تحقيقات و مقالات

من «الضاحية مقابل تل أبيب» إلى «الضاحية مقابل الشمال»: فهل خرج الجنوب من الحسابات الكبرى ؟

تتحرك العواصم عند تهديد بيروت… بينما يستمر الجنوب في دفع الثمن !

بقلم الصحفي حسين حرقوص

لم تعد المعادلة كما كانت.

لسنوات طويلة، عاش لبنان تحت عنوان كبير اسمه «الضاحية مقابل تل أبيب». لم تكن مجرد عبارة سياسية أو إعلامية، بل معادلة ردع قامت على فكرة أن أي استهداف لقلب حزب الله السياسي والشعبي في بيروت لن يمر من دون رد يطال تل أبيب وعمق إسرائيل.

لكن ما يجري اليوم يكشف أن هذه المعادلة لم تعد تعمل بالمنطق نفسه.

فبعد استشهاد السيد حسن نصرالله، الحدث الذي شكّل نقطة تحول كبرى داخل ما كان يُعرف بمحور المقاومة، دخلت المنطقة مرحلة مختلفة، وبات واضحاً أن معادلات الأمس لم تعد تعمل بالطريقة نفسها.

وفي الوقت الذي يتعرض فيه الجنوب اللبناني لأعنف موجات القصف والتهجير والتدمير والتوغل العسكري، تتشكل على الأرض وقائع جديدة تفرض نفسها يوماً بعد يوم، فيما تبدو الأولوية الإقليمية والدولية مركزة على منع توسع الحرب أكثر من وقف استنزاف الجنوب نفسه.

والأخطر أن المعادلة الجديدة تبدو أقرب إلى الحسابات الإيرانية منها إلى الحسابات اللبنانية المباشرة.

فحين تهدد إسرائيل بضرب بيروت، تتحرك الاتصالات فوراً، وتستنفر الدولة اللبنانية، وتدخل واشنطن على الخط، وتصدر التحذيرات، ويصبح شمال إسرائيل تحت التهديد.

أما حين تُقصف قرى الجنوب، وتُهجّر العائلات، وتتغير معالم بلدات كاملة، وتُفرض وقائع ميدانية جديدة على الأرض عبر التوغل واحتلال مساحات واسعة من الجنوب، ويعيش الناس تحت النار، فإن رد الفعل يبقى محدوداً ومحسوباً، فيما يستمر الجنوب في دفع الثمن يوماً بعد يوم .

من الضاحية مقابل تل أبيب إلى الضاحية مقابل الشمال

هنا يكمن جوهر التحول.

ففي السنوات التي سبقت استشهاد السيد حسن نصرالله، ارتبطت معادلة الردع بما كان يُعرف بـ«الضاحية مقابل تل أبيب».

أما اليوم، فتبدو الصورة مختلفة.

فعندما تصاعدت التهديدات التي طالت بيروت، لم يكن الحديث عن تل أبيب بقدر ما كان عن الشمال الإسرائيلي. ارتفعت التحذيرات، وتحرك الوسطاء، وبرزت رسائل تتحدث عن إدخال الشمال في دائرة النار إذا تم استهداف بيروت.

وهكذا بدا أن المعادلة انتقلت عملياً من «الضاحية مقابل تل أبيب» إلى «الضاحية مقابل الشمال».

لكن هذا التحول يطرح سؤالاً أكثر إيلاماً:

إذا كان استهداف بيروت يستدعي تهديد الشمال الإسرائيلي، فلماذا لا يستدعي ما يتعرض له الجنوب المعادلة نفسها؟

ولماذا يبدو أن منع الحرب الشاملة أصبح أولوية تتقدم على وقف استنزاف الجنوب؟

الحسابات الإيرانية بعد نصرالله

منذ استشهاد السيد حسن نصرالله، لم يعد المشهد كما كان. فالرجل لم يكن مجرد أمين عام لحزب الله، بل كان أحد أبرز صناع معادلات الردع في المنطقة طوال سنوات طويلة. وبعد غيابه، تبدو إيران أكثر حضوراً في تحديد سقف المواجهة. فهي لا تريد خسارة حزب الله، لكنها لا تريد أيضاً الانجرار إلى حرب إقليمية مفتوحة بشروط إسرائيلية أو أميركية. لذلك تبدو المعركة اليوم مضبوطة على إيقاع مختلف: ضغط دون انفجار شامل، ورد دون الذهاب إلى مواجهة مفتوحة. وقد يكون هذا الحساب مفهوماً من زاوية طهران، لكنه بالنسبة لأهالي الجنوب يبدو مختلفاً تماماً ، فبينما تُدار المواجهة وفق اعتبارات إقليمية أوسع، يستمر الجنوب في دفع الثمن اليومي من أرضه وبيوته وقراه وأهله.

الجنوب في قلب الاستنزاف

الجنوب اليوم ليس أمام موجة تصعيد عابرة، بل أمام حرب غيّرت الكثير من الوقائع على الأرض.

نحن أمام مسار واضح من الضغط العسكري الإسرائيلي يقوم على الغارات والإنذارات والإخلاءات والتدمير والتقدم الميداني في مناطق حساسة.

ووصل الأمر إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، كان أبرزها الوصول إلى مناطق ذات أهمية استراتيجية مثل قلعة الشقيف، في تطور يحمل أبعاداً عسكرية ورمزية تتجاوز الموقع الجغرافي نفسه.

قرى بكاملها تعيش تحت التهديد. عائلات تُهجّر. أراضٍ تُفرغ من أهلها. والاحتلال يحاول فرض واقع جديد بالنار، بينما تُدار المفاوضات في الخارج وكأن الجنوب ملف تفاوضي أكثر منه أرضاً يعيش عليها مئات الآلاف من اللبنانيين.

لكن السؤال لم يعد يتعلق بوجود الرد من عدمه.

السؤال أصبح: هل الرد بحجم ما يتعرض له الجنوب؟

وهل تكفي العمليات الميدانية اليومية ضد جنود الاحتلال، فيما تتوسع رقعة الدمار والتهجير والتوغل وفرض الوقائع الجديدة على الأرض؟

وهل يمكن اعتبار ما يجري توازناً في المعادلة، بينما تتحول قرى كاملة إلى مناطق نار، ويُدفع السكان إلى النزوح كأن تهجيرهم أصبح تفصيلاً عادياً في حرب طويلة .

وهنا يبرز السؤال الذي يطرحه كثير من أبناء الجنوب اليوم: أين يقع الجنوب داخل كل هذه المعادلات؟ فبينما ينشغل الجميع بمنع توسع الحرب ورسم حدود المواجهة وسقوفها، تستمر القرى الجنوبية في دفع الثمن اليومي من التهجير والدمار والخسائر، وكأن الجنوب حاضر في قلب الحرب، لكنه ليس حاضراً بالقدر نفسه في أولويات من يديرونها أو يتفاوضون حولها .

الدولة اللبنانية ليست بريئة

فالدولة اللبنانية أيضاً تتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية.

فالدولة التي تتحرك عندما تُهدد بيروت مطالبة بأن تتحرك بالقدر نفسه عندما يُهجّر الجنوب.

والدولة التي تفاوض إسرائيل، ولو تحت عنوان وقف النار والانسحاب، لا يحق لها أن تتعامل مع الجنوب كملف أمني فقط.

إذا كانت الدولة تفاوض، فعليها أن تفاوض من موقع حماية الناس، لا من موقع إدارة الخسائر.

وعليها أن تقول بوضوح إن وقف النار يجب أن يشمل كل لبنان، لا أن يتحول إلى تسوية تُنقذ العاصمة وتترك القرى الجنوبية تحت رحمة النيران الإسرائيلية .

فهل أصبح الجنوب ورقة ميؤوساً منها؟

أخطر ما في المشهد الحالي أن الجنوب يبدو وكأنه دخل في خانة «الكلفة المقبولة».

أي أن تهجير أهله، وتدمير بلداته، واستنزافه يوماً بعد يوم، صار أمراً يمكن احتماله سياسياً طالما لم تُضرب بيروت، وطالما لم تنفجر الحرب الشاملة، وطالما بقيت المفاوضات قائمة.

وهذه هي الكارثة الحقيقية.

لأن الجنوب الذي قُدم طوال عقود بوصفه أرض المقاومة وخط الدفاع الأول عن لبنان، لا يجوز أن يتحول اليوم إلى مساحة متروكة للحسابات الباردة.

فهل أصبح الجنوب ورقة ميؤوساً منها؟

وهل بات المطلوب أن يستمر في دفع الثمن وحده، بينما تنشغل القوى الإقليمية والدولية والمحلية بإدارة الصراع أكثر من إنهائه؟

وهل أصبحت الأولوية منع توسع الحرب، لا منع استنزاف الجنوب ؟

المعادلة انقلبت

إذا كانت الإجابة عن هذه الأسئلة مؤلمة، فإن الوقائع على الأرض تبدو أكثر إيلاماً.

فالجنوب الذي كان يُنظر إليه لسنوات طويلة بوصفه جزءاً أساسياً من معادلات الردع، يجد نفسه اليوم في موقع مختلف تماماً.

نعم، المعادلة انقلبت.

لم نعد أمام «الضاحية مقابل تل أبيب».

بل أمام معادلة مختلفة عنوانها العملي: «الضاحية مقابل الشمال»، وهذا لا يعني التقليل من أهمية بيروت أو خطورة استهدافها، فبيروت والجنوب يدفعان من الجسد اللبناني نفسه، وما يصيب أحدهما يصيب الآخر.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو:

لماذا يصبح استهداف بيروت سبباً لاستنفار الجميع، بينما يستمر الجنوب في مواجهة القصف والتهجير والتوغل وفرض الوقائع الجديدة على الأرض يوماً بعد يوم؟

ولماذا يبدو أن حماية بيروت باتت جزءاً من معادلة واضحة، فيما لا تزال حماية الجنوب موضع انتظار .


الخطر الأكبر

الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في حجم الدمار الذي خلفته الحرب، بل في التحولات التي قد تتركها وراءها.

فالحروب تنتهي في نهاية المطاف، لكن الوقائع التي تُفرض خلالها قد تبقى لسنوات طويلة.

وكل يوم يمر من دون معالجة حقيقية لما يجري في الجنوب، يجعل استعادة ما خسره أكثر صعوبة.

ولهذا لا يتعلق السؤال اليوم فقط بكيفية وقف الحرب، بل بشكل لبنان الذي سيبقى بعدها، وبمصير المناطق التي دفعت الكلفة الأكبر من هذه المواجهة.

فالجنوب ليس بنداً في مفاوضات، ولا تفصيلاً في معادلة إقليمية، ولا مجرد ساحة صراع مفتوحة.

إنه جزء من لبنان، وما يجري فيه اليوم لن يبقى محصوراً داخله، بل ستكون له انعكاساته على البلد كله في السنوات المقبلة.

ولهذا تبقى حماية الجنوب وحماية أهله مسؤولية لا يمكن تأجيلها أو التعامل معها كملف ثانوي، لأن ما يُفقد اليوم قد لا يكون من السهل استعادته غداً .


اقرأ أيضاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى