دوليات

تحركات ترمب تهز ثقة حلفاء واشنطن بالمظلة الأمنية الأميركية في آسيا

تحركات ترمب تهز ثقة حلفاء واشنطن بالمظلة الأمنية الأميركية في آسيا

تحركات ترمب تثير القلق في آسيا

لم تعد مساعي الرئيس الأميركي دونالد ترمب لاستئناف الحوار مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون تُقرأ في آسيا باعتبارها محاولة دبلوماسية تجاه بيونغ يانغ فحسب، بل باتت تفتح نقاشا أوسع حول مستقبل الالتزامات الأمنية الأميركية في المنطقة.

وتتساءل عواصم آسيوية عن مدى قدرتها على الاعتماد على المظلة الأمنية الأميركية، في وقت تبدو فيه القرارات العسكرية لواشنطن أكثر ارتباطا بحسابات البيت الأبيض السياسية والاستراتيجية.

وتعززت هذه المخاوف بعدما قرر ترمب، الأسبوع الماضي، تقليص تدريبات عسكرية مشتركة مع كوريا الجنوبية، واصفا هذه المناورات بأنها تحمل طابعا معاديا لبيونغ يانغ.

ويرى مسؤولون وخبراء في الأمن الإقليمي أن الخطوة زادت حالة عدم اليقين داخل تحالفات شكلت، لعقود، أحد أبرز ركائز التوازن الأمني في آسيا.

كوريا الشمالية ليست مصدر القلق الوحيد

وامتدت تداعيات القرار سريعا إلى ما وراء شبه الجزيرة الكورية.

ففي اليابان، تستعد الحكومة لمفاوضات حساسة مع واشنطن بشأن كلفة استضافة القوات الأميركية.

وفي الوقت نفسه، تراقب تايوان بحذر القمة المرتقبة بين ترمب والرئيس الصيني شي جين بينغ، بينما تتزايد في الهند التساؤلات حول موقعها في الحسابات الاستراتيجية الأميركية.

وقال جيريمي تشان، المحلل الكبير في مجموعة يوراسيا والدبلوماسي الأميركي السابق في اليابان والصين، إن القرار قد يزيد الشكوك في المنطقة بشأن التزامات الولايات المتحدة الأمنية.

وزاد القلق بعد إعلان سول، الاثنين، أن واشنطن ألغت تدريبات عسكرية أخرى مع كوريا الجنوبية كانت مقررة الشهر المقبل، مشيرة إلى محدودية القوات المتاحة بسبب الحرب مع إيران.

ترمب يضغط على الحلفاء

في المقابل، قال مسؤول في البيت الأبيض إن ترمب يشعر بالإحباط من إحجام حلفاء الولايات المتحدة عن تقديم الدعم لحربه على إيران.

وأوضح المسؤول أن الرئيس الأميركي يريد من عدد من الحلفاء زيادة إنفاقهم الدفاعي، مع التأكيد في الوقت نفسه على استمرار التزام واشنطن بالتعاون العسكري مع سول.

وبحسب مصدر مطلع على المناقشات الأميركية الكورية الجنوبية، يسعى ترمب إلى استئناف الحوار مع كوريا الشمالية وتحقيق إنجاز دبلوماسي دولي، بالتزامن مع ضغوط داخلية متزايدة بسبب الحرب على إيران.

اليابان تخشى تغير الأولويات الأميركية

وفي اليابان، لا ينظر المسؤولون إلى احتمال التقارب بين ترمب وكيم من زاوية الحوار فقط.

فقد حذر وزير الدفاع السابق والنائب البارز إتسونوري أونوديرا من أن هذه المساعي، التي لم تلق حتى الآن استجابة حماسية من بيونغ يانغ، قد تؤدي إلى نتائج عكسية وتشجع كوريا الشمالية على تصعيد تحركاتها العسكرية.

ووصف أونوديرا هذا الاحتمال بأنه مصدر قلق بالغ بالنسبة إلى طوكيو.

وفي اليوم نفسه، أطلقت كوريا الشمالية سلسلة من الصواريخ الباليستية قبالة ساحلها الشرقي، ما دفع كوريا الجنوبية واليابان إلى رفع مستوى التأهب.

لكن المخاوف اليابانية تتجاوز كوريا الشمالية. إذ تستعد طوكيو لمحادثات مع واشنطن بشأن مساهمتها في تكاليف استضافة القوات الأميركية، في ظل وجود أكبر انتشار عسكري أميركي خارج الولايات المتحدة على أراضيها.

ويتوقع مسؤول حكومي ياباني بارز أن يطالب ترمب بزيادة كبيرة في مساهمة اليابان، وهو ما قد يواجه صعوبات سياسية داخلية.

كذلك، يخشى محللون أن تتحول المناورات الأميركية اليابانية المعروفة باسم “السيف الحاد”، والمقررة في أكتوبر/تشرين الأول، إلى ورقة تفاوضية.

ورغم تقليل مسؤولين في البلدين من احتمالات تقليص التدريبات، فإنهم لا يستبعدون تغير موقف الإدارة الأميركية.

حرب إيران تعيد توزيع القوات الأميركية

وقد تكون التدريبات المقبلة أصغر من نسخة عام 2024 في جميع الأحوال، نتيجة نقل جزء من الموارد والقوات الأميركية إلى الحرب في إيران.

وفي هذا السياق، توجهت حاملة الطائرات الأميركية “جورج واشنطن”، وهي الحاملة الأميركية الوحيدة الموجودة في آسيا، إلى الشرق الأوسط لتخفيف الضغط عن حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن”.

وأثار هذا التحرك تساؤلات بشأن تأثير إعادة انتشار القوات الأميركية على مستوى الردع في مواجهة الصين.

ومع ذلك، أكد وكيل وزارة الدفاع الأميركية لشؤون السياسات إلبريدج كولبي، خلال زيارة للمنطقة هذا الشهر، أن العمل مع الحلفاء للحفاظ على الجاهزية القتالية على امتداد “سلسلة الجزر الأولى”، من اليابان إلى الفلبين، لا يزال أولوية لواشنطن.

تايوان تراقب العلاقة بين ترمب وبكين

وتبدو هذه التناقضات أكثر حساسية في تايوان، التي تواجه ضغوطا عسكرية متزايدة من الصين.

فقد أرجأ ترمب الموافقة على حزمة أسلحة لتايبيه بقيمة 14 مليار دولار، في محاولة للحفاظ على استقرار العلاقات مع بكين وتجنب التأثير على هدنة تجارية هشة بين الطرفين.

ومع استعداد ترمب لاستضافة الرئيس الصيني في واشنطن الشهر المقبل، يتوقع مسؤولون في تايبيه أن تُقسّم صفقات الأسلحة إلى حزم أصغر، بهدف الحد من احتمالات استفزاز الصين.

لكن دومينغو يانغ، من معهد أبحاث الدفاع والأمن الوطني التابع لوزارة الدفاع التايوانية، يرى أن هناك فجوة بين خطاب ترمب والممارسات الفعلية.

وأشار إلى استمرار التعاون الأميركي التايواني في مجالات تبادل المعلومات والتدريب والدوريات.

وفي السياق نفسه، عبرت طائرة تابعة للبحرية الأميركية مضيق تايوان، الجمعة، في خطوة قالت واشنطن إنها تؤكد التزامها بمنطقة حرة ومفتوحة في المحيطين الهندي والهادي.

الهند تعيد حساباتها مع واشنطن

أما الهند، فتتراكم لديها أسباب الحذر من توجهات الإدارة الأميركية.

فإلى جانب الرسوم الجمركية الأميركية وتصريحات ترمب المتكررة بشأن التوسط لوقف إطلاق النار بين الهند وباكستان، أثار قرار البنتاغون في يونيو/حزيران الماضي تغيير اسم قيادته العسكرية في آسيا من “قيادة المحيطين الهندي والهادي” إلى “قيادة المحيط الهادي” تساؤلات بشأن مكانة نيودلهي.

ورغم نفي وزارة الدفاع الأميركية وجود تحول استراتيجي وراء القرار، فإن مسؤولين هنود باتوا يتعاملون، بحسب مصدرين، بحذر شديد مع الالتزامات الدفاعية طويلة الأمد مع واشنطن.

وبذلك، لا تبدو تداعيات تحركات ترمب محصورة في علاقات واشنطن مع كوريا الشمالية، بل تمتد إلى الثقة الأوسع بالترتيبات الأمنية الأميركية في آسيا.

ومع استمرار الحرب في إيران، وتصاعد التنافس الأميركي الصيني، ومحاولات ترمب إعادة فتح قنوات الحوار مع بيونغ يانغ، تواجه حلفاء واشنطن في آسيا معادلة أكثر تعقيدا: كيف يحافظون على شراكاتهم الأمنية مع الولايات المتحدة، بينما تتغير أولوياتها من ملف إلى آخر؟

اقرأ أيضاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى