دوليات

ملف استخباراتي بريطاني يكشف كيف راقبت روسيا أبرز السياسيين البريطانيين لعقود

ملف استخباراتي مسرب يكشف مراقبة روسيا لسياسيين بريطانيين بارزين على مدى عقود

كشفت صحيفة “ذا تلغراف” البريطانية تفاصيل ملف استخباراتي مسرب يحمل اسم “بروجيكت فيش” (Project Fish)، أعدّه الضابط السابق في جهاز الاستخبارات الخارجية البريطانية (MI6) كريستوفر ستيل عام 2022، ويتضمن معلومات عن متابعة أجهزة الاستخبارات الروسية لعدد من أبرز السياسيين البريطانيين على مدى نحو أربعة عقود.

ملف استخباراتي مسرب

وبحسب الصحيفة، فإن الملف يستند إلى مصادر استخباراتية متعددة، ويعرض الطريقة التي قيّمت بها موسكو شخصيات سياسية مؤثرة داخل المملكة المتحدة، في إطار سعيها إلى فهم مراكز النفوذ وإمكانية التأثير فيها.

ماذا يتضمن ملف “بروجيكت فيش”؟

يزعم الملف أن أجهزة الاستخبارات الروسية أجرت تقييمات موسعة لعدد من السياسيين البريطانيين بهدف تحديد مدى إمكانية استمالتهم أو التأثير عليهم سياسياً.

ومع ذلك، تؤكد “ذا تلغراف” أن الوثيقة لا تتهم أي شخصية ورد اسمها بالعمل لصالح روسيا أو نقل معلومات إليها، بل تركز على كيفية نظر موسكو إلى تلك الشخصيات وأهميتها المحتملة بالنسبة لمصالحها.

في المقابل، أبدى عدد من المطلعين على الملف شكوكاً بشأن موثوقية بعض المصادر التي استند إليها، ما أثار تساؤلات حول دقة بعض المعلومات الواردة فيه.

بيتر ماندلسون في صدارة الملف

يحتل السياسي البريطاني المخضرم بيتر ماندلسون مساحة واسعة في الوثيقة المسربة. ويزعم الملف أن أجهزة الاستخبارات الروسية اعتبرته “جهة اتصال مميزة” وأحد أبرز مصادر فهم المشهد السياسي البريطاني خلال العقود الماضية.

لكن الوثيقة لا تقدم أي دليل على قيام ماندلسون بالتجسس لصالح موسكو أو تزويدها بمعلومات سرية.

من جهتها، رفضت مصادر مقربة من ماندلسون هذه المزاعم بشكل قاطع، مؤكدة أنه لم يرتكب أي مخالفة وأن مواقفه السياسية العلنية عارضت سياسات الكرملين في مناسبات عدة.

كما يشير الملف إلى أن الاستخبارات الروسية احتفظت بمعلومات حول علاقة ماندلسون برجل الأعمال الأمريكي الراحل جيفري إبستين، واعتبرت تلك العلاقة عاملاً قد يمنحها فرصة للضغط عليه مستقبلاً.

بوريس جونسون تحت المراقبة منذ الجامعة

وفقاً للوثيقة، بدأت الاستخبارات السوفياتية متابعة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون منذ سنوات دراسته في جامعة أكسفورد.

وترى الوثيقة أن موسكو صنفته كشخصية مرشحة للعب دور سياسي مهم مستقبلاً، ولذلك تابعت مسيرته السياسية على مدى سنوات طويلة.

كما تصفه الوثيقة بأنه يتمتع بالذكاء والكاريزما، لكنه “محبوب وغير جدير بالثقة” في الوقت نفسه، وتشير إلى أن شخصيته المتقلبة جعلته خياراً غير مناسب لبناء علاقة استخباراتية مستقرة طويلة الأمد.

وعلّق جونسون على هذه المزاعم بسخرية، معتبراً أن تخصيص جهاز الاستخبارات السوفياتي ملفات لطلاب أكسفورد في ثمانينيات القرن الماضي أمر يصعب تصديقه.

دومينيك كامينغز واهتمام روسي حذر

يتناول الملف أيضاً دومينيك كامينغز، المستشار السابق لبوريس جونسون، والذي أمضى عدة سنوات في روسيا خلال تسعينيات القرن الماضي.

وبحسب الوثيقة، تابعت الاستخبارات الروسية نشاطه، لكنها تعاملت معه بحذر بسبب شكوك حول احتمال ارتباطه بأجهزة الاستخبارات البريطانية.

في المقابل، نفى كامينغز سابقاً أي علاقة له بالأجهزة الأمنية، مؤكداً أن لقاءاته مع بعض الشخصيات الأمنية خلال وجوده في موسكو كانت أمراً اعتيادياً في تلك الفترة.

نايجل فاراج وانقسام داخل المؤسسات الروسية

يكشف الملف عن وجود انقسام داخل المؤسسات الأمنية الروسية بشأن زعيم حزب “إصلاح المملكة المتحدة” نايجل فاراج.

فبينما رأى بعض المسؤولين الروس أنه قد يخدم المصالح الروسية مستقبلاً، اعتبر آخرون أن الاستثمار السياسي فيه ينطوي على مخاطر كبيرة ولا يستحق تخصيص موارد إضافية له.

حيث تشير الوثيقة إلى أن مستوى الاهتمام الروسي بفاراج تراجع لاحقاً قبل استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست).

جيريمي كوربن ومواقف متقاطعة مع موسكو

كما يتطرق الملف إلى جيريمي كوربن، الزعيم السابق لحزب العمال البريطاني.

وتفيد الوثيقة بأن بعض مواقفه السياسية، خصوصاً في ملفات حلف الناتو وسوريا وقضية تسميم العميل الروسي السابق سيرغي سكريبال، توافقت مع روايات تبنتها موسكو في تلك الملفات.

لكن الوثيقة نفسها تؤكد عدم وجود أي دليل على اتصالات مباشرة بين كوربن وأجهزة الاستخبارات الروسية، كما لا تشير إلى أنه عمل لصالحها بأي شكل من الأشكال.

جدل متجدد حول كريستوفر ستيل

أعاد تسريب “بروجيكت فيش” الجدل حول كريستوفر ستيل، الذي اكتسب شهرة عالمية بعد إعداده الملف الشهير المتعلق بالعلاقات المزعومة بين دونالد ترامب وروسيا خلال انتخابات عام 2016.

وكان ذلك الملف قد تعرض لانتقادات واسعة بعدما عجزت تحقيقات لاحقة عن التحقق من عدد من أبرز ادعاءاته، الأمر الذي دفع مراقبين إلى التعامل بحذر مع أي وثائق استخباراتية يصدرها ستيل.

لماذا يثير الملف اهتماماً واسعاً؟

تكمن أهمية ملف “بروجيكت فيش” في أنه يسلط الضوء على أساليب العمل التي يُعتقد أن أجهزة الاستخبارات الروسية استخدمتها لرصد النخب السياسية البريطانية وتحليل نقاط القوة والضعف لديها.

ورغم أن الوثيقة لا تقدم أدلة قانونية على اختراق روسي للنظام السياسي البريطاني، فإنها تعيد فتح النقاش حول النفوذ الأجنبي داخل بريطانيا، وقدرة المؤسسات الأمنية على مواجهة محاولات التأثير الخارجي في ظل تصاعد التنافس الاستخباراتي بين موسكو والغرب.

اقرأ أيضاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى