
لم تعد عبارة «إحكام القبضة الأمنية على جنوب لبنان» التي أطلقها وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس مجرد توصيف للتطورات الميدانية، بل باتت تعكس توجهاً إسرائيلياً لتثبيت واقع أمني جديد في المنطقة.
ويأتي ذلك بالتزامن مع تصعيد إسرائيلي متواصل في الجنوب، وسط حديث عن أهمية استراتيجية متزايدة لمرتفعات علي الطاهر، التي باتت محوراً أساسياً في التحركات الإسرائيلية جنوب لبنان.
إسرائيل تعزز وجودها في مرتفعات علي الطاهر
قال كاتس، الجمعة الماضية، إن السيطرة على مرتفعات علي الطاهر في جنوب لبنان تعزز ما وصفه بـ**«المنطقة الأمنية»** لإسرائيل، مؤكداً أن القوات الإسرائيلية لن تنسحب من الموقع الاستراتيجي.
وفي وقت سابق، أعلن الجيش الإسرائيلي تحقيق ما وصفه بـ**«السيطرة العملياتية»** على المرتفعات، فوق الأرض وتحتها.
وبحسب الجيش الإسرائيلي، نفذت قوات الفرقة 36 خلال الأسابيع الماضية عمليات تفتيش داخل مسارات ومنشآت تحت الأرض في المنطقة.
كما تحدث الجيش عن العثور على غرف عمليات ومخازن أسلحة ومرافق لوجستية قال إنها استخدمت لإدارة القتال والإقامة لفترات طويلة.
لماذا تكتسب علي الطاهر هذه الأهمية؟
بحسب تقرير للجزيرة أعدته فرح الزمان شوقي، فإن التطورات في مرتفعات علي الطاهر تتجاوز البعد العسكري المباشر.
ويبرز الموقع باعتباره نقطة استراتيجية تربط بين الجغرافيا العسكرية والتطورات السياسية والإقليمية، خصوصاً في ظل تصاعد التوتر بين إسرائيل وإيران.
وفي هذا السياق، يشير التقرير إلى أن إسرائيل تعمل على تثبيت ما يعرف بـ**«المنطقة الصفراء» أو «الخط الأصفر»**، الذي يشمل بلدات لبنانية ومناطق استراتيجية وصولاً إلى شمال الليطاني.
وتضم هذه المناطق مواقع ذات أهمية عسكرية وجغرافية، من بينها قلعة شقيف ومرتفعات علي الطاهر.
وتمتد المنطقة التي يشملها التوغل، وفق التقرير، على مساحة تقارب 600 كيلومتر مربع، وبعمق يصل إلى نحو 10 كيلومترات، مع احتساب التوسع البري والمجال البحري.

من الجنوب اللبناني إلى الصراع مع إيران
لا تنظر إسرائيل إلى هذه المناطق باعتبارها مجرد نقاط عسكرية، إذ تسعى من خلالها إلى تعزيز المراقبة والسيطرة على مساحة واسعة من جنوب لبنان.
وبالتالي، فإن تثبيت الوجود الإسرائيلي في هذه المواقع يمكن أن يحد من قدرة إيران على استخدام الجبهة اللبنانية كورقة ضغط في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة.
وتزداد أهمية ذلك مع ارتباط التطورات في جنوب لبنان بمسار التصعيد بين طهران وواشنطن وتل أبيب.
وفي هذا الإطار، كشف التقرير عن تحذير نُقل عبر سلطنة عمان، التي تلعب دور الوسيط بين إيران والولايات المتحدة، بشأن تداعيات الهجوم على منطقة علي الطاهر تحديداً.
ومن ثم، فإن تثبيت السيطرة الإسرائيلية على هذه المرتفعات يحمل رسالة سياسية إلى طهران، مفادها أن إسرائيل ماضية في تعزيز إجراءاتها الأمنية على الحدود الشمالية.
إسرائيل تربط الانسحاب بنزع سلاح حزب الله
في المقابل، تسعى إسرائيل إلى فرض ترتيبات أمنية جديدة في جنوب لبنان، بما يجعل أي انسحاب من المناطق التي سيطرت عليها مرتبطاً بشروط سياسية وأمنية.
ومن أبرز هذه الشروط نزع سلاح حزب الله وبسط سلطة الدولة اللبنانية، وفق الطرح الإسرائيلي.
وهذا الطرح يتعارض مع الاستراتيجية الإيرانية التي تنظر إلى الجبهة اللبنانية باعتبارها إحدى أدوات الضغط في الصراع الإقليمي الأوسع.
لذلك، فإن تثبيت واقع أمني إسرائيلي في جنوب لبنان قد يفرض معادلة جديدة على طهران وحزب الله والدولة اللبنانية في آن واحد.
الخط الرمادي وتثبيت واقع أمني جديد
إلى جانب ذلك، يتحدث التقرير عن سعي إسرائيل إلى تكريس واقع ميداني جديد ضمن ما يعرف بـ**«الخط الرمادي»**، بعمق يتراوح بين 3 و4 كيلومترات.
وبحسب هذا الطرح، تريد إسرائيل تحويل هذا الواقع المؤقت إلى ترتيبات أمنية أكثر ثباتاً، بدلاً من العودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل التصعيد الأخير.
وفي حال استمرار هذه السياسة، فقد تصبح مسألة الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب مرتبطة بتطورات سياسية وأمنية تتجاوز الحدود اللبنانية.
تصعيد مستمر في جنوب لبنان
وتأتي هذه التطورات في وقت تواصل فيه إسرائيل تنفيذ غارات جوية وقصفاً على مناطق مختلفة في جنوب لبنان.
وفي الوقت نفسه، تستمر المساعي المرتبطة بتنفيذ التفاهمات الأمنية واتفاق وقف إطلاق النار.
ونقلت وكالة رويترز عن مصدر لبناني ومسؤول أمني لبناني رفيع أن تنفيذ عملية إسرائيلية للسيطرة على جبل علي الطاهر لا يزال احتمالاً قائماً خلال الأسابيع المقبلة، رغم إعلان إسرائيل تحقيق السيطرة العملياتية على المنطقة.
وبذلك، تبدو مرتفعات علي الطاهر أمام مرحلة جديدة، في ظل محاولة إسرائيل تثبيت نفوذها العسكري جنوب لبنان وربط أي ترتيبات مستقبلية بملف السلاح وانتشار الدولة اللبنانية.
كما تضع هذه التطورات الجبهة الجنوبية أمام اختبار جديد، خصوصاً مع استمرار التوتر بين إسرائيل وإيران واتساع ارتباط الملف اللبناني بالصراع الإقليمي.



