اقتصاد

من إدارة الوفرة إلى هندسة المناعة ..

الاقتصاديات في مواجهة الصراع الأميركي–الإيراني

بقلم د. واجب علي قانصو خبير مالي واقتصادي

منذ اندلاع المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران أواخر شباط/فبراير 2026، لم يعد هذا الملفّ أزمةً أمنيةً–سياسيةً إقليميةً محصورةً في نطاقها الجغرافي، بل غدا مصدرَ اضطرابٍ يمتدّ أثره إلى الاقتصاد العالمي بأسره. فالحدث الذي بدأ ضرباتٍ عسكريةً وردودَ فعلٍ متبادلة سرعان ما وجد قناةَ انتقالٍ اقتصاديةً بالغةَ الحساسية هي مضيق هرمز، ذلك الممرّ المائي الضيّق الذي يعبره نحو خُمس النفط المتداوَل عالمياً وقرابة 27% من تجارة النفط المنقولة بحراً.

وما يعنينا هنا ليس ترجيح موقفٍ على آخر في صراعٍ لا تزال فصوله مفتوحة، بل تتبّع المنطق الاقتصادي الذي يحكم انتقال الصدمة من ساحة المواجهة إلى الاقتصاد الحقيقي. وهذا المنطق يقوم على فكرةٍ محورية سنبني عليها القراءة كلها: أنّ ارتفاع أسعار الطاقة ليس خسارةً صافيةً للعالم بمقدار ما هو إعادة توزيعٍ للثروة بين قطبين؛ قطبٌ يدفع الفاتورة هم المستورِدون، وقطبٌ يجني جزءاً منها هم المصدِّرون. والمنطقة العربية تكاد تكون المختبر الوحيد الذي يجمع القطبين معاً: خليجٌ مصدِّرٌ على أحد طرفي المعادلة، و لبنانُ مستورِدٌ منهكٌ على طرفها الآخر، يلتقي عنده العالَمان.

صدمةُ عرضٍ تعيد رسم خريطة الثروة

ما نشهده ليس تراجعاً في الطلب العالمي كالذي رافق الأزمة المالية لعام 2008 أو جائحة كورونا، بل هو صدمة عرضٍ سلبية بامتياز: انكماشٌ قسريٌّ في المعروض من الطاقة نتيجة تعطّل ممرٍّ حيوي. وهذا التمييز ليس ترفاً أكاديمياً، لأنّ صدمة العرض تُنتج مفارقةً يعجز صنّاع السياسات عن معالجتها بأدواتهم التقليدية؛ إذ ترفع الأسعار وتخفض الناتج في آنٍ واحد، على عكس صدمة الطلب التي تتحرّك فيها الأسعار والناتج في الاتجاه ذاته.

ومن رحم هذا الارتفاع يولد التحوّل في «معدّلات التبادل التجاري»، أي الانتقال الحقيقي للثروة من الدول المستورِدة للطاقة إلى المصدِّرة لها. فما يخسره المستهلك في أوروبا أو آسيا من قدرةٍ شرائية يتحوّل جزءٌ منه إلى دخلٍ إضافي لدى المنتِج القادر على التصدير. وهو تحوّلٌ ذو طابعٍ تنازليّ في جوهره، لأنّ الأسر الأفقر تنفق حصةً أكبر من دخلها على الطاقة والغذاء، فتتحمّل العبء الأثقل من هذه «الضريبة» غير المعلنة. ومن هنا فإنّ الحديث عن «رابحين» و«خاسرين» ليس تبسيطاً بل توصيفٌ لآلية توزيعٍ تعيد الصدمة رسمها عبر قناة السعر.

على أنّ حدّة هذا التحوّل رهنٌ بمسار الميدان. فمع تقييد الملاحة عبر هرمز مطلع آذار/مارس، قفزت أسعار خام برنت من مستوياتٍ دون السبعين دولاراً قبيل المواجهة إلى ذروةٍ تجاوزت 120 دولاراً، بل لامست مستوياتٍ قريبة من 128 دولاراً في مطلع نيسان/أبريل، قبل أن تتراجع لاحقاً إلى نطاقٍ أقلّ حدّة وصفت معه وكالة الطاقة الدولية ما جرى بأنه أكبر اضطرابٍ في تاريخ سوق النفط العالمية. ولم يسِر المسار في خطٍّ مستقيم؛ فقد أفضت وساطةٌ إقليمية إلى هدنةٍ في نيسان/أبريل، ثم إلى مذكرة تفاهمٍ في السابع عشر من حزيران/يونيو تضمّنت ترتيباتٍ لمرورٍ آمن، لكنّ التوتر عاد في تموز/يوليو، ثم انتقلت واشنطن أواخر آب/أغسطس إلى تصعيدٍ في أدوات الضغط الاقتصادي، بينما لاحت مطلع أيلول/سبتمبر إشاراتٌ إلى استعدادٍ إيراني للعودة إلى إطار حزيران. وهذه الهشاشة المتكرّرة هي، اقتصادياً، جوهر المشكلة؛ إذ يتحوّل عدم اليقين ذاته إلى كلفةٍ دائمة تتجسّد في «علاوة مخاطرة» تلازم الأسعار حتى في فترات التهدئة. وبهذا المعنى، تبقى السوق تسعّر احتمال الانقطاع لا الانقطاع نفسه.

ولتتبّع أثر هذا التحوّل، يلزمنا أن نتّبع الثروة في مسارها: من القطب الذي يدفع، إلى القطب الذي يقبض، وصولاً إلى النقطة التي يلتقي عندها الطرفان.

القطب الأول: عالمُ المستورِدين وقلقُ البنوك المركزية

في الطرف الخاسر من المعادلة يقف مستورِدو الطاقة، وهم جمهور الاقتصاد العالمي الأوسع. وتنتقل الصدمة إليهم عبر ثلاث قنوات متشابكة: أسعار الطاقة التي تشير تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى بقائها مرتفعةً خلال 2026 مع عدم عودة إنتاج المنطقة إلى مستوياته السابقة قبل مطلع 2027؛ ثم التضخم الذي يتسرّب عبر كلفة النقل والغذاء والأسمدة وارتفاع أقساط التأمين والشحن التي تعمل عملياً كضريبةٍ إضافية على التجارة؛ وأخيراً التوقّعات، إذ يدفع عدم اليقين المستثمرين إلى تأجيل قراراتهم فيتباطأ تكوين رأس المال.

وعند هذه القنوات تبرز المعضلة الأصعب أمام البنوك المركزية. فالقاعدة النظرية تقضي بأن «ينظر» صانع السياسة النقدية إلى ما وراء صدمة العرض المؤقتة، لأنّ رفع الفائدة لا يعيد النفط إلى الأسواق بل يضاعف الضغط على النمو. غير أنّ هذه القاعدة تنهار متى تحوّلت الصدمة إلى ارتفاعٍ ممتدٍّ يهدّد بانفلات «التوقّعات التضخمية»؛ فحين يبني الأفراد والشركات قراراتهم على توقّع تضخمٍ مرتفعٍ دائم، تتولّد آثارٌ من الجولة الثانية عبر الأجور والأسعار يصعب احتواؤها إلا بكلفةٍ باهظة على التشغيل. ولهذا يجد المصرفي المركزي نفسه بين مطرقة كبح الأسعار وسندان دعم الاقتصاد، في مأزقٍ يستحضر «الركود التضخمي» الذي رافق أزمة السبعينيات.

بيد أنّ المقارنة التاريخية تستوجب تحفّظاً مهمّاً. فالاقتصاد العالمي اليوم أقلّ هشاشةً في مواجهة صدمات الطاقة مما كان عليه في السبعينيات: تراجعت كثافة استهلاك الطاقة لكلّ وحدةٍ من الناتج بفعل مكاسب الكفاءة، وباتت هناك طاقةٌ إنتاجية احتياطية لدى منتجين خارج مسرح الأزمة، ومخزوناتٌ استراتيجية تُستخدم لتهدئة الأسواق، ومرونةٌ أكبر في الطلب وبدائل طاقةٍ متعدّدة. لذلك، ومع أنّ الأثر حقيقيٌّ وملموس — إذ خُفّضت توقّعات النمو العالمي لعام 2026 إلى نحو 2.4% — يبقى وصفه بأنه «قابل للاحتواء» أدقَّ من توقّع انهيارٍ شامل، شريطة ألّا يطول أمد الاضطراب. هذا هو، إذاً، العالم الذي يسدّد الفاتورة؛ فلننتقل إلى العالم الذي يقبض جزءاً منها.

القطب الثاني: عالمُ المصدِّرين الخليجيين ومفارقةُ الرابح

في الطرف المقابل تقف دول الخليج المصدِّرة، حيث يتحوّل ارتفاع الأسعار إلى مكسبٍ في معدّلات التبادل التجاري. غير أنّ صورة «الرابح» أشدّ تعقيداً مما تبدو، وهي تتّضح فقط بأدوات الخبير المالي. فالمفتاح التحليلي هو مفهوم «سعر التعادل المالي»، أي مستوى سعر النفط الذي تتوازن عنده الموازنة العامة. ووفق تقديرات صندوق النقد الدولي ومؤسسات تحليلٍ اقتصادي، يقارب هذا السعر نحو 80 دولاراً في السعودية للموازنة المركزية، لكنه يقفز إلى ما بين 95 و113 دولاراً حين يُحتسب الإنفاق الاستثماري الضخم لصندوق الاستثمارات العامة المرتبط برؤية 2030. وفي المقابل تنخفض العتبة إلى نحو 65 دولاراً في الإمارات، وإلى مستوياتٍ أدنى في الكويت التي تدير صندوقاً سيادياً يتجاوز 950 مليار دولار، بينما تتخطّى 110 دولارات في البحرين التي تظلّ عرضةً للعجز حتى عند الأسعار المرتفعة بفعل ثقل أعبائها المدينة.

من هذه الزاوية يتّضح المنطق المزدوج للصدمة على المنتجين. فارتفاع السعر يرفع الإيراد لكلّ برميلٍ يُصدَّر — وهو ما يفسّر تسجيل شركةٍ كبرى مثل أرامكو قفزةً في أرباحها خلال الربع الأول — غير أنّ تعطّل الملاحة يقتطع من الكميات المصدَّرة نفسها. والمحصّلة الصافية تتوقّف على أيّ الأثرين يغلب: مكسب السعر أم خسارة الحجم. ولهذا كان الأكثر تضرّراً هم العاجزون عن إعادة توجيه صادراتهم بعيداً عن المضيق، وفي مقدّمتهم قطر والكويت اللتان قدّرت بنوك استثمارٍ كبرى أنّ إغلاقاً يمتدّ شهرين قد يكلّفهما ما يصل إلى 14% من الناتج، مقابل خسائر أخفّ بين 3% و5% للسعودية والإمارات. وإلى هذا تُضاف أضرارٌ ماديةٌ مباشرة أصابت عشرات المنشآت الطاقوية بكلفةٍ تُقدَّر بعشرات المليارات، وخسائرُ فادحة في السياحة تراجع معها الإشغال الفندقي بنحو الخُمس. أي أنّ «الرابح» في هذا القطب ليس رابحاً مطلقاً، بل رابحٌ نسبيٌّ تنقص مكاسبَه خسائرُ الحجم والبنية والقطاعات غير النفطية.

وما يمنح هذا القطب صلابته الحقيقية ليس السعر بل العُمق المالي. فالصناديق السيادية تؤدّي وظيفةً معاكسةً للدورة الاقتصادية: السحب من فوائض سنوات الرخاء لتمويل التزامات سنوات الشحّ، بما يحوّل الصدمة الحادّة إلى عبءٍ قابلٍ للإدارة. غير أنّ هذه الوسادة ليست بلا كلفة، وهي أضيق لدى الدول المثقلة بالدين. يُضاف إلى ذلك قيدٌ نقديٌّ تُغفله كثيرٌ من التحليلات: فمعظم عملات الخليج مربوطةٌ بالدولار، ما يجعل سياساتها النقدية تستورد قرارات مجلس الاحتياط الفيدرالي وتفقد استقلاليتها في خفض الفائدة وقت الأزمة، فيتحمّل الجانب المالي وحده عبء الامتصاص. وهكذا يظهر أنّ الوقوف على الطرف «الرابح» من خطّ السعر لا يعني النجاة، بل يعني امتلاك القدرة على امتصاص التقلّب. وليست كلّ دولةٍ عربية على هذا الطرف؛ فبعضها يعيش واقع المستورِد داخل جوار المصدِّر — وهنا يدخل لبنان.

لبنان: حيث يلتقي العالَمان

يمثّل لبنان الحالة التي يلتقي عندها القطبان، وهو ما يجعله المفتاح لفهم المشهد العربي لا هامشاً فيه. فهو من جهةٍ اقتصادٌ صافي الاستيراد للطاقة، يعيش تماماً واقع المستورِد الذي وصفناه في القطب الأول: خسارةٌ في معدّلات التبادل، وتضخمٌ مستورَد، وفاتورةٌ ترتفع مع كلّ ارتفاعٍ في السعر. لكنّه من جهةٍ أخرى دولةٌ في قلب المدار الخليجي، ترتبط به عبر تحويلات مغتربيها وسياحتهم وودائعهم، فتنتقل إليه تباطؤات القطب الثاني كما تنتقل إليه صدمات القطب الأول. إنه، بهذا المعنى، النقطة التي يجتمع فيها الخسارتان: خسارة المستورِد وخسارة الجوار.

ويزيد من حدّة موقعه أنه يواجه هذا كلّه بلا وسائدَ تُذكر. فحيث تمتصّ الصناديق السيادية الخليجية الصدمة، يقف لبنان عارياً من أدوات الامتصاص: احتياطيات مصرفه المركزي بالعملات الأجنبية تدور حول سبعة مليارات دولار فقط، وعملته فقدت نحو 98% من قيمتها منذ 2019، وقطاعه المالي يرزح تحت خسائر تتجاوز 80 مليار دولار لم تُوزَّع بعد. والأخطر أنّ اقتصاده المدولر يجعل انتقال صدمة الأسعار فورياً وكاملاً، بلا وسيطٍ نقديٍّ يخفّف الوقع؛ فلا سعر صرفٍ قابلٌ للتعديل امتصاصاً للصدمة لأنّ العملة انهارت أصلاً، ولا سياسةٌ نقديةٌ فاعلة. إنه غياب مزدوج للأداتين المالية والنقدية في آنٍ معاً. وقد قدّر البنك الدولي أن يبلغ التضخم نحو 17.5% في 2026 مدفوعاً باضطراب الإمداد وكلفة الشحن وأسعار النفط.

وإلى هذه القناة الاقتصادية تُضاف قناةٌ أمنية–سياسية تنفرد بها الحالة اللبنانية، إذ أعاد تجدّد المواجهة بين إسرائيل وحزب الله، على وقع الحرب مع إيران، لبنانَ إلى دائرة النزاع المباشر بعد هدنةٍ هشّة. وهنا تكمن المفارقة الأقسى: فبعد سنواتٍ من الانكماش، سجّل الاقتصاد اللبناني في 2025 نمواً يقارب 4.2% هو الأسرع منذ اندلاع الأزمة المالية، مدفوعاً بانتعاش السياحة الوافدة من المغتربين؛ لكنّ تجدّد الحرب قلب المسار، إذ يتوقّع البنك الدولي انكماشاً بنحو 6.4% في 2026، نتيجة انهيار السياحة وضعف الاستهلاك واضطراب سلاسل الإمداد. وبذلك يكون القطاع السياحي — المحرّك شبه الوحيد للنمو — أوّلَ الضحايا، تأكيداً للقاعدة التحليلية بأنّ التنويع القطاعي يبقى رهناً بالاستقرار الأمني.

ولا يقلّ البعد المالي–المؤسسي أهمية. فالحرب تؤخّر مسار الإصلاح والبرنامج المرتقب مع صندوق النقد، وترفع كلفة إعادة الإعمار التي قُدّرت أضرار الجولة السابقة وحدها بنحو 14 مليار دولار. كما بات الملف اللبناني متشابكاً بنيوياً مع الملف الإيراني؛ إذ إنّ مسألة حصرية السلاح — وهي شرطٌ ضمنيٌّ في المعادلة الدولية لإطلاق التمويل وإعادة الإعمار — مرتبطةٌ بمسار التفاوض الأميركي–الإيراني الأوسع. ومن منظورٍ اقتصاديٍّ بحت، فإنّ إنهاك الاقتصاد الإيراني تحت وطأة العقوبات، من الممكن، يقلّص قدرة طهران على تمويل شبكاتها الإقليمية، بما قد يعيد تشكيل موازين الاقتصاد الموازي في الداخل ويضع الدولة أمام اختبارٍ لقدرتها على استعادة زمام سياساتها العامة. وهكذا يجسّد لبنان الدرسَ الأصفى في هذه الأزمة: أنّ شدّة الصدمة لا تتحدّد بأيّ قطبٍ تقف عليه، بل بما إذا كنت قد بنيت وسائدك قبل وقوعها.

متغيّرٌ جديد في معادلة العرض: صفقة فنزويلا

على أنّ معادلة العرض التي تحكم هذه الصدمة قد لا تبقى ثابتة. فمع نهاية آب/أغسطس 2026 أُعلن عن اتفاقٍ نفطيٍّ أميركي–فنزويلي وُصف بأنه الأضخم في التاريخ، يمنح واشنطن حصةً فعليةً تناهز 55% في مشروعٍ مشترك يغطّي حقولاً تضمّ نحو 65 مليار برميل من الاحتياطي المؤكّد عبر عقد إيجارٍ طويل الأمد. والسؤال الذي يعنينا هنا ليس ضخامة الأرقام المعلنة، بل أثرها الفعلي في المشهد العالمي؛ وهو أثرٌ لا يُقاس إلا بالتمييز الدقيق بين المخزون والتدفّق.

فالاحتياطي القابع في باطن الأرض لا يحرّك الأسعار، وإنما يحرّكها ما يصل فعلاً إلى السوق. وهنا تكمن المفارقة: فرغم امتلاك فنزويلا أكبر احتياطيٍّ مؤكّد في العالم، لا يتجاوز إنتاجها اليوم نحو مليون برميل يومياً بعد سنواتٍ من تهالك بنيتها النفطية، وإحياء هذا الإنتاج يتطلّب عشرات المليارات وسنواتٍ من العمل، فضلاً عن أنّ خامها الثقيل يحتاج مصافيَ متخصّصة. لذلك فإنّ الصفقة، على المدى القصير، لا تعوّض اضطراب هرمز الذي يبقى المحرّك الحادّ للأسعار، وينحصر أثرها الآني في القناة التوقّعية: تقليمٌ طفيفٌ لعلاوة المخاطرة التي أشرنا إليها، لا إحلالٌ فعليٌّ للإمدادات المفقودة.

غير أنّ دلالتها البنيوية أوسع من أثرها السعري الفوري. فهي تعيد تموضع جغرافيا النفط نحو نصف الكرة الغربي، في تحوّطٍ ضدّ خطر نقاط الاختناق ذاته الذي دارت حوله هذه القراءة، وتتيح إعادة ملء الاحتياطيات الاستراتيجية. وعلى مدى عقدٍ من الزمن، قد يقلّص ذلك تدريجياً النفوذ الاستراتيجي لمضيق هرمز على خريطة الطاقة العالمية.

وهنا تنغلق الدائرة على نحوٍ لافت بالنسبة إلى القطب الخليجي. فأيّ إمداداتٍ إضافية من خارج الخليج، إن تحقّقت فعلاً بمرور الوقت، تضغط على الأسعار وعلى الحصص السوقية، وتضيّق هامش أسعار التعادل المالي التي مرّ ذكرها، وتزيد تعقيد إدارة تكتّل «أوبك+». أي أنّ تطوّراً يخفّف العبء عن المستورِدين قد يرتدّ لاحقاً ضغطاً إضافياً على المصدِّرين، في امتدادٍ منطقيٍّ لثنائية القطبين نفسها. على أنّ هذا كلّه يبقى مشروطاً بتحفّظاتٍ جوهرية: فنصّ الاتفاق لم يُنشر بعد، ويكتنفه غموضٌ قانونيٌّ ودبلوماسيّ يجعله عرضةً للطعن، إلى جانب مخاطر التنفيذ التي قد تُبقيه إعلاناً أكثر منه واقعاً منظوراً.

الدرس البنيوي: المناعة لا الثروة

وسواء أعادت صفقةٌ كهذه رسم معادلة العرض على المدى البعيد أم بقيت حبراً على ورق، يبقى الدرس البنيوي الذي يتبلور من التقاء القطبين — وتجسّده حالة لبنان بأوضح صورة — قائماً بذاته. فالتباين الذي رأيناه — بين خليجٍ يمتصّ الصدمة بصناديقه، ولبنانَ يتلقّاها عارياً — يكشف أنّ المناعة الاقتصادية ليست دالّةً للثروة بمقدار ما هي دالّةٌ لعمق الوسائد وحُسن تنويع مصادر الدخل ومسارات التجارة. ومن هذا المنطلق، ثمّة كلفةٌ أعمق قد لا تظهر في أرقام سنةٍ واحدة: فمن المرجّح أن يرتفع الإنفاق الدفاعي في المنطقة بما «يزاحم» موارد كانت مخصّصةً للاستثمار المنتج وبرامج التنويع، وهي مزاحمةٌ تُضعف النمو المحتمل على المدى الطويل. كما أنّ الترابط الإقليمي الذي يُنظر إليه عادةً كمصدر قوّة أثبت أنه ذو حدّين، إذ ينقل الصدمات كما ينقل المكاسب، على نحو ما رأينا في انتقال التباطؤ الخليجي إلى لبنان.

ويبقى المسار الاقتصادي، في نهاية المطاف، رهيناً بمسار السياسة. فإذا ترسّخت التهدئة وصمد إطار حزيران، فمن المتوقّع أن يبدأ التعافي تدريجياً من النصف الثاني من 2026 ويمتدّ إلى 2027، مع تراجعٍ تدريجي لعلاوة المخاطرة المدمجة في الأسعار. أمّا إذا استمرّ نمط الاحتكاك المتقطّع، فستظلّ هذه العلاوة مرتفعةً وسيبقى النمو الإقليمي والعالمي تحت ضغطٍ ممتد.

وأيّاً كان السيناريو الذي سيترجّح، تعيد الأزمة التذكير بأنّ الاقتصادات الأكثر صموداً ليست الأغنى، بل الأقدر على امتصاص الصدمات عبر عمق وسائدها، وتنويعها الحقيقي في مصادر الدخل ومسارات التجارة ودرجات التعرّض للمخاطر، وبناء تكاملٍ إقليميّ يتقاسم الاستقرار لا الصدمات. وهذا هو التحدّي الاستراتيجي الأعمق الذي يضعه الصراع الأميركي–الإيراني أمام صنّاع القرار في العالم العربي: أن ينتقلوا من إدارة الوفرة إلى هندسة المناعة .


تنويه: يندرج هذا المقال ضمن مساحة الرأي والتحليل في «أضواء اليقظة العربية»، ويعكس رؤية كاتبه واجتهاده المهني في قراءة التطورات الاقتصادية .


إقرأ أيضاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى