رياضة

لماذا تنهار المنتخبات في الدقائق الأخيرة؟ دراسة تفسر كوابيس مونديال 2026

لماذا تنهار المنتخبات في الدقائق الأخيرة؟ علم النفس الرياضي يفسر كوابيس كأس العالم 2026

كانت السنغال على بعد دقائق قليلة من كتابة فصل جديد في تاريخها الكروي.
تقدم “أسود التيرانغا” بهدفين أمام بلجيكا، وبدا التأهل إلى دور الـ16 أقرب من أي وقت مضى. لكن المباراة انقلبت بشكل دراماتيكي في الدقائق الأخيرة.

حيث سجل روميلو لوكاكو هدف تقليص الفارق في الدقيقة 86، ثم أدرك يوري تيليمانس التعادل بعد ثلاث دقائق فقط، قبل أن تحسم بلجيكا المواجهتها بركلة جزاء في الوقت الإضافي.
وهكذا تحولت فرحة السنغال المنتظرة إلى خيبة قاسية.

وفي اليوم نفسه، عاشت الكونغو الديمقراطية سيناريو مشابهاً فقد تقدمت مبكرا على إنجلترا، وصمدت لفترة طويلة أمام أحد أبرز المرشحين للقب.


ومع ذلك، نجح هاري كين في تسجيل هدف التعادل بالدقيقة 75، قبل أن يضيف هدف الفوز قبل النهاية بأربع دقائق.

ورغم اختلاف تفاصيل المباراتين، فإن القاسم المشترك بينهما كان واحدا: الاقتراب من الإنجاز ثم فقدانه في اللحظات الحاسمة.

لماذا تكثر الأهداف في الدقائق الأخيرة؟

لا يردد عشاق كرة القدم عبارة “المباراة لا تنتهي قبل صافرة الحكم” من فراغ.

فقد دعمت دراسة أمريكية نشرت عام 2025 هذه الفكرة بعد تحليل أكثر من 3400 مباراة في 21 بطولة ودوري مختلف.

كما أظهرت النتائج أن معدل تسجيل الأهداف يرتفع تدريجيا مع تقدم المباراة، بينما تنخفض الأهداف في بدايات الأشواط مقارنة بما هو متوقع إحصائيا.

بمعنى آخر، لا تبقى المباراة كما هي طوال 90 دقيقة. فالدقائق الأخيرة تخلق بيئة مختلفة تتداخل فيها عوامل الإرهاق البدني، والمخاطرة التكتيكية، والحالة الذهنية للاعبين.

علاوة على ذلك، اكتشف الباحثون أن الأهداف تميل إلى التكتل زمنيا. فعندما يسجل فريق هدفا، ترتفع احتمالات تسجيل هدف آخر بعده بفترة قصيرة.

كيف يغير هدف واحد مسار المباراة؟

يصف علماء الرياضة هذه الحالة بـ”الديناميكيات الاندفاعية”. فعندما يسجل فريق متأخر هدفا في وقت متأخر، تتغير الحالة النفسية للطرفين بشكل سريع.

في المقابل، يزداد الفريق العائد جرأة وثقة. أما الفريق المتقدم، فيبدأ بالتركيز على حماية النتيجة أكثر من البحث عن هدف جديد.

وهذا ما حدث مع السنغال أمام بلجيكا. فقبل الدقيقة 86 كانت السنغال تدير مباراة ناجحة. لكن بعد هدف لوكاكو الأول، أصبحت تحاول منع الانهيار. وبين الحالتين فارق نفسي كبير ينعكس مباشرة على القرارات داخل الملعب.

الزخم النفسي.. السلاح الخفي في كرة القدم

تشير أبحاث علم النفس الرياضي إلى مفهوم مهم يعرف باسم “الزخم النفسي”.

ويعبر هذا المفهوم عن التغير في إدراك اللاعبين لمسار المباراة بعد حدث مؤثر مثل تسجيل هدف حاسم.

في دراسة نشرت بدورية “Science and Medicine in Football”، طلب الباحثون من 86 لاعبا تخيل مباراة نهائية مهمة. ثم قاسوا شعورهم بالثقة والسيطرة والحماس بعد تسجيل هدف التعادل أو استقباله.

أظهرت النتائج أن اللاعبين شعروا بزخم نفسي أكبر عندما سجل فريقهم هدف التعادل. كما تضاعف هذا التأثير عندما جاء الهدف في الدقائق الأخيرة.

في المقابل، انخفضت مستويات الثقة والسيطرة بشكل ملحوظ لدى اللاعبين الذين تخيلوا استقبال هدف تعادل متأخر.

لذلك يبدو الفريق الذي يسجل متأخرا أكثر نشاطا وحيوية، بينما يظهر الفريق الذي استقبل الهدف وكأنه فقد جزءا من قدراته، رغم أن حالته البدنية لم تتغير بالضرورة.

عقلية الاقتراب أم عقلية التجنب؟

يفرق علماء النفس الرياضي بين نوعين من التفكير أثناء المنافسة.

أولا، عقلية الاقتراب، حيث يركز اللاعب على صناعة الفرص وتحقيق الفوز.

ثانيا، عقلية التجنب، حيث يسيطر الخوف من الخطأ أو خسارة الإنجاز على قراراته.

عندما يدخل اللاعب في عقلية التجنب، يبدأ بطرح أسئلة سلبية على نفسه مثل: ماذا لو أخطأت؟ ماذا لو كنت سبب خروج فريقي من البطولة؟

وعند هذه النقطة، تتراجع الجرأة ويزداد التردد، وهو ما يؤثر على جودة القرارات داخل الملعب.

الاختناق تحت الضغط.. العدو الأكبر للاعبين

يرى الباحثون أن الضغط النفسي الشديد قد يدفع اللاعب إلى ما يعرف بـ”الاختناق تحت الضغط”.

في الظروف الطبيعية، يؤدي اللاعب المحترف مهاراته بشكل تلقائي نتيجة سنوات من التدريب. لكن عندما يرتفع التوتر بشكل كبير، يبدأ بمراقبة كل حركة يقوم بها بصورة واعية.

وتوضح الدراسات وجود آليتين رئيسيتين وراء هذه الظاهرة:
التشتت الذهني الذي يستهلك الانتباه والذاكرة العاملة.

التركيز المفرط على تفاصيل الأداء بدلا من تنفيذها بشكل تلقائي.

ونتيجة لذلك، تتحول تمريرات سهلة إلى أخطاء غير متوقعة، وتزداد احتمالات ارتكاب الهفوات الدفاعية في أكثر الأوقات حساسية.

هل تؤثر الهزائم السابقة على نتائج اليوم؟

لا يدخل أي فريق مباراة حاسمة بذاكرة فارغة. فالتجارب السابقة تترك آثارا نفسية قد تظهر في اللحظات الصعبة.

حيث تشير دراسة نشرت عام 2000 إلى أن تكرار الفشل في ظروف معينة قد يخلق شعورا بعدم القدرة على التحكم في النتيجة.
ومع مرور الوقت، قد يتحول هذا الشعور إلى عائق نفسي يؤثر على الأداء.

لهذا السبب تبدو بعض الفرق عاجزة عن كسر عقدة منافس معين، رغم امتلاكها إمكانات فنية متقاربة.

كيف تتجنب الفرق الانهيار في الدقائق الأخيرة؟

تعمل العديد من المنتخبات والأندية الكبرى على محاكاة سيناريوهات الضغط خلال التدريبات.

فعلى سبيل المثال، تتدرب الفرق على استقبال هدف متأخر دون فقدان التركيز، كما تضع إجراءات واضحة لما يجب فعله بعد كل هدف.

إضافة إلى ذلك، تساعد التدريبات التي تحاكي أجواء المباريات الحاسمة على تقليل التوتر وتحسين اتخاذ القرار تحت الضغط.

ويؤكد الباحثون أن هذه الأساليب ترفع قدرة اللاعبين على الحفاظ على هدوئهم عندما تصبح المباراة على المحك.

لا يوجد سبب واحد يفسر انهيار الفرق في الدقائق الأخيرة، فقد تلعب اللياقة البدنية دورا مهما، كما قد تؤثر قرارات المدربين أو جودة البدلاء أو حتى الحظ.

ومع ذلك، يظل العامل النفسي أحد أكثر العناصر تأثيرا في هذه اللحظات الحاسمة.

فالزخم النفسي، والخوف من الخسارة، والاختناق تحت الضغط، كلها عوامل قد تحول مباراة ناجحة إلى كابوس خلال دقائق معدودة.

ولهذا السبب لا تنظر الفرق الكبرى إلى الهزائم المؤلمة باعتبارها قدرا محتوما، بل تعتبرها فرصة للتعلم والتطور، حتى لا تتكرر الأخطاء نفسها عندما تعود اللحظات الحاسمة من جديد.

اقرأ أيضاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى