تحقيقات و مقالاتدوليات

نتنياهو يطلب من ترامب تأجيل ضرب إيران فهل تتجه إسرائيل لضرب حزب الله أولًا ؟

إعادة ترتيب الأولويات قبل المواجهة: هل تكون الجبهة الشمالية المحطة الأولى؟

بقلم الصحفي حسين حرقوص


ما وراء طلب نتنياهو تأجيل ضرب إيران

لم يكن طلب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو من الرئيس الأميركي دونالد ترامب تأجيل أي ضربة محتملة ضد إيران تفصيلًا عابرًا، ولا يمكن قراءته بوصفه تراجعًا إسرائيليًا عن خيار المواجهة. هذا الطلب، في توقيته ومضمونه، يعكس حسابات أكثر تعقيدًا تتعلق بترتيب ساحات الصراع، لا بإلغائه.

وإذا كان السؤال العلني يدور حول موعد استهداف طهران، فإن السؤال الحقيقي يدور في مكان آخر: هل تريد إسرائيل معالجة الجبهة مع حزب الله أولًا قبل الذهاب إلى المواجهة الكبرى؟

طلب التأجيل يكشف أن الحسابات الإسرائيلية لا تتعلق بإيران وحدها، بل بما قد يرافق ضربها من تداعيات إقليمية، وفي مقدمتها احتمال فتح الجبهة الشمالية. ومن هنا يصبح من المنطقي طرح فرضية أن نتنياهو لا يؤجل الضربة لأنه تراجع عنها، بل لأنه يريد ترتيب ساحة الحرب قبل إشعالها.

السؤال لم يعد إذًا: هل ستقع الضربة على إيران؟

بل: أين ستبدأ المعركة فعلًا؟


الجبهة الشمالية قبل طهران

في أي سيناريو ضربة أميركية لإيران، تبقى الجبهة الشمالية لإسرائيل العامل الأكثر حساسية. فحزب الله، رغم ما تعرض له من له من ضربات موجعة خلال الحرب الأخيرة التي انتهت باتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وما تلاها من عمليات استنزاف متواصلة ُنفَّذ بشكل شبه يومي حتى الآن بوتيرة مرتفعة ومنخفضة، لا يزال يشكّل خطرًا حقيقيًا على الداخل الإسرائيلي، حتى وإن تراجعت قدراته عما كانت عليه سابقًا.

إسرائيل تدرك أن استهداف إيران قد يدفع الحزب إلى التدخل، ليس بدافع المبادرة، بل بدافع الوجود. فبالنسبة للحزب، سقوط النظام الإيراني أو إضعافه إلى حدّ استراتيجي كبير لا يُقرأ كخسارة سياسية عابرة، بل كتهديد مباشر لمقوّمات بقائه واستمراره.

ومن هذا المنطلق، لا يكون التدخل خيارًا تكتيكيًا، بل انتقالًا إلى معركة وجودية مفتوحة، وهو ما عبّر عنه الشيخ نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله، حين وصف أي مواجهة واسعة بين الحزب وإسرائيل بأنها ستكون“معركة كربلائية”، أي معركة حياة أو موت، لا مكان فيها لمنطق الحسابات المرحلية.


رسائل إسرائيل المسبقة إلى لبنان

وليس هذا التحليل مجرّد قراءة نظرية. فالدولة اللبنانية نفسها كانت قد تلقت، قبل نحو شهر تقريبًا، رسائل مباشرة وغير مباشرة من إسرائيل عبر قنوات دبلوماسية وأمنية، مفادها أن تل أبيب ستتجه إلى ضرب حزب الله أولًا إذا شعرت بأنه يعتزم التدخل في حال تعرضت إيران لهجوم. هذه الرسائل أوضحت أن إسرائيل تعتبر الجبهة الشمالية أولوية سابقة على أي مواجهة مع طهران، وأنها تفضّل معالجة هذا الخطر قبل الإقدام على أي ضربة إقليمية كبرى.


لماذا طلب نتنياهو التأجيل؟

في ضوء هذه المعطيات، يصبح طلب نتنياهو من ترامب تأجيل ضرب إيران أكثر وضوحًا. فإسرائيل تريد قبل أي مواجهة مع طهران أن تتأكد من أن الجبهة الشمالية باتت أقل قدرة على التدخل، أو على الأقل غير قادرة على فرض حرب موازية تُربك الحسابات الميدانية.

المسألة هنا لا تتعلق بتراجع عن خيار الحرب، بل بتحديد تسلسلها.

إسرائيل لا تريد المشاركة في ضرب إيران فيما ظهرها مكشوف شمالًا، ولا تريد الدخول في صراع إقليمي شامل قبل أن تُضعف أخطر وأقرب جبهة يمكن أن تنفجر في وجهها.


فهل حزب الله أولًا؟

السؤال لم يعد ما إذا كانت إسرائيل تفكّر في مواجهة الحزب، بل متى وكيف. فخطر حزب الله بالنسبة لتل أبيب يرتبط أساسًا بقربه الجغرافي المباشر من الداخل الإسرائيلي وقدرته على تحويل أي تصعيد إلى حرب فورية على الجبهة الأقرب والأكثر حساسية.

لهذا السبب، ترى إسرائيل أن ضرب إيران قبل تحييد الجبهة الشمالية مغامرة عالية الكلفة، وأن معالجة الخطر الأقرب يجب أن تسبق مواجهة الخطر الأبعد. ومن هنا يُفهم تأجيل الضربة على أنه إعادة ترتيب للأولويات لا تراجع عنها.


اللحظة التي تسبق الانعطاف

ما نعيشه اليوم ليس مرحلة استقرار، بل مرحلة ما قبل القرار. اللغة السياسية قد تهدأ أحيانًا، لكن الوقائع الميدانية لا تشير إلى تراجع في مستوى المخاطر. والقرار، حين يُتخذ، لن يكون لغويًا بل عمليًا، وقد يعيد خلط أكثر من ساحة في آن واحد.

في ضوء كل المعطيات المتوافرة، يصعب العثور على تفسير منطقي آخر لطلب التأجيل غير رغبة إسرائيل في معالجة ملف حزب الله أولًا قبل أي مواجهة مع إيران. فإسرائيل لا تؤجّل ضربة استراتيجية إلا إذا كانت ترى أولوية أكثر إلحاحًا وخطرًا.

من هنا يبرز السؤال الأهم:
هل اقتربت ساعة الصفر؟ وهل تتجه إسرائيل فعلًا لشن عملية واسعة ضد حزب الله قبل الانتقال إلى إيران؟

الإجابة تبقى مرهونة بالتوقيت والحسابات الميدانية خلال المرحلة المقبلة.


ملاحظة تحريرية:

وما ورد في هذه المقالة يعبّر عن قراءة تحليلية ورأي كاتبها، في ضوء المعطيات المتوافرة حتى لحظة الكتابة.


إقرأ أيضاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى