
الأسد مجددًا في المشهد: رسالة روسية تتجاوز حدود سوريا !
تسريب مقابلة مرتقبة مع بشار الأسد يكشف أوراق روسيا في الملفين السوري والأوكراني، ويطرح تساؤلات حول قدرتها على قلب المعادلة مجدّدًا ،
عودة الأسد بين التسريب والحسابات الدولية
أثار تسريب معلومات عن مقابلة تلفزيونية مرتقبة مع الرئيس بشار الأسد جدلًا واسعًا في الأوساط الإعلامية والسياسية. فمنذ مغادرته دمشق في ديسمبر 2024 وانتقاله إلى موسكو، لم يصدر عنه سوى بيان واحد مقتضب، قبل أن ينقطع تمامًا عن الإعلام. واليوم، يُعد الحديث عن مقابلة كبيرة ومسجّلة في موسكو خطوة لافتة تكشف أن روسيا تستخدم الملف السوري في إطار معركتها الأوسع مع الغرب، وعلى رأسها أوكرانيا.
المقابلة المرتقبة… أكثر من مجرد ظهور إعلامي
المقابلة لم تُسجَّل لمجرد الظهور أمام الكاميرا، بل كأداة ضغط مدروسة من موسكو. الرسالة للخارج واضحة: روسيا تريد تحقيق مكاسب في الملفين الأوكراني والسوري معًا، وتصرّ على أن تكون لاعبًا أساسيًا لا يمكن تحجيمه. فهي تلوّح بأنها قادرة على قلب المعادلة مجددًا في سوريا متى شاءت، وبأن عودة الأسد إلى المشهد قد تكون ورقة جاهزة إذا اقتضت الموازنة الدولية ذلك. هكذا تتحول المقابلة من مجرد حدث إعلامي إلى ورقة مساومة استراتيجية، مرتبطة مباشرة بمسار الصراع مع الغرب.
بث مرهون بقرار الكرملين
رغم تسجيل المقابلة، إلا أن بثها لا يزال معلّقًا بانتظار موافقة الكرملين. القرار ليس تفصيلًا إداريًا، بل ورقة ضغط كاملة بيد روسيا. الكرملين يدرس التوقيت بعناية، فإذا رأى أن المناخ الدولي مناسب، قد يسمح ببثها لتكريس الأسد مجددًا في الواجهة. أما إذا أراد مزيدًا من الضغط، فقد تُبقي المقابلة في الأدراج كورقة تفاوضية، تُستخدم كلما اشتدت المواجهة مع الغرب.
ما الذي تريده روسيا؟
من خلال هذه الورقة، تسعى موسكو إلى تحقيق مكاسب ملموسة في أوكرانيا عبر الضغط على الغرب لتخفيف العقوبات أو تقليص الدعم العسكري لكييف، وإلى إعادة تثبيت نفوذها في سوريا عبر التأكيد أن الأسد ورقة بيدها وحدها. كما تحاول إحراج الغرب بوضعه أمام معضلة أخلاقية وسياسية، إذ يرفض الأسد بينما يقبل الجولاني، المصنّف إرهابيًا، كأمر واقع. وفي الوقت نفسه، توجّه موسكو رسالة مفادها أن أي محاولة لتهميشها في الملفين السوري والأوكراني ستقابل بخيارات غير متوقعة.
الجولاني والبديل المأزوم
في المقابل، يستحضر التسريب مشهد البديل المفروض في دمشق: أحمد الشرع (الجولاني). المجازر والانتهاكات التي ارتكبها مع مجموعاته المسلحة جعلت صورته أكثر سوءًا أمام المجتمع الدولي. الجولاني، المصنّف على لوائح الإرهاب والذي نصّب نفسه رئيسًا بقوة السلاح، لم يتمكن من تقديم أي بديل مقبول. هذا الواقع يسهل مهمة روسيا في تذكير العالم أن عودة الأسد قد تبدو أقل كلفة من استمرار الفوضى التي خلفها الجولاني ومجموعاته المسلحة.
المجموعات الجاهزة للتغيير
إلى جانب ورقة المقابلة، لا تقتصر الحسابات على موسكو وحدها. تشير معلومات لمجلة أضواء اليقظة إلى أن الرئيس بشار الأسد ما زال يستند إلى تشكيلات عسكرية وازنة، تضم ضباطًا بارزين من الفرقة الرابعة، إلى جانب شخصيات ميدانية لها ثقل كبير مثل سهيل الحسن. هذه القوى حافظت على تنظيمها في مناطق محددة وبأسلوب سري بعيد عن الأضواء، ما يجعلها ورقة جاهزة لإعادة خلط الأوراق في أي لحظة، ويعزز من إمكانية حدوث تغييرات فعلية في المشهد السوري متى ما سمحت الموازنة الدولية بذلك.
أوكرانيا قبل سوريا
تبقى الأولوية بالنسبة لموسكو هي أوكرانيا. لذلك جاء تسريب مقابلة الأسد في هذا التوقيت ليخدم أولًا معركتها الكبرى ضد الغرب. إعادة طرح اسمه ليست مجرد خطوة إعلامية، بل جزء من معادلة أوسع تقوم على مبدأ: “سوريا مقابل أوكرانيا” مجدّدًا.
هل عودة الأسد ممكنة حقًا؟
صحيح أن عودة الرئيس بشار الأسد تبدو صعبة في ظل المواقف الغربية والعقوبات المفروضة، لكن في عالم السياسة وموازين القوى لا شيء مستحيل. فالجولاني، المصنّف على لوائح الإرهاب، استُقبل واحتُضن دوليًا رغم تاريخه الدموي. وهذا وحده كفيل بإثبات أن الحسابات قد تتغير إذا اقتضت المصالح.
عودة الأسد إلى العناوين لم تحصل عبر خطاب رسمي أو تحرك عسكري، بل من خلال تسريب إعلامي محسوب. خطوة تكشف كيف تستخدم روسيا الملف السوري لتوجيه رسائل أبعد من دمشق، رسائل تمتد إلى أوكرانيا، حيث تدور معركتها الأهم مع الغرب. ويبقى هذا كله ضمن إطار التحليل، المبني على المعلومات والمعطيات المتوفرة حتى اللحظة.



