ثقافة

أسرارك مع الذكاء الاصطناعي قد تُباع لمن يدفع أكثر.. فضيحة خصوصية تهز الثقة

أزمة شركة أميركية تثير مخاوف من انتقال المحادثات الشخصية إلى مشترين جدد، وتحذيرات من أن الإفلاس قد يحوّل أسرار المستخدمين إلى أصول تجارية.

قد تكون أخبرت الذكاء الاصطناعي بأسرار لم تجرؤ على مشاركتها مع أقرب الناس إليك. تحدثت معه عن مشكلاتك العائلية، وعلاقاتك الشخصية، وربما كشفت له معلومات لا تريد أن يعرفها أحد. لكن هل فكرت يومًا في مصير هذه الاعترافات إذا أفلست الشركة التي تدير التطبيق؟

هذا السؤال لم يعد مجرد سيناريو خيالي، بعدما أثارت الأزمة المالية لشركة «كاراكتر إيه آي» (Character.ai) الأميركية مخاوف بشأن مستقبل البيانات الشخصية المخزنة لدى منصات الذكاء الاصطناعي، وإمكانية انتقالها إلى جهات أخرى ضمن عمليات بيع الأصول أو إعادة الهيكلة.

وبحسب تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، فإن القضية تسلط الضوء على جانب حساس من العلاقة المتنامية بين البشر وروبوتات المحادثة، حيث تتحول المعلومات التي يقدمها المستخدمون طوعًا إلى بيانات قد تمتلك قيمة تجارية كبيرة.

قرار قضائي يزيد المخاوف

وفي أحدث تطورات القضية، وافق قاضٍ أميركي، في 30 تشرين الأول 2026، على المضي في إجراءات بيع أصول شركة Character.ai، رغم اعتراضات ممثلين عن 41 ولاية أميركية على آلية البيع.

ويأتي القرار وسط مخاوف قانونية بشأن مصير بيانات المستخدمين، خصوصًا المحادثات الشخصية التي قد تحتوي على معلومات حساسة تتعلق بالحياة الخاصة والعلاقات العائلية والصحة النفسية.

وتشير المعلومات المتداولة بشأن إجراءات البيع إلى عرض من شركة ديزني بقيمة 20 مليون دولار لترخيص بعض التقنيات، من دون أن يشمل العرض بيانات المستخدمين.

ولا يعني القرار القضائي أن المحادثات الخاصة بيعت بالفعل، لكنه يعيد طرح سؤال جوهري بشأن الضمانات القانونية التي تمنع انتقال المعلومات الحساسة إلى جهات جديدة دون حماية كافية.

عندما تصبح اعترافاتك أصولًا تجارية

تكمن المشكلة في أن شركات الذكاء الاصطناعي لا تحتفظ دائمًا بمحادثات عادية أو أسئلة تقنية، بل قد تجمع تفاصيل دقيقة عن حياة المستخدمين، تشمل مخاوفهم ومشكلاتهم النفسية وعلاقاتهم العائلية واهتماماتهم الشخصية.

ومع ارتفاع تكاليف تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي وتطويرها، تزداد المخاوف من تعثر بعض الشركات ماليًا، خصوصًا تلك التي لم تنجح بعد في بناء نموذج تجاري مستدام.

وفي حالات الإفلاس أو الاستحواذ، قد تصبح قواعد البيانات من بين الأصول التي تسعى الشركات إلى نقلها أو بيعها، وفقًا للقوانين المعمول بها وشروط الخصوصية والالتزامات القانونية المرتبطة بها.

وهنا يظهر السؤال الأكثر إثارة للقلق: هل يمكن أن تنتقل محادثة شخصية أجريتها مع روبوت ذكي إلى شركة لم توافق يومًا على مشاركة أسرارك معها؟

أزمة شركة أميركية تكشف الثغرة

أعادت التطورات المرتبطة بشركة Character.ai هذا النقاش إلى الواجهة، بعدما أثيرت تساؤلات بشأن مصير معلومات المستخدمين وإمكانية التصرف بها في إطار الترتيبات المالية والقانونية للشركة.

وتشير المعلومات الواردة في التقرير إلى صفقة تتعلق ببيع بعض الأصول لشركة ديزني مقابل 20 مليون دولار، من دون أن تشمل بيانات المستخدمين، ما يترك تساؤلات بشأن مصير تلك البيانات.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن المحادثات الخاصة قد بيعت بالفعل، لكنه يكشف احتمالًا يستدعي التدقيق، خصوصًا عندما تتضمن سياسات الخصوصية بنودًا تسمح بنقل المعلومات في حالات الاندماج أو الاستحواذ أو الإفلاس.

الخطر لا يقتصر عليك وحدك

تحذر كالي شرودر، مديرة برنامج الذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان في مركز المعلومات الإلكترونية للخصوصية، من أن روبوتات المحادثة التي تحاكي الشخصيات البشرية قد تشجع المستخدمين على الإفصاح عن تفاصيل شديدة الخصوصية.

فما يبدأ بمحادثة عابرة قد يتحول تدريجيًا إلى اعترافات عن الحياة الزوجية أو الخلافات العائلية أو المشكلات النفسية.

والأخطر أن هذه المحادثات قد تتضمن معلومات عن أشخاص آخرين لم يستخدموا التطبيق أصلًا، مثل الزوج أو الزوجة أو الأصدقاء أو أفراد الأسرة.

وبذلك لا تصبح خصوصية المستخدم وحده معرضة للخطر، بل خصوصية أشخاص آخرين وردت تفاصيل حياتهم في المحادثات.

الأطفال والمراهقون في دائرة القلق

تزداد حساسية القضية عندما يتعلق الأمر بالمستخدمين القاصرين، الذين قد يتعاملون مع روبوتات المحادثة باعتبارها أصدقاء حقيقيين، ويكشفون لها تفاصيل يصعب عليهم مشاركتها مع البالغين.

وقد واجهت Character.ai دعاوى واتهامات تتعلق بتأثير بعض محادثات روبوتاتها على مراهقين، من بينها قضايا ارتبطت بالانتحار والتحريض على العنف.

وتبقى هذه الوقائع في إطار الاتهامات والإجراءات القضائية، ولا يجوز اعتبارها أحكامًا نهائية تثبت مسؤولية المنصة عن جميع الأضرار المنسوبة إليها.

وفي موازاة ذلك، أثارت مخاوف الخصوصية تحركات من مسؤولين قانونيين أميركيين للمطالبة بضمانات أقوى لحماية بيانات الأطفال والمستخدمين.

هل تحمي قوانين أوروبا محادثاتك؟

يمنح النظام الأوروبي العام لحماية البيانات (GDPR) المستخدمين حقوقًا تتعلق بالاطلاع على بياناتهم وطلب محوها والاعتراض على بعض أشكال معالجتها.

لكن وجود هذه الحماية لا يعني أن انتقال البيانات بين الشركات محظور بصورة مطلقة، إذ قد يُسمح ببعض عمليات النقل وفق أسس قانونية محددة، مع استمرار الالتزامات المتعلقة بحماية المعلومات الشخصية.

ولهذا فإن الإفلاس لا يلغي تلقائيًا حقوق المستخدمين، لكنه قد يجعل متابعة مصير البيانات والجهات المسؤولة عنها أكثر تعقيدًا.

كيف تمنع وصول أسرارك إلى جهات مجهولة؟

تبدأ حماية الخصوصية من إدراك أن روبوت المحادثة ليس دفتر أسرار مضمونًا، حتى لو بدا أسلوبه ودودًا أو كانت المحادثة معه شخصية للغاية.

وينصح خبراء الخصوصية بمراجعة الحسابات القديمة، وحذف المحادثات الحساسة حيثما أمكن، والتحقق من إعدادات استخدام البيانات في تدريب النماذج، وتجنب مشاركة كلمات المرور والمعلومات المصرفية والوثائق الشخصية والتفاصيل السرية المتعلقة بالآخرين.

ومن المهم أيضًا الانتباه إلى أن حذف المحادثة من واجهة التطبيق لا يعني بالضرورة محو جميع النسخ أو السجلات المرتبطة بها فورًا، إذ تختلف سياسات الاحتفاظ بالبيانات من خدمة إلى أخرى.

أسرارك ليست مضمونة إلى الأبد

تكشف هذه القضية جانبًا من المخاطر التي قد ترافق الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي، في وقت بات فيه ملايين الأشخاص يعتمدون على روبوتات المحادثة للحصول على المشورة أو الدعم أو حتى لمجرد البوح بمشكلاتهم.

فالمشكلة لا تتعلق فقط بما تفعله الشركات بالمعلومات أثناء نشاطها، بل بما قد يحدث لهذه المعلومات إذا تغير مالكوها أو تعثرت أعمالها.

وبينما تتسابق شركات التكنولوجيا لتطوير روبوتات أكثر قدرة على فهم البشر، يبقى السؤال الذي ينبغي لكل مستخدم طرحه قبل كتابة اعتراف جديد:

إذا اختفت الشركة غدًا، فمن سيملك أسراري ؟

إقرأ أيضاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى