
الساعة الأخيرة: خروج بلا توقع !
من الميدان إلى طاولات الخارج: كيف صيغت مرحلة ما بعد الدولة
مقدمة الجزء الثالث والأخير
لرواية هكذا سقت الدولة السورية وهكذا غادر الأسد
من قرار سنقاتل .. إلى الخروج من دمشق
في هذا الجزء الأخير من الشهادة، نصل إلى النقطة التي تحوّل فيها المسار من قرار دولي مُعلن إلى تنفيذ فعلي على الأرض.
لم تعد الأسئلة هنا عن العروض، ولا عن التفاهمات، ولا عن الخرائط التي رُسمت في الخارج، بل عن اللحظة التي انتقل فيها القرار من الطاولة إلى الزمن.
ما جرى في الساعات الأخيرة قبل مغادرة دمشق لم يكن مشهد انهيار عسكري، ولا نتيجة معركة فاصلة، بل حصيلة مسار طويل أُغلق عنده كل هامش للمناورة، وتقاطعت فيه السياسة بالأمن، والرسائل بالإنذارات، والخيارات بالوقت.
في هذه الشهادة، يروي المصدر كيف وصل القرار إلى لحظة التنفيذ، وكيف أُديرت الساعات الحاسمة، وما الذي جعل الخروج يتمّ بلا توقيع، وبلا مواجهة، وبلا عودة.
هنا تُروى الساعة الأخيرة كما جرت داخل دائرة القرار… لا كما قيلت بعدها.
الانسحاب الصامت من حمص

سؤال :
بعد إعلان وقف إطلاق النار، كثيرون تساءلوا عن مصير قوات الجيش والحلفاء داخل حمص، خصوصًا أنها كانت تعتبر موقعًا محوريًا في الدفاع عن الدولة.
الجواب :
بعد إعلان وقف إطلاق النار، بدا وكأن الجميع — الصديق قبل الخصم — تعامل مع القرار باعتباره إعلانًا غير مكتوب لسقوط الدولة السورية ميدانيًا. ففي اليوم نفسه، بدأت قوات الحرس الثوري الإيراني ووحدات حزب الله بالانسحاب بصمت من مواقعها في حمص، دون أي تفسير أو بيان، تاركة الجيش السوري وحيدًا في الميدان.
هذا الانسحاب المفاجئ تبعته سلسلة انسحابات غير منظّمة داخل وحدات الجيش السوري نفسها، ليس بناءً على أوامر صادرة عن القيادة العسكرية في دمشق، بل نتيجة تأثير مباشر من ضباط كانوا على ارتباط بأجهزة خارجية، وجّهوا عناصرهم للتراجع والعودة إلى منازلهم. ومع كل ساعة كانت خطوط الدفاع تتفكك تدريجيًا — دون معارك، ودون اشتباك حقيقي.
في تلك اللحظة، ظهر المشهد العسكري في حمص أقرب إلى تفريغ منظم للجبهة، لا نتيجة هزيمة عسكرية. فالطريق السريع بين حمص ودمشق بدأ يتراجع موقعًا بعد آخر، حتى وصل الانهيار إلى خطوط يتولاها عادة آلاف المقاتلين من الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة — وهما التشكيلان اللذان يرتبطان مباشرة بالقصر الجمهوري وبمكتب أمن الفرقة الرابعة.
ورغم حالة الانهيار المعنوي داخل وحدات الجيش التي شاهدت الحليف ينسحب ويترك الجبهة، بقيت هذه التشكيلات لساعات وحدها في الميدان، وهي مستعدة للقتال ضمن أعداد كبيرة لا يمكن الاستهانة بها. وفي الوقت نفسه، تحركت مجموعات صغيرة من جنوب سوريا — تحديدًا من درعا — كانت قد سوت وضعها سابقًا عبر بعض الوسطاء، وتوجهت نحو العاصمة دمشق. لكن عددها كان محدودًا للغاية، بحيث كان يمكن لوحدات الشرطة وحدها التعامل معها في الظروف العادية.
في تلك الساعات، بدا المشهد كله وكأنه ترجمة عملية لجملة واحدة وصلت إلى الضباط والجنود:
«الميدان لم يعد بيد دمشق.»
هذه الرسالة — التي لم تُقال بصوت عالٍ — انعكست في تصرفات الجميع: انسحاب قوات الحلفاء بلا تفسير، انهيار معنويات الجيش بعد أن شعر بأن الدعم اختفى فجأة، وصدور توجيهات متناثرة من ضباط مرتبطين بالخارج تدفع نحو التخلي عن المواقع، وصولًا إلى أبواب العاصمة.
موقف الأسد بعد انهيار الجبهة !

سؤال:
في ظل هذا المشهد — انسحاب الحلفاء، تفكك الجبهة، وفتح الطريق نحو دمشق دون معارك فعلية — كيف كان موقف الرئيس؟ وكيف قرأ ما يجري ؟
الجواب :
بعد كل ما حدث في حمص، لم يرَ الرئيس أنّ ما جرى كان نتيجة معركة خسرها الجيش، ولا اعتبر أنّ تفكك الجبهة نتج عن تفوق عسكري للخصم. الحقيقة كما فهمها كانت مختلفة تمامًا: ما جرى لم يكن هزيمة ميدانية، بل حصيلة قرار سياسي اتُّخذ خارج سوريا، وتم تنفيذه عبر خيانة داخلية أدت إلى إفراغ خطوط الدفاع دون مواجهة.
حتى بعدما وصل إليه خبر انسحاب الحرس الثوري والحزب، قال بوضوح:
«إذا خسرنا الحلفاء… نقاتل وحدنا.»
المصدر يؤكد أنّ الرئيس لم يربط مصير دمشق ببقاء أي حليف، بل اعتبر أن اللحظة التي يغادر فيها الجميع هي اللحظة التي تبدأ فيها المعركة الحقيقية عن دمشق. لم يفكر بالخروج، ولم يفكر بالمساومة، ولم يتعامل مع الموقف بوصفه نهاية للدولة، بل بداية لمحاولة فرض التوقيع عليه من الخارج.
وفق شهادة المصدر:
«الرئيس لم يقل إن الحرب انتهت، بل قال إن ما جرى في حمص هو بداية معركته الشخصية. رأى أنّ الهدف لم يكن إسقاط مدينة، بل دفعه لترك سوريا والتوقيع على النهاية بيده. لذلك قرر البقاء… والقتال.»
وفي قراءته الخاصة، لم يكن انهيار حمص سوى المرحلة الثانية من تنفيذ القرار الدولي الذي بدأ في الخارج، بينما اعتبر أنّ المعركة الحقيقية ستكون في دمشق — معركة القرار لا معركة المواقع العسكرية.
المصدر يلخص تلك الساعات بجملة واضحة:
«بالنسبة للرئيس، حمص لم تكن نهاية الحرب… بل بداية القتال عنه شخصيًا.»
في هذا السياق، أصبحت إرادة القتال موقفًا سياسيًا، لا إجراءً عسكريًا فقط. ومع خروج الحلفاء واهتزاز جبهة الجيش، بقي قرار الرئيس قائمًا على معادلة واحدة:
البقاء وعدم التوقيع… والقتال ولو وحيدًا.
ويضيف المصدر تفصيلاً مهمًا عن تلك الساعات:
في الساعة 11:30 تقريبًا، أبلغ الرئيس الحلفاء بشكل مباشر بأنه سيبقى في دمشق ويقاتل، وأن القرار اتُّخذ نهائيًا دون انتظار لأي دعم خارجي أو ضمانات .
الأسد في الساعات الأخيرة: القتال كخيار… بلا جبهة !

سؤال:
بعد القرار الذي اتخذه الرئيس الأسد بالقتال والبقاء، لماذا لم نشهد أي مواجهة عسكرية أو حتى اشتباك محدود؟
أين كانت المعركة التي كان يستعد لها ؟
الجواب :
لأن المعركة لم تصل أصلاً إلى دمشق.
القرار الدولي لم يُنفَّذ عبر مواجهة عسكرية أو اقتحام العاصمة، بل عبر سحب الأرض من تحت الدولة خطوة بخطوة دون قتال. ما جرى لم يكن “حرب شوارع” أو صدام بين الجيش والمجموعات المسلحة، بل إخراج دمشق من المعادلة دون إطلاق النار.
المجموعات التي تحركت بعد سقوط حمص لم تكن في محيط العاصمة.
كانت لا تزال على مسافات بعيدة جدًا، وبعضها تمّ إعاقة تقدمه بضربات جوية على نقاط محددة مثل جسر الرستن الذي يربط حمص بدمشق ، وهو ما منع أي إمكانية للوصول إلى خطوط تماس يمكن أن تُنتج مواجهة.
الجيش في أطراف دمشق — وتحديدًا الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة — كان جاهزًا للقتال، لكن ما جرى على الأرض لم يخلق المجال للقتال.
القرار كان قد نُفّذ قبل أن تبدأ الحرب:
الانسحابات الداخلية، إفراغ المواقع، وتعطيل القيادة الميدانية… جعلت المواجهة غير موجودة عسكريًا.
لذلك، وبحسب ما رآه الرئيس،
المعركة لم تُمنع… بل لم تُمنح فرصة أن تبدأ.
الخطة لم تكن إسقاط دمشق عبر القتال، بل دفعها للسقوط عبر الانهيار، حتى يصل الأمر إلى نقطة يُقال فيها للرئيس:
“لا يوجد جيش تقاتل به… عليك أن تغادر.”
وهذا ما جعل قرار القتال الذي اتخذه الرئيس قرارًا سياسيًا أكثر من كونه لحظة ميدانية:
هو كان مستعدًا للقتال، لكن ساحة القتال نفسها اختفت قبل أن يصل إليها.
المصدر يلخّص ذلك بجملة معبرة جداً :
أراد أن يقاتل… لكن لم يعد هناك من يقاتل. القرار نُفّذ قبل المعركة
الساعة الأخير
من “سنقاتل” إلى لحظة الخروج من دمشق

سؤال :
بعد كل ما وصفته — انسحاب الحلفاء وأغلب القيادات العسكرية من حمص ، تفكك الجبهة دون معارك، وقرار الرئيس الواضح بالقتال والبقاء — كيف انتقلت الأمور من لحظة الاستعداد للمواجهة… إلى لحظة الخروج من دمشق؟
ما الذي حدث بين قرار “سنقاتل” وبين الساعة التي أُبلغ فيها الرئيس بضرورة المغادرة؟
الجواب :
بين قرار “سنقاتل” ولحظة مغادرتنا دمشق لم تكن هناك معركة، بل ساعات تغيّر فيها السياق بالكامل. بعد انهيار حمص، حسم الرئيس موقفه بالبقاء في دمشق والقتال، ولم تكن هناك أي إشارة إلى مغادرة. ما غيّر المسار لم يكن تقدّمًا عسكريًا نحو العاصمة، بل معلومة محددة وصلت من موسكو، وتحديدًا من الرئيس بوتين، حول طبيعة القرار الذي اتُّخذ في تل أبيب !
هذه المعطيات عندما وصلت إلى دمشق غيّرت الحسابات: لم يعد القتال يعني الدفاع عن العاصمة، بل فتح الباب لضربة إسرائيلية مباشرة، دون أي غطاء أو دعم خارجي.
وسرد المصدر ما حدث بالتفصيل : أصبحت الساعة الواحدة والثالثة عشرة دقيقة تحديدًا،
دخل ضابط من السفارة الروسية إلى مقر إقامة الرئيس في المالكي، وأبلغه بشكل صريح أن عليه المغادرة فورًا.
استغرب الرئيس، وسأل حرفيًا:
«ما الذي تبدّل؟ نحن أخبرنا القيادة الروسية بأننا سنقاتل… لو بقينا وحدنا.»

فنقل الضابط الرسالة كما وصلته من موسكو:
«القرار اتُّخذ في تل أبيب. الكابينيت الإسرائيلي اتخذ قرار اغتيالك منذ قليل ، وأبلغ الرئيس بوتين بأن استهدافك سيتم إذا بقيت في دمشق. إذا لم نأخذك الآن… فستُنفذ الضربة خلال ساعات، وستدخل الطائرات لضرب معسكرات الجيش والقصر الجمهوري، وستتحرك الدبابات الإسرائيلية من عدة محاور لتصل دمشق .. والرئيس بوتين يقول: إذا لم يكن الأمر لأجلك، فهو من أجل من بقي معك… ولأجل المدنيين.»
عندها وافق الرئيس على المغادرة، ليس تراجعًا عن قرار القتال، بل حقنًا للدماء، بعدما أصبح واضحًا أن المواجهة لن تحمي دمشق… بل ستدمّرها وتُعرّض أهلها للخطر، وأن نتيجتها الحتمية ستكون الهزيمة لا الدفاع.
بعد دقائق من هذا القرار، تحرّك الحضور الروسي بسرعة تنفيذًا للخطة التي كانت جاهزة مسبقًا. جرى الاتصال باللواء ماهر وإبلاغه بالحضور الفوري إلى مطار دمشق دون شرح التفاصيل عبر الهاتف، كي لا تتسرّب المعلومات أو تُستغلّ اللحظات المتبقية ضد الرئيس أو ضد الوحدات التي بقيت على تماس مع القصر.
وصل اللواء ماهر إلى المطار قبل تحرّك الموكب بدقائق قليلة، ولم يكن على علم كامل بما حدث. في غرفة صغيرة داخل المبنى العسكري، وضعه الرئيس بصورة مختصرة عن القرار الإسرائيلي، وعن رسالة بوتين، وعن خطورة الساعات المقبلة إذا بقي في دمشق. عارض اللواء ماهر في البداية فكرة الصعود إلى الطائرة، وأصرّ أن البقاء والقتال هو القرار الوحيد الذي يحفظ الموقف. لكن الرئيس، وبدعم مباشر من الوفد الروسي، قال له إن المعركة إذا بدأت الآن لن تكون مع الفصائل… بل مع إسرائيل نفسها، من الجوّ والبرّ، وبلا أي غطاء حقيقي، وإن نتيجتها ستكون تدمير دمشق خلال ساعات.
وفق شهادة المصدر، قال له الرئيس في تلك اللحظة:
«إذا أردت القتال… قاتل من أجل دمشق حين تكون هناك فرصة للقتال. الآن… هذه ليست معركة، هذا اغتيال لبلد، لا لشخص.»

صعد الرئيس إلى الطائرة المتجهة إلى قاعدة حميميم، وظل اللواء ماهر في أرض المطار حتى موعد الإقلاع، وكان يجري اتصالات مكثفة مع بعض القادة الميدانيين لتأمين الانسحاب الآمن لمن تبقّى من الوحدات على مداخل دمشق، وتفادي أي فوضى محتملة في الساعات التالية. وبعد الانتهاء من هذه الاتصالات، صعد مع الرئيس على الطائرة المتجهة إلى قاعدة حميميم، لإعادة تقييم الوضع مع القيادة الروسية قبل اتخاذ أي خطوة لاحقة.
من حميميم إلى موسكو: السقوط السياسي وبدء المرحلة الجديدة
تابع المصدر روايته وقال : مع إقلاع الطائرة من مطار دمشق باتجاه قاعدة حميميم، لم تكن الصورة داخل قمرة الطائرة تشبه مشهد الانسحاب أو الهروب الذي حاول البعض تصويره لاحقًا. بحسب المصدر، كان الرئيس يجلس بهدوء، يراقب الاتصالات التي يجريها اللواء ماهر والضباط الروس، ويستمع إلى موجز سريع عن الوضع داخل محيط دمشق.
في تلك اللحظات، لم يكن الضجيج في دمشق ناتجًا عن معارك، بل عن فراغ السلطة.
لم تُسمع طلقات في الشوارع، ولا هدير دبابات على بوابات العاصمة.
السقوط لم يحدث كصراعٍ على مدينة، بل كإعلان وواقع:
الدولة خرجت من يد صاحب القرار… قبل أن تُنتزع منه بالقوة.
يقول المصدر إن الرحلة إلى حميميم لم تستغرق، بالمعنى السياسي، سوى دقائق حاسمة:
خلالها جرى الاتصال الأخير بين القيادة الروسية في القاعدة ووزارة الدفاع في موسكو، وتم نقْل الموقف النهائي:
لم يعد بالإمكان بقاء الرئيس في دمشق… ولا إعادة تشكيل الجبهة.
عند الوصول إلى قاعدة حميميم، كان المشهد مختلفًا:
القاعدة التي عُرفت لسنوات بأنها مركز إدارة العمليات الجوية في سوريا، تحوّلت في تلك الساعات إلى نقطة انتقال. لم تُعقد اجتماعات عسكرية طويلة، ولم تُطرح خطط لإعادة الانتشار. ووفقًا لشهادة المصدر، كان الضباط الروس منسجمين تمامًا مع القرار الذي نقلوه في دمشق:
القرار اتُخذ خارج سوريا… وأصبح دور موسكو ينحصر في تأمين الإجلاء، لا إدارة المعركة.
الرئيس، بعد نزوله من الطائرة، سأل بشكل مباشر:
«هل يمكن تغيير القرار؟»
كان الجواب الروسي، كما ينقل المصدر:
«القرار ليس هنا. تل أبيب وواشنطن ثبتتاه نهائيًا. نحن نؤمّن العبور فقط.»
يؤكد المصدر أن هذه اللحظة كانت مفصلية:
فهي ليست لحظة سقوط عسكري، بل لحظة سقوط سياسي كامل —
عندما يتحول الرأس الشرعي للدولة إلى راكب داخل طائرة أجنبية فوق أرضه، بقرار صادر في عاصمة أخرى.
بعد أقل من ساعتين على الوصول إلى حميميم، أُعلن عبر قنوات خارج دمشق خبر «مغادرة الرئيس»، بينما بقيت العاصمة بلا بيان رسمي من الدولة نفسها. وداخل القاعدة، كان النقاش محصورًا حول كيفية نقل الرئيس إلى موسكو، وتوقيت الرحلة، والمسار الذي يجب أن تسلكه الطائرة خارج المجال الجوي الذي بات مراقَبًا.
قبل الإقلاع إلى روسيا، أبلغ الروس اللواء ماهر بشكل نهائي:
«القاعدة لم تعد آمنة. أي تأخير يعني احتمال استهدافها.»
حينها، يقول المصدر:
«لم يعد هناك معنى لوجودنا في حميميم، عندما أصبحت القاعدة نفسها غير قادرة على حماية من جاءت لحمايته.»

من موسكو تبدأ الرواية لا تنتهي
بالنسبة للمصدر، وصول الطائرة إلى موسكو لم يكن نهاية القصة —
بل بداية فصل جديد بالكامل:
الفصل الذي خرجت فيه سوريا من قرارها الداخلي، ودخلت مرحلة إدارة خارجية واضحة، تُنفّذ على الأرض عبر «الرئيس المعيّن بالقوة» — كما يصفه المصدر — تحت حماية التفاهم التركي–القطري، وبضمانات أمنية لإسرائيل وغطاء سياسي دولي.
هنا يلخص المصدر نهاية تلك الليلة بجملة واحدة:
عمليًا… إسرائيل أسقطت الدولة السورية ، وفرضت البديل.
الرئيس غادر، لكنه لم يوقّع.. وهذه كانت معركته الأخيرة
مستقبل سوريا السياسي؟

سؤال:
بعد كل ما حدث، وبعد خروج الرئيس من دمشق دون توقيع كما وصفت ، هل ترى أن للرئيس الأسد أي دور في الحياة السياسية المقبلة لسوريا؟ أم أن المرحلة القادمة ستُدار بالكامل من خارج المعادلة التي عرفناها؟
الجواب :
«لا. لأن القادم للمنطقة وللشرق الأوسط كله ليس سورية فقط … لن يشبه الرئيس الأسد بشيء.»
ثم تابع شارحًا:
«ليس لأن الرجل انتهى سياسيًا بمعنى شخصي، بل لأن طبيعة المرحلة نفسها تغيّرت. ما فُتح الآن ليس مرحلة حكم… بل مرحلة إدارة بالضغط…و العصا الإسرائيلية ستكون هي المتحكم بالمنطقة، من سوريا إلى غيرها، وهذا النموذج لا يحتاج إلى شخص يحاول فرض قرار وطني أو يرفض التوقيع.»
وأضاف في توضيح رؤيته:
«ما يجري ليس انتقال سلطة داخل دولة، بل انتقال المنطقة إلى نمط جديد من السيطرة: السيطرة بالأمن، بالتطبيع تحت النار، وبالحدود التي ترسمها تل أبيب، لا العواصم المحلية. من يدخل هذا الزمن يجب أن يقبل القاعدة الأولى: توقّع… ولا تفاوض.»
واختصر الأمر بعبارة :
«الرئيس الأسد كان آخر شكل لدولة تقول لا. القادم ليس دولة… بل إدارة تُنفّذ ما يُطلب منها. لهذا لا مكان لشخص مثله في الشكل الجديد للمنطقة.»
وختم:
«القادم ليس عن سوريا فقط، بل عن الشرق الأوسط بأكمله… مرحلة تُدار بالعصا الإسرائيلية أولًا، ثم يُمنح الغطاء السياسي لاحقًا..
بهذه الشهادة، لا تنتهي حكاية سوريا، بل تنتهي رواية مرحلة وتبدأ أخرى.
مرحلة سقطت فيها الدولة من دون معركة فاصلة، وخرج فيها الرئيس من دون توقيع، ودخلت فيها البلاد — ومعها المنطقة — زمنًا جديدًا تُرسم حدوده من خارج جغرافيتها، وتُدار قراراته حسب قراءة المصدر بـ«العصا الإسرائيلية»أكثر مما تُدار بالمؤسسات والسياسة.
ما بين اغتيال السيد نصرالله، وإغلاق أبواب المالكي، والرحلة الأخيرة من دمشق إلى موسكو، تتشكّل صورة المرحلة التي انتهت فيها الدولة السورية بصيغتها السابقة؛ ليس بوصفها سقوط نظام فحسب، بل بوصفها تحوّلًا في شكل الدولة ودورها داخل معادلة إقليمية جديدة.
مرحلة تبدّلت فيها التوازنات الدولية والإقليمية، وتغيّر خلالها موقع سوريا داخل المشهد الاستراتيجي الأوسع، بحيث أصبحت حدود النفوذ وخرائط التأثير تُرسم وفق مقاربات خارجية تتجاوز حدودها الوطنية.
تبقى هذه الرواية، كما رُويت، واحدة من الشهادات القليلة التي تخرج من داخل الحلقة الأقرب إلى القرار، لتقدّم تصورًا مختلفًا عمّا جرى في الأيام الأخيرة قبل سقوط الدولة السورية، وتفتح الباب أمام أسئلة أكثر مما تقدّم من أجوبة..
تنويه محرّر
تُنشر هذه الشهادة كما وردت على لسان المصدر، وتعكس قراءته ومسار الأحداث كما عاشها من موقعه داخل دائرة القرار خلال الفترة التي تناولها الحديث.
اطّلعت المجلة على هوية المصدر وأدواره خلال المرحلة المذكورة، وتتحفظ على ذكر اسمه احترامًا لظروفه الشخصية وللطبيعة الحساسة للمعلومات التي تضمنتها الرواية.
لا تتبنى المجلة مضمون هذه الشهادة ولا تعتبرها رواية نهائية لأحداث شديدة التعقيد، بل تنشرها بوصفها شهادة شخصية تفتح باب البحث والأسئلة حول مرحلة مصيرية من تاريخ سوريا الحديث، وتدع القرّاء والباحثين لتقييمها وربطها بسياقها السياسي والعسكري الأوسع.



