دوليات

المفاوض الإيراني.. كيف تستخدم طهران الصبر والمماطلة لتحقيق مكاسب دبلوماسية؟

المفاوض الإيراني.. كيف حوّلت طهران الصبر والمماطلة إلى سلاح دبلوماسي في مواجهة واشنطن؟


بين حياكة السجاد الفارسي وأروقة الدبلوماسية المعقدة، يبرز خيط مشترك أتقن الإيرانيون استخدامه عبر عقود طويلة، وهو الصبر الاستراتيجي.

وقد ظهرت هذه السمة بوضوح خلال المفاوضات التي سبقت توقيع الاتفاق النووي عام 2015، عندما تحولت الدقائق الأخيرة من الحوار إلى اختبار قاسٍ للأعصاب بين الوفدين الإيراني والأمريكي.

دموع ويندي شيرمان تكشف صعوبة التفاوض مع إيران


في مذكراتها، تروي ويندي شيرمان، كبيرة المفاوضين الأمريكيين آنذاك، تفاصيل لحظة استثنائية خلال المحادثات النووية.

فبعد نحو عامين من التفاوض المكثف، طلب رئيس الوفد الإيراني عباس عراقجي إعادة فتح ملف سبق الاتفاق عليه، رغم اقتراب الأطراف من إعلان التفاهم النهائي.


عندها فقدت شيرمان أعصابها وانفجرت بالبكاء، محذرة من أن التأخير قد يهدد كل ما تحقق.

وتقول إن الإيرانيين أدركوا خطورة الموقف بعد تلك اللحظة، فتراجعوا عن مطلبهم. أما عراقجي فعلق لاحقاً قائلاً إن تلك كانت المرة الأولى التي يشاهد فيها مفاوضاً يبكي على طاولة المباحثات.

لماذا اكتسب المفاوض الإيراني هذه السمعة؟


لا تُختزل القصة في حادثة عابرة، بل تعكس فلسفة تفاوضية راسخة تقوم على اختبار قدرة الخصم على التحمل حتى اللحظة الأخيرة.


وقد لخص الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب هذه الصورة عندما قال إن إيران “لم تكسب حرباً قط، لكنها لم تخسر أي مفاوضات”.

كما أظهر عدد من كبار الدبلوماسيين الغربيين تقديراً واضحاً لقدرة طهران على إدارة الجولات التفاوضية الطويلة والمعقدة.

من أزمة الرهائن إلى الاتفاق النووي


بدأت ملامح النهج الإيراني الحديث في التفاوض بالتشكل عقب الثورة الإسلامية عام 1979.

وخلال أزمة احتجاز الرهائن الأمريكيين في السفارة الأمريكية بطهران، تعلمت القيادة الإيرانية كيفية توظيف الوقت والضغط النفسي والإعلام في إدارة الصراع السياسي.


لاحقاً، مر هذا النهج بمحطات عديدة، من قضية “إيران كونترا” إلى مفاوضات إنهاء الحرب العراقية الإيرانية، وصولاً إلى الملف النووي الذي استمر أكثر من 12 عاماً.


وخلال تلك الفترة، تبدلت إدارات أمريكية وحكومات أوروبية عدة، بينما حافظت طهران على أسلوب تفاوضي قائم على الصبر وطول النفس.

أسلوب البازار.. العقيدة التفاوضية الإيرانية


يشرح عباس عراقجي في كتابه “قوة التفاوض” أن ما يُعرف عالمياً بـ”أسلوب البازار” يمثل أحد أبرز ملامح الثقافة التفاوضية الإيرانية.


ويعتمد هذا الأسلوب على المساومة المستمرة، والتكرار، والإصرار على الهدف مع تغيير الوسائل عند الحاجة.

كما يتطلب صبراً طويلاً وقدرة على استيعاب الضغوط دون تقديم تنازلات سريعة.


ولهذا السبب، يُطلق بعض المراقبين على هذا النهج اسم “أسلوب تاجر السجاد” أو “حائك السجاد”، في إشارة إلى أن الوصول إلى النتيجة النهائية يحتاج وقتاً وجهداً وتراكماً مستمراً للخطوات الصغيرة.

استنزاف الخصم عبر التفاصيل


يرى كثير من الدبلوماسيين الغربيين أن الإيرانيين يمتلكون قدرة استثنائية على إغراق المفاوضات في التفاصيل الدقيقة.


فغالباً ما يناقشون الكلمات والصياغات بنداً بنداً، ويعيدون فتح ملفات بدت محسومة سابقاً.

ونتيجة لذلك، يجد الطرف المقابل نفسه مضطراً لإعادة مراجعة أجزاء واسعة من الاتفاق كلما تغير عنصر واحد فيه.


وقد شبّهت ويندي شيرمان هذه العملية بمكعب “روبيك”، موضحة أن تعديل جانب واحد يؤدي إلى اختلال بقية الجوانب، ما يفرض إعادة ترتيبها بالكامل.

