تحقيقات و مقالاتمحليات

«منحلم نرجع».. صرخة المغترب اللبناني بين الحنين والخوف ! ..

من نافذة الطائرة حلم، وعلى الأرض خوف يبدّد فرحة العودة

بقلم الصحفي حسين حرقوص

ما إن تقترب الطائرة من أجواء لبنان، حتى يخفق قلب المغترب اللبناني بقوّة. من النافذة يلمح البحر الأزرق الممتد، والجبال تلامس بيروت المزدحمة التي لا تنام. في تلك اللحظة، تغمره مشاعر لا توصف، ويهمس في نفسه: «آخ لو نرجع». لكن كما يقول المثل اللبناني: «مش كل شي بيلمع ذهب»، فالمشهد البهي من السماء يختلف كلياً عمّا ينتظره على الأرض حيث يواجه واقعاً يومياً لا يشبه صورة الحنين التي يحملها في قلبه .

انهيار النظام في تفاصيل الحياة

من بيروت إلى الضواحي والقرى، تنقل الشهادات صورة بلد فقد فيه النظام معناه مشاهد صغيرة لكنها كافية لتكشف حجم الانهيار :

  • سيارات تطلق أبواقها حتى عند الإشارة الحمراء، إذ لم يعد للنظام وجود فعلي على الطرق.
  • أي نقاش بسيط قد يتحول إلى مواجهة مسلّحة، بعدما صار السلاح بمتناول الجميع.
  • حوادث تشليح تقع ليلاً وأحياناً في وضح النهار أيضاً، فتزيد من شعور المواطنين بانعدام الأمان.
  • قصف إسرائيلي متقطّع يعيد شبح الحرب إلى الواجهة.

يقول أحد العائدين: «صرنا نعيش متل اللي ماشي عحد السكين، ما بتعرف من وين بيجيك الخطر».

الغياب الكامل للضمانات

ليست المشكلة فقط في الفوضى الأمنية. فالحياة اليومية تكشف غياب أبسط مقومات الطمأنينة:

  • كبار السن يخشون المرض، لعلمهم أن لا ضمان ولا رعاية تحميهم.
  • الشباب ينظرون إلى المستقبل فيجدونه مسدوداً، بلا فرص عمل ولا أمل مستقر.
  • العائلات تعيش يومها بيومها، كأنها تردد المثل: «الدنيا واقفة عإبرة».

حتى الزيارات القصيرة للمغتربين، التي يُفترض أن تكون فرصة للتنفس واستعادة شيء من الطمأنينة، تتحول غالباً إلى تجربة صادمة. فالمغترب يدخل البلد محمّلاً بالشوق، يزور أهله، يتجول في شوارع طفولته، يشمّ رائحة القهوة اللبنانية الصباحية على شرفات الأحياء، ويستعيد ذكريات الجيران الذين يحيّونه بابتسامة، ويقول لنفسه: «بحلم إرجع».

لكن سرعان ما تبدأ التفاصيل الصغيرة تقضم فرحته. زحمة السير الفوضوية التي لا تنتهي ، انقطاع الكهرباء، غياب الأمن الذي يفرض الحذر في كل خطوة، وأحاديث الناس المليئة بالقلق عن الغلاء، والبطالة، والهموم الأمنية والعسكرية والسياسية . كل ذلك يحوّل نشوة اللقاء الأولى إلى شعور بالاختناق.

بعد أيام قليلة، يبدأ الحنين بالتراجع أمام أسئلة موجعة: هل يمكن أن يعيش هنا من جديد؟ هل يستطيع تأمين مستقبل أولاده في بلد يفتقد لأبسط مقومات الأمان؟ هل سيتحمّل أن يرى والديه يتقدمان في العمر من دون ضمان صحي يحميهما؟ وفي كل مرة يحاول إقناع نفسه بأن العودة ممكنة، يصطدم بالواقع الصعب، فيبتلع كلماته بصمت طويل مليء بالقلق، وكأن قلبه يقول شيئاً ولسانه يعجز عن التعبير ..

الحنين أقوى من الخوف

ومع ذلك، يبقى الأمل قائماً. المغترب اللبناني، مهما ابتعد، يرفض أن يقطع خيط الحلم.

يقول أحدهم في المطار : «منشوف لبنان من الطيارة، منحس الدني رجعت، بس عالأرض بتصير بتقول يا ريت الحلم ضلّ حلم».

انتظار الفجر

اليوم، يعيش اللبنانيون في الخارج على أمل فجر جديد:

  • فجر يعيد النظام إلى الشوارع.
  • فجر يمنع السلاح من أن يكون لغة الحياة اليومية.
  • فجر يرد للمسنين كرامتهم، وللشباب مستقبلهم، وللأهل الطمأنينة التي فقدوها.

وكما يردد المغتربون:

«منحلم نرجع… ولو الطريق طويلة، لأن ما في متل لبنان».


هذه المقالة ليست مجرد سرد لحنين المغترب اللبناني ومخاوفه، بل هي صرخة لإبراز حجم الفجوة بين صورة لبنان التي يحملها أبناؤه في قلوبهم، والواقع الذي يعيشونه عند عودتهم.

هي محاولة لتذكير المسؤولين بأن الوطن لا يُبنى بالشعارات، بل بالاستقرار والضمانات والعدالة.

فالمغترب الذي يردد «منحلم نرجع» لا يطلب المستحيل، بل يطلب حقه في وطن آمن يحميه ويحمي عائلته.

إنها دعوة كي لا يبقى الحلم حبراً على ورق، بل يتحول يوماً إلى حقيقة، فيعود لبنان لأبنائه، ويعود أبناؤه إليه.


شاهد أيضاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى