
شبح الحرب يقترب… لبنان بين التهديد والانتظار !
تصعيد أميركي وإسرائيلي يضع لبنان أمام اختبار صعب بين الكلام الدبلوماسي واحتمال المواجهة الميدانية.

المشهد اللبناني اليوم يعيش على وقع رسائل متناقضة، بين صمت دبلوماسي داخلي وتهديدات خارجية متصاعدة. المواقف الأميركية والإسرائيلية الأخيرة أوحت بأن لبنان أمام مرحلة جديدة قد تعيد إنتاج العنف في صورة أشد خطورة.
موقف أميركي صارم
أكد توم براك، المبعوث الأميركي إلى لبنان، أن ما يقوم به لبنان في ملف سلاح حزب الله يقتصر على الكلام، من دون أي خطوات عملية واضحة. هذه اللهجة فسّرتها أوساط سياسية كإشارة إلى تشدد أميركي غير مسبوق، قد يشكّل غطاءً لأي عمل عسكري إسرائيلي جديد.
براك: السلام وهم والقتال ورقة تفاوض
في تصريحاته الأخيرة، وصف براك السلام بأنه “مجرد وهم”، معتبراً أن القتال على الحدود يمكن أن يتحول إلى “عملة للتفاوض”. كما أشار إلى أن حزب الله وإيران يشكّلان خطراً مباشراً، مستخدماً تعبيراً قاسياً بأنهما “أفاعٍ يجب قطع رؤوسها” ووقف مصادر تمويلها. هذه الرسائل رفعت منسوب القلق لدى الرئاسات الثلاث في لبنان.
صخرة الروشة… بين الجدل الداخلي والمراقبة الإسرائيلية
في 25 سبتمبر 2025، أُضيئت صخرة الروشة في بيروت بصورة السيد حسن نصر الله الأمين العام السابق لحزب الله ، إلى جانب صور السيد هاشم صفي الدين، والرئيس رفيق الحريري، ورئيس الحكومة السابق سعد الحريري، بوجود حشد شعبي كبير ، رغم وجود قرار رسمي يمنع ذلك. الفعالية نُفّذت عبر عرض بصري من البحر باتجاه الصخرة كتحية في الذكرى السنوية الأولى لاغتيال السيد نصر الله وصفي الدين.
هذا الحدث سرعان ما تحوّل إلى جدل واسع في لبنان. هناك من رأى فيه خرقاً لقرار الحكومة وتحدياً لسلطة الدولة، فيما اعتبر آخرون أنّ الصخرة معلم وطني عام يحق لأي لبناني أن يضيئه في مناسبة يراها وطنية أو رمزية.
هدوء إسرائيلي لافت
الجدل تصاعد أكثر بعدما جاء الحدث بعد يومين فقط من خطاب المبعوث الأميركي توم براك، الذي اتهم فيه السلطات اللبنانية بالعجز عن تنفيذ قراراتها، وكأن الفعالية شكّلت دليلاً عملياً على كلامه.
اللافت أنّ إسرائيل ـ وللمرة الأولى منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 27 نوفمبر 2024 ـ لم تنفّذ أي اعتداء أو خرق في الجنوب خلال ذلك اليوم: لا قصف، لا اغتيالات، ولا استهدافات مباشرة. حتى حركة المسيّرات التي اعتاد اللبنانيون على رصدها يومياً، كانت محدودة جداً ومحصورة في بعض المناطق الحدودية فقط.
أرى أنّ هذا الصمت لم يكن صدفة، بل جاء مقصوداً، إذ إن إسرائيل كانت تراقب وتوثّق من دون أي تدخل أو عرقلة من طرفها، حتى تكسب هذا المشهد كإحدى الحجج أمام المجتمع الدولي والعالم. بل وأكثر من ذلك، كانت تل أبيب تعوّل على احتمال وقوع تصادم بين الجيش اللبناني وحزب الله خلال الفعالية، لكن ذلك لم يحدث. مرّت المناسبة من دون أي صدام يُذكر، باستثناء بعض الإشكالات الفردية في التنظيم.
ولكن، في كل الأحوال، إسرائيل وثّقت ما أرادت توثيقه، لتحفظه كجزء من ملف الحجج التي قد تلجأ إليها في أي مرحلة مقبلة ،وفي موازاة هذه الرسائل الميدانية والسياسية، يبرز ملف لا يقل خطورة، وهو ملف التمويل والسلاح .
التمويل والسلاح

ترافق كلام براك مع اتهامات متكررة للحزب بتعزيز قدراته العسكرية، في وقت يفتقر الجيش اللبناني إلى العتاد الكافي لمواجهة أي مواجهة واسعة. تقارير سياسية لفتت إلى أن موارد الحزب تتخطى 60 مليون دولار سنوياً من قنوات مختلفة، يذهب الجزء الأكبر منها إلى الجانب العسكري أكثر من الاجتماعي. وكانت واشنطن قد أعلنت منذ عام 2011 عن حملات لملاحقة شبكات التمويل، معتبرة أنها تشكّل عصباً أساسياً لقوة الحزب.
التلويح الإسرائيلي

من الجانب الإسرائيلي، برزت تهديدات متزايدة باحتمال القيام بعملية عسكرية واسعة في حال لم يتم كبح سلاح حزب الله. مصادر إسرائيلية تحدثت عن سيناريوهات تبدأ بتصعيد محدود في الجنوب، لكن قد تتوسع لاحقاً لتصل إلى الضاحية الجنوبية وربما إلى مناطق أبعد.
رأس السنة العبرية: مؤشر زمني
تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن “العام المقبل سيشهد جولة تصعيد جديدة” أثار جدلاً حول التوقيت. تفسيرات عدة أشارت إلى أنه لا يقصد العام الميلادي 2026، بل رأس السنة العبرية التي بدأت فعالياتها بين 22 و24 أيلول، ما يفتح الباب أمام تصعيد في فترة قصيرة نسبياً.
الداخل اللبناني: خطة مجمّدة
في الداخل، تبقى خطة الجيش اللبناني لسحب سلاح الحزب مجمّدة بعد تنفيذ مرحلتها الأولى، من دون تحديد أي جداول زمنية للمرحلة الثانية. هذا الجمود يعكس محدودية قدرة الدولة على فرض إجراءات عملية، ويترك الساحة مفتوحة أمام الضغوط الخارجية.
مشهد معقد ومفتوح
بين خطاب أميركي صارم وتهديدات إسرائيلية متصاعدة، يعيش لبنان على حافة توتر جديد قد يتحول إلى مواجهة مفتوحة. فهل تكون الأشهر المقبلة بداية كابوس أسود يعيد اللبنانيين إلى دائرة العنف، أم تؤجَّل المواجهة بفعل التسويات الإقليمية والدوليةبالمحصلة، يجتمع على الساحة اللبنانية: خطاب أميركي صارم، تهديدات إسرائيلية علنية، وضع داخلي جامد، وتمويل عسكري مستمر للحزب. هذه العناصر تجعل احتمال التصعيد في الأشهر المقبلة وارداً بقوة.
ويبقى السؤال: هل تتحول الفترة المقبلة إلى كابوس أسود جديد يجرّ لبنان إلى مواجهة شاملة، أم أن حسابات القوى الإقليمية والدولية ستبقي النار تحت الرماد مؤقتاً؟