الوقت كسلاح تفاوضي


في المدارس الدبلوماسية التقليدية، يُنظر إلى الوقت باعتباره إطاراً للمفاوضات. أما في التجربة الإيرانية، فيتحول الزمن نفسه إلى أداة ضغط ومناورة.


فكلما امتلك طرف القدرة على الانتظار أكثر، ازدادت فرصه في الاستفادة من تغير الظروف السياسية أو الاقتصادية لدى خصمه.


لذلك، غالباً ما تراهن طهران على عامل الوقت، خصوصاً عندما تقترب الانتخابات الأمريكية أو تتزايد الضغوط الداخلية على صناع القرار في واشنطن.


ومن هذا المنطلق، كثيراً ما اتهمت الحكومات الغربية إيران بالمماطلة وإطالة أمد المفاوضات لتحقيق مكاسب إضافية.

مفاوضات فيينا.. معركة الأعصاب الكبرى


مثلت مفاوضات الاتفاق النووي عام 2015 نموذجاً واضحاً لهذه الاستراتيجية.


فبينما كان الجانب الأمريكي يسابق الزمن قبل انتهاء المهلة القانونية المخصصة لمراجعة الاتفاق داخل الكونغرس، حرصت طهران على إظهار هدوء كامل وعدم استعجال الوصول إلى تسوية.


ومع اقتراب المواعيد النهائية، تراجع الطرفان تدريجياً عن بعض مواقفهما المتشددة.

لكن الإيرانيين نجحوا في الاستفادة من الضغوط الزمنية التي واجهها البيت الأبيض، ما منحهم مساحة أكبر للمناورة حتى اللحظات الأخيرة.

البراغماتية خلف الخطاب الثوري


رغم الخطاب السياسي الحاد الذي تتبناه طهران تجاه الولايات المتحدة، فإن التجربة التاريخية تظهر مستوى مرتفعاً من البراغماتية في إدارة الملفات الحساسة.


فقد شهدت العقود الماضية مفاوضات مباشرة وغير مباشرة بين الطرفين في أكثر من ملف، بدءاً من قضية “إيران كونترا” وصولاً إلى المحادثات النووية والاتصالات غير المعلنة خلال فترات التوتر العسكري.


وفي المقابل، تحرص القيادة الإيرانية على الحفاظ على صورتها السياسية أمام جمهورها الداخلي، لذلك تلجأ أحياناً إلى الوسطاء أو القنوات الخلفية لإدارة التفاهمات الحساسة.

تعدد مراكز القرار يمنح طهران هامشاً للمناورة


تتميز الساحة السياسية الإيرانية بوجود مؤسسات ومراكز نفوذ متعددة.

ولذلك كثيراً ما تصدر مواقف متباينة من المسؤولين حول القضية نفسها.


فعلى سبيل المثال، قد يتبنى قادة في الحرس الثوري خطاباً أكثر تشدداً، بينما يقدم الرئيس أو وزير الخارجية رسائل أكثر مرونة.


ويمنح هذا التباين طهران قدرة إضافية على اختبار ردود الفعل الدولية والحفاظ على هامش واسع للمناورة خلال التفاوض.

هل ينجح المفاوض الإيراني دائماً؟


رغم السمعة التي اكتسبتها الدبلوماسية الإيرانية، فإن سجل طهران لا يخلو من الإخفاقات.


فخلال السنوات الأخيرة تعرضت إيران لأزمات أمنية وعسكرية كبيرة بينما كانت تخوض مسارات تفاوضية مع واشنطن.

كما واجه المفاوضون الإيرانيون في أكثر من مناسبة قيوداً داخلية فرضتها مراكز القرار المختلفة.


وتكشف مذكرات وزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف عن وجود خلافات وصراعات داخلية أثرت أحياناً في إدارة الملفات الخارجية.

سر القوة الحقيقي


في النهاية، لا تكمن قوة المفاوض الإيراني في امتلاك وصفة سحرية أو قدرة خارقة على تحقيق الانتصارات، بل في نظرته إلى التفاوض باعتباره امتداداً للصراع وليس وسيلة سريعة لإنهائه.


ولهذا السبب، نادراً ما تسعى طهران إلى حسم الملفات الكبرى بسرعة. وبدلاً من ذلك، تفضل اختبار كل الخيارات الممكنة واستثمار عامل الوقت إلى أقصى حد.


ومع مرور العقود، تحولت هذه المقاربة من مجرد تكتيك سياسي إلى جزء أساسي من الهوية الدبلوماسية الإيرانية، حتى أصبحت القدرة على الصبر وإدارة الزمن واحدة من أبرز أدوات القوة الناعمة التي تمتلكها طهران في مواجهة خصومها.

اقرأ أيضاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى