر في مصير الدولة السورية؟


الجواب :

البداية حقيقتاً لم تكن عندما سقطت مدينة، أو انسحب الجيش، أو تبدّل خطاب سياسي.
البداية كانت يوم اغتيل السيّد نصرالله.

ذلك اليوم لم يكن حدثًا محليًا يخص لبنان فقط، بل نقطة تحوّل إقليمية أثّرت مباشرة على سوريا، لأن دور السيّد نصرالله كان جزءًا من توازن الردع الذي حافظ على شكل المعادلة لفترة طويلة.

اغتياله لم يُقرأ كاستهداف شخص، بل كإعلان بداية مرحلة جديدة — مرحلة لا يُضمن فيها الرد، ولا يُفترض فيها استمرار المعادلات القديمة .

وزن اغتيال نصرالله في الحسابات السورية

مكان إستهداف السيد نصرالله

سؤال:

هل كان اغتياله بهذه الأهمية بالنسبة لسوريا ؟

الجواب:

نعم — وبشكل مباشر.

وجود السيّد نصرالله كان عنصرًا استراتيجيًا يؤثر على مسار الحرب في سوريا، سواء عبر التنسيق، أو معادلة الردع، أو خطوط الدعم.

وعندما استشهد، فُهم الأمر داخل دمشق — قبل بيروت — على أنه تحوّل جذري في ميزان القوى، وأن المرحلة المقبلة ليست امتدادًا للتي سبقتها.

منذ تلك اللحظة، بدأت تتغير طريقة قراءة المشهد، ليس على أساس: «ماذا سنفعل؟»

بل على أساس: «ما الذي سيُفرض بعد الآن؟»

اهتزاز التحالف وغياب الرد

سؤال:

هل أثّر اغتيال السيّد نصرالله على العلاقة داخل التحالفات وميزان القوة ؟

الجواب:

نعم، بالتأكيد.

بعد الاغتيال، كان الاعتقاد السائد داخل المحور أنّ الرد الإيراني سيكون كبيرًا، مباشرًا، ورسالة قوة تُعيد التوازن وتمنع أي تصعيد إضافي.

لكن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا.

الرد جاء محدودًا، محسوبًا، وبمستوى أقل بكثير من حجم الصدمة التي أحدثتها العملية.

هذا الرد لم يمرّ عابرًا؛ بل شكّل نقطة تحوّل داخل ميزان الثقة بين أطراف المحور.

داخل الدوائر الضيقة، كان هناك إدراك سريع بأن الرد لم يكن نتيجة عجز، بل نتيجة تغيّر أولويات داخل طهران نفسها، وربما نتيجة تفاهمات أو حسابات لم تعد تعتمد على منطق المواجهة المفتوحة.

للمرة الأولى منذ سنوات، لم يكن الصمت انتظارًا لضربة أكبر…

بل أصبح إشارة إلى أن معادلة الرد لم تعد مُلزمة كما كانت، وأن سقف المواجهة بات محسوبًا بدقة — لا بدافع حماية التحالف، بل بدافع حماية مصالح أخرى.

هذا التحوّل كان بمثابة الإنذار الأول بأن ما ينتظر المنطقة — وسوريا تحديدًا — لن يشبه المرحلة السابقة بأي شكل.

تحوّل مسار الدعم إلى حزب الله

صورة تعبيرية

سؤال:

بعد اغتيال السيّد نصرالله وظهور أول مؤشرات تغيّر ميزان الردع، هل انعكس هذا التحوّل مباشرة على شكل الدعم الذي كان يصل إلى حزب الله عبر سوريا؟ وكيف بدأت تتبدل ملامح العلاقة داخل المحور في تلك المرحلة؟

الجواب:

نعم.

التحوّل الذي بدأ بعد اغتيال السيّد نصرالله ظهر سريعًا على مستوى منظومة الدعم، وليس على مستوى وجود الحزب على الأرض.

فالحزب بقي قادرًا على الصمود في مواقعه العسكرية، لكن الخناق الحقيقي كان على قدراته النوعية، وعلى السلاح الذي يمثّل ميزان القوة.

توسّعت الضغوط العسكرية والأمنية والسياسية عليه بوتيرة تجاوزت كل ما كان مألوفًا، فيما بقي الدور الإيراني محصورًا بالتواصل والتنسيق فقط، دون أي تدخل عسكري مباشر — خلافًا لما كان ينتظر ضمن مفهوم «وحدة الساحات».

وفي محاولة لتعويض الفراغ، أرسلت طهران شخصيات عسكرية بصفة إشرافية إلى لبنان لإعادة تنظيم بعض البنى العملياتية ووضع خطط للصمود، لكن دون مشاركة قتالية أو دعم ميداني مباشر.

غير أن هذه المحاولات تعرّضت لضربات استباقية:

  • جرى استهداف بعض هؤلاء المستشارين داخل دمشق قبل انتقالهم إلى بيروت،
  • واستهداف آخرين على الطرق الواصلة إلى لبنان،ما أدى إلى تعطيل الجهود حتى قبل أن تبدأ فعليًا.

وهذا الأمر تحديدًا جعل دمشق أمام علامة استفهام كبيرة:

إذا كانت الضغوط على الحزب بهذا الحجم، فلماذا لم تتجه إيران إلى مساندته ميدانيًا كما كان يُفترض ضمن قواعد التحالف ؟

هنا ظهرت أول إشارة حقيقية على أن الأولويات في طهران تغيّرت…

قرار دمشق الاستثنائي 

سؤال :

أمام تعطّل خطوط الإمداد وغياب أي تدخل مباشر من طهرانماذا فعلت دمشق؟ وكيف تعاملت مع هذا الفراغ المتسارع؟

الجواب:

عندما تبيّن لدمشق أنّ منظومة الدعم الإقليمي بدأت تتفكك، وأن الحزب يواجه فراغًا نوعيًا نتيجة تعطّل الإمداد الخارجي، اتخذت القيادة السورية خطوة استثنائية لم تُسجَّل منذ بداية الحرب.
صدر توجيه مباشر من الرئيس الأسد عبر قنوات محدودة جدًا، يقضي بـ فتح مستودعات الجيش السوري أمام حزب الله لتعويض النقص الذي سبّبه انسداد المسار الخارجـي.
القرار نُفّذ من خلال ضباط من الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة، وتحت إشراف مباشر من مكاتب أمنية مرتبطة بالقصر، وبأعلى درجات السرية.

لكن تنفيذ القرار لم يكن سهلًا ولا كاملًا:

  • إسرائيل كانت ترصد التحركات بضبط شديد،
  • ونفّذت ضربات استباقية على الطرق التي تمر بها بعض الشحنات،
  • ما أدى إلى تدمير جزء كبير مما حاولت دمشق تعويضه.

ورغم ذلك، وصل جزء من هذا الدعم فعلًا إلى وجهته،
وتمكّن الحزب من استخدام ما وصل في تعزيز قدراته خلال تلك المرحلة الحرجة.

بالنسبة لدمشق، لم يكن القرار إجراءً عسكريًا فقط، بل كان إقرارًا بواقع جديد:
ما لم تعد إيران قادرة على تأمينه، أصبحت سوريا مضطرة لتأمينه بنفسها.

ومع أن هذه الخطوة ساعدت في سدّ جزء من الفراغ، إلا أنها لم توقف المسار العام الذي كان قد بدأ بالاتضاح:


الضغط على سوريا لم يعد مرتبطًا بتوازن الردع، بل بعملية تغيير سياسية – أمنية دولية باتت قيد التنفيذ.

الرد الإسرائيلي على قرار دمشق

سؤال:

بعد أن لجأت دمشق إلى فتح مستودعات الجيش لصالح حزب الله، ورغم الضربات الإسرائيلية التي عطّلت جزءًا من هذا الدعم، إلا أنّ جزءًا منه وصل واستُخدم على الأرض… كيف تلقّت إسرائيل هذا التطور؟

الجواب :

في اللحظة التي تأكّد فيها لإسرائيل أنّ دمشق لم تكتفِ بمحاولة التعويض، بل نجحت — ولو جزئيًا — في إيصال دعم نوعي إلى الحزب، كانت بالنسبة لها نقطة تحوّل حاسمة. من هنا بدأ المنطق الإسرائيلي يتغيّر:

لم يعد تعطيل الإمداد كافيًا،

ولم يعد ضرب القوافل أو الممرات مجديًا،

ولم يعد استهداف المستشارين أو المواقع في دمشق يحقق الهدف.

وهنا بالضبط كانت الشعرة التي قسمت ظهر البعير بالنسبة لإسرائيل.

فالاستنتاج الإسرائيلي كان واضحًا:

طالما أن دمشق قادرة — رغم الضربات — على إبقاء الحزب قائمًا في ميزان القوة، فالحلّ لم يعد في ضرب الإمداد… بل في ضرب مصدر الإمداد نفسه: الدولة السورية والرئيس الأسد.

ومن هنا تحديدًا جاء التحول الحاسم:

دخل الملف السوري رسميًا إلى الطاولة الأميركية–الإسرائيلية، لا بوصفه ملف نقل سلاح أو دعم فصائل،

بل باعتباره ملفَّ تغيير سياسي–عسكري كامل يتصل بمصير الدولة السورية نفسها.

وخلال الاجتماعات الأمنية المشتركة بين الطرفين، قررت إسرائيل أنها لم تعد تتعامل مع الموضوع كقضية “منع إمداد”، بل كمعركة مع الدولة السورية نفسها.

وأضاف ان هذا القرار لم يولد في تلك اللحظة فقط،

بل كان — كما قال المصدر — جزءًا من مشروع أوسع تعمل عليه تل أبيب منذ سنوات، مشروع يرتبط بما تسميه داخل دوائرها إسرائيل الكبرى،

حيث تُعتبر سوريا، وبالتحديد موقع الرئيس الأسد داخل هذا الملف، الثقب الذي يجب فتحه لتنفيذ هذا المشروع ودفع المنطقة نحو الصيغة التي تسعى إليها إسرائيل ضمن ترتيبات ما بعد الحروب.


بهذا القرار، خرج الملف السوري نهائيًا من نطاق الصراع التقليدي، ودخل مرحلة التغيير القسري المدعوم إسرائيليًا وغطاءً أميركيًا، حيث لم يعد يُنظر إلى الرئيس الأسد كخصم سياسي، بل كـ عقبة يجب إزالتها لفتح الطريق أمام المشروع الأوسع. وسيظهر بالتفاصيل لاحقًا كيف دخل التركي والقطري إلى قلب القرار، فالجواب الذي يقدمه المصدر عن هذا الملف لم يكن تفصيلًا… بل نقطة التحوّل.


لقراءة الجزء الثاني:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى