تحقيقات و مقالات

علي الطاهر.. حين يصنع نتنياهو أسطورةً ليهزمها !

من بنت جبيل والليطاني إلى الشقيف وعلي الطاهر.. كيف تتحول المواقع العسكرية إلى انتصارات سياسية، وأين تتوقف إسرائيل في جنوب لبنان ؟

الصحفي حسين حرقوص

بقلم الصحفي حسين حرقوص

في الحروب، لا تُقاس الانتصارات دائماً بحجم الأرض التي تتغير السيطرة عليها، ولا بعدد المواقع التي تسقط. أحياناً يكفي أن تكبّر هدفاً في عيون الناس، أن تمنحه من الأهمية أكثر مما يحتمل، وأن تحوّله مع الوقت إلى عقدة عسكرية كبرى، حتى يصبح الوصول إليه لاحقاً «نصراً» ينتظره الجمهور.

هذا ما يدفع إلى التوقف أمام ما يجري اليوم في مرتفعات علي الطاهر ؟

لا خلاف على أن لعلي الطاهر أهمية عسكرية. فالمرتفعات تشرف على مساحة واسعة من الجنوب، وتشكل نقطة ارتكاز مهمة لحزب الله، فيما تمنح طبيعتها وموقعها أفضلية واضحة في الرصد والحركة والدفاع. وبالتالي، نحن لسنا أمام تلة عادية جرى اختراع أهميتها من العدم.

لكن أهمية الموقع شيء، والحجم الذي بات يُرسم له شيء آخر !

خلال الفترة الماضية، كبر اسم علي الطاهر بسرعة. تحولت المرتفعات من نقطة عسكرية مهمة إلى «عقدة» تكاد تختصر جزءاً كبيراً من المشهد: أنفاق وتحصينات، محاولات متكررة للتقدم، وحديث متصاعد عن صعوبة الوصول إليها وما يمكن أن يعنيه سقوطها.

وقد تكون تحصيناتها بالفعل قوية، وقد تكون كلفتها العسكرية مرتفعة، لكن ذلك لا يلغي السؤال الأساسي : هل نحن أمام حجم عسكري يفرض كل هذه الهالة، أم أن الهدف يكبر في الرواية أيضاً، حتى يصبح إسقاطه لاحقاً نصراً أكبر ؟

حين يصبح الموقع أكبر من الجغرافيا

هذه ليست فرضية معلقة في الهواء. خلال الحرب الحالية، سبقت علي الطاهر مواقع أخرى امتلكت قيمة عسكرية فعلية، لكن إسرائيل لم تكتفِ بالسيطرة عليها، بل أعطت السيطرة معنى يتجاوز الموقع نفسه. مرة باستعادة رمز قديم، ومرة بعنوان جغرافي كبير، ومرة بصورة علم فوق موقع يعرف الإسرائيليون تاريخه.

وبنت جبيل كانت واحدة من أوضح هذه الحالات.

بنت جبيل.. استهداف الذاكرة قبل الموقع

في بنت جبيل، لم يكن دخول الجيش الإسرائيلي إلى ملعب البلدة مجرد سيطرة على موقع. فمن هذا المكان أطلق السيد حسن نصرالله بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 عبارته الشهيرة بأن إسرائيل «أوهن من بيت العنكبوت».

صورة من داخل ملعب بنت جبيل
صورة من داخل ملعب بنت جبيل

بعد 26 عاماً، عاد الجيش الإسرائيلي إلى الملعب ودمّره، مستحضراً الخطاب نفسه في حديثه عن العملية. وهنا كانت الرمزية واضحة: الموقع له قيمته، لكن استهداف مكان ارتبط في الذاكرة الإسرائيلية بواحدة من أشهر عبارات السيد نصرالله منح السيطرة عليه معنى يتجاوز مساحته العسكرية.

كان الهدف هذه المرة جزءاً من الذاكرة بقدر ما كان جزءاً من الجغرافيا .

الليطاني.. العنوان أكبر من العبور

وفي الليطاني مثلاً، تكررت الصورة بشكل مختلف. قبل أن تصل القوات الإسرائيلية إلى النهر، كان اسمه قد أصبح واحداً من أبرز عناوين الحرب في الإعلام الإسرائيلي. جرى تقديم الوصول إليه كمرحلة مفصلية، خصوصاً أن الليطاني ارتبط منذ سنوات بالمطلب الإسرائيلي بإبعاد حزب الله إلى شماله.

صورة للجيش الإسرائيلي في نهر الليطاني
صورة للجيش الإسرائيلي في نهر الليطاني

وعندما أعلن نتنياهو أن قواته عبرت النهر، كان العنوان قد أخذ ثقله مسبقاً. صحيح أن العبور حصل في نقاط محددة ولم يعنِ السيطرة على كامل خط الليطاني، لكن الرسالة إلى الداخل الإسرائيلي كانت أبسط: وصلنا إلى الليطاني وتجاوزناه.

وهكذا أصبح الوصول إلى النهر إنجازاً سياسياً وإعلامياً إلى جانب قيمته العسكرية.

قلعة الشقيف.. انتصار بلا معركة !

أما في قلعة الشقيف، فبدت صناعة المشهد أكثر وضوحاً. حزب الله قال إنه لم يكن لديه وجود عسكري داخل القلعة عند دخول القوات الإسرائيلية إليها، وإن كانت المعارك مستمرة في محيطها. لكن إسرائيل قدّمت السيطرة على القلعة نفسها كحدث يتجاوز بكثير مجرد دخول موقع جديد.

الجيش الإسرائيلي يعلن السيطرة على قلعة الشقيف
صورة لقلعة الشقيف ـ الجيش الإسرائيلي يعلن السيطرة عليها

ارتفع العلم الإسرائيلي وعلم لواء غولاني فوق القلعة، وخرج نتنياهو ليصف ما جرى بأنه «تحول حاسم»، فيما أعاد وزير دفاعه ربط المشهد مباشرة بالانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000: بعد 26 عاماً، عاد الجيش إلى الشقيف.

للقلعة أهميتها العسكرية وموقعها المرتفع، لكن الصورة هنا سبقت التفاصيل. لم يكن المشهد الذي جرى تسويقه معركةً داخل القلعة بقدر ما كان مشهد عودة: العلم الإسرائيلي فوق موقع بقي اسمه مرتبطاً بسنوات الاحتلال ثم الانسحاب.

وهكذا تحولت الشقيف سريعاً إلى صورة انتصار أكبر من المعركة التي جرت داخلها

علي الطاهر.. الأسطورة التي ما زالت تُبنى

وهنا نصل إلى علي الطاهر، حيث تبدو الصورة مختلفة قليلاً

فالمرتفعات لا تحمل رمزية بنت جبيل التاريخية، ولا اسم الليطاني، ولا ذاكرة الشقيف، لكنها تكتسب شيئاً من ذلك منذ أشهر. فمنذ أن بدأت المحاولات الإسرائيلية للتقدم نحوها، لم يخرج اسم علي الطاهر من المشهد: قصف متواصل، محاولات اقتحام، خسائر، حديث عن أنفاق وتحصينات، ثم روايات إسرائيلية متصاعدة عن حجم الموقع وما يختبئ تحته.

إسرائيل تؤكد تمسكها بمرتفعات علي الطاهر
إسرائيل تؤكد تمسكها بمرتفعات علي الطاهر

ومع مرور الوقت، لم تنتهِ الحكاية، بل كبرت؟

من موقع عسكري مهم يشرف على النبطية ومحيطها، تحولت علي الطاهر تدريجياً إلى واحدة من أبرز عقد المعركة في الجنوب. وحتى اليوم، وبعد أشهر من بدء المحاولات للوصول إليها، ما زالت إسرائيل تقصف المنطقة وتحاول التقدم، فيما يستمر الحديث الإسرائيلي عن أهميتها وما يمكن أن تعنيه السيطرة عليها.

وهنا لا نتحدث عن أهمية مصطنعة بالكامل. علي الطاهر مهمة عسكرياً، والمعركة حولها حقيقية. لكن ما بُني حولها خلال هذه الأشهر جعل اسمها أكبر بكثير مما كان عليه في بداية المواجهة.

وكلما طال الأمر، كبرت الصورة أكثر!

كل محاولة جديدة، وكل خسارة، وكل حديث عن صعوبة الوصول إليها، يرفع تلقائياً قيمة اليوم الذي تستطيع فيه إسرائيل ـ إذا استطاعت ـ أن تعلن سقوطها.

عندها لن يحتاج نتنياهو إلى أن يشرح للإسرائيليين ما هي علي الطاهر ولماذا يجب أن يهتموا بها.

فالقصة تُكتب أمامهم منذ أشهر، وما زالت تُكتب

نتنياهو.. عين على الميدان وأخرى على الانتخابات

وهنا تدخل السياسة على الخط.

في 27 تشرين الأول، تتجه إسرائيل إلى الانتخابات، ونتنياهو يعرف أن ما سيحمله معه إلى الناخب لن يكون فقط خريطة العمليات، بل صوراً وأسماء يمكن تحويلها إلى حصيلة سياسية للحرب.

صورة نتنياهو تعبيرية

وعلي الطاهر تصلح لذلك تماماً

موقع يتابعه الإسرائيليون منذ أشهر، قُدّم باعتباره عقدة عسكرية محصنة، وتكررت محاولات الوصول إليه من دون حسم. وإذا نجحت إسرائيل في السيطرة عليه، فسيكون أمام نتنياهو انتصار سهل التقديم: الموقع الذي استعصى طويلاً سقط أخيراً.

هذا لا يعني أن المعركة افتُعلت من أجل الانتخابات، ولا أن أهمية علي الطاهر العسكرية وهمية. لكن توقيت الحرب يجعل من الصعب فصل الإنجاز العسكري عن قيمته السياسية، خصوصاً بالنسبة إلى نتنياهو الذي يدخل انتخابات يحتاج فيها إلى إقناع الإسرائيليين بأن حربه غيّرت الواقع لمصلحتهم.

ولهذا، كلما كبرت علي الطاهر قبل سقوطها، كبرت الصورة التي يمكن لنتنياهو الوقوف أمامها إذا سقطت

فيما الأنظار على علي الطاهر.. الجنوب يتغير

لكن هناك مشهداً آخر لا يحظى بالضجيج نفسه

بينما تتركز الأنظار على ما إذا كانت إسرائيل ستنجح في دخول علي الطاهر، تستمر في مناطق أخرى من الجنوب عمليات الهدم والتجريف والتفجير وإحراق مساحات من الأراضي. بلدات ومناطق تتعرض لتدمير واسع، طرق تتغير، ومنازل وبنى تحتية تختفي تباعاً.

وهنا تبدو المفارقة: المعركة التي تحظى بالضجيج الأكبر تدور حول مرتفع واحد، فيما ما يجري بعيداً عنه قد يترك أثراً أبقى على شكل الجنوب نفسه.

فقد تسقط علي الطاهر أو تبقى، لكن المنازل التي هُدمت لن تعود بانتهاء المعركة، والأراضي التي جُرفت والطرق التي تغيرت لا علاقة لمصيرها بمن يرفع علمه فوق المرتفعات.

لهذا، ربما تكون متابعة ما يحدث حول علي الطاهر لا تقل أهمية عن متابعة ما يحدث حولها !

علي الطاهر ليست النهاية.. من يرسم حدود إسرائيل في لبنان ؟

والمشهد لا يتوقف عند ما يجري حول المرتفعات. فالمشكلة تبدأ فعلياً من السؤال عمّا سيحدث إذا نجحت إسرائيل في السيطرة عليها.

بعد أشهر من المحاولات والقصف والحديث عن التحصينات والأنفاق، سيكون سقوط علي الطاهر إنجازاً عسكرياً تستطيع إسرائيل تقديمه بالصورة التي بنتها له طوال الفترة الماضية. لكن القوات التي ستصل إليها لن تكون قد وصلت إلى نهاية الجغرافيا.

أمامها ستكون هناك أرض أخرى، ومرتفعات أخرى، وبلدات أخرى

وعندها قد يتغير الاسم فقط

ما يُقال اليوم عن علي الطاهر يمكن أن يُقال غداً عن موقع أبعد: وجود لحزب الله يشكل تهديداً، تحصينات يجب تدميرها، أو مرتفع لا بد من السيطرة عليه لحماية القوات الموجودة أمامه.

وهكذا يتحرك الخط خطوة إضافية

فالخطر ليس في أن تسقط علي الطاهر وحدها، بل في أن تصبح كل نقطة تصل إليها إسرائيل مبرراً للوصول إلى النقطة التي تليها. وما يبدأ كحاجة للسيطرة على موقع قد يتحول إلى حاجة لحمايته، ثم إلى حاجة لإبعاد الخطر عنه.

عندها يصبح السؤال أكبر من مصير مرتفعات علي الطاهر نفسها:

إذا كانت «الضرورة الأمنية» تتحرك مع كل تقدم إسرائيلي، فمن يرسم في النهاية حدود إسرائيل داخل لبنان ؟

وإذا سقطت علي الطاهر غداً، فهل تنتهي عندها خريطة الأهداف… أم يبدأ البحث عن اسم جديد للنصر التالي ؟


وإذا سقطت علي الطاهر.. ماذا بعد؟

فإذا سقطت علي الطاهر، يكون نتنياهو قد حصل على المشهد الذي بناه طوال أشهر: هدف كبير، معركة طويلة، ثم انتصار جاهز للاستثمار.

لكن بالنسبة إلى لبنان، القصة لا تنتهي هنا ؟

لأن السؤال بعد كل ما جرى في بنت جبيل والليطاني والشقيف وكل القرى والبلدات الحدودية الجنوبية ، وما يجري اليوم في علي الطاهر، لم يعد متعلقاً باسم الموقع التالي بقدر ما أصبح متعلقاً بالمسار نفسه.

إسرائيل تتقدم، والجنوب يتغير، ولا أحد يعرف حتى الآن أين تقف النهاية !

لهذا، قد يكون سقوط علي الطاهر خبراً كبيراً في يومه… لكن الخبر الأخطر سيكون ما تفعله إسرائيل في اليوم الذي يليه


تنويه: ما ورد في هذا المقال هو قراءة تحليلية للكاتب، تستند إلى الوقائع والمعطيات المتاحة ومسار التطورات الميدانية والسياسية، ولا تمثل خبراً أو معلومات مؤكدة بشأن النيات أو الخطوات المستقبلية للأطراف المعنية .


إقرأ أيضاً :

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى