دوليات

بين التهديد والتسريبات… مفاوضات واشنطن وطهران تدخل مرحلة الغموض والتعقيد ..

هدنة هشة ومفاوضات بلا ضمانات

بعد نحو خمسين يومًا على وقف إطلاق النار الهش بين الولايات المتحدة وإيران، لا تزال المفاوضات غير المباشرة بين الطرفين تدور في دائرة من التصريحات المتناقضة والتسريبات المتبادلة، وسط غياب أي إعلان رسمي واضح حول شكل الاتفاق المحتمل أو فرص نجاحه.

وفي الوقت الذي تتحدث فيه طهران عن “تفاهم أولي” يتضمن بنودًا سياسية وأمنية واقتصادية، تنفي واشنطن وجود أي اتفاق نهائي، مؤكدة أن ما يتم تداوله في الإعلام الإيراني “غير صحيح ومفبرك بالكامل”.

ويأتي ذلك في ظل استمرار التوتر العسكري في المنطقة، مع تبادل التهديدات والضربات المحدودة، ما يعكس هشاشة المسار التفاوضي وتعقيد الملفات المطروحة على الطاولة.

ترمب: إما الاتفاق أو “إنهاء المهمة”

وخلال اجتماع حكومي في البيت الأبيض، أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب استياءه من مسار المفاوضات، مؤكداً أن إيران “ترغب بشدة في التوصل إلى اتفاق”، لكنها “لم تصل بعد إلى ما يكفي”.

وأضاف ترمب أن واشنطن أمام خيارين: إما التوصل إلى اتفاق، أو “إتمام المهمة”، في إشارة فسّرها مراقبون على أنها تهديد بإمكانية العودة إلى الخيار العسكري.

كما شدد الرئيس الأمريكي على أن بلاده لا تبحث حالياً في تخفيف العقوبات عن إيران، مؤكداً أن الأموال الإيرانية المجمدة لن تُفرج عنها “قبل تحسين سلوك طهران”.

وفي الملف النووي، عبّر ترمب عن رفضه القاطع لفكرة نقل اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب إلى دول مثل روسيا أو الصين، معتبراً أن امتلاك إيران لسلاح نووي “أمر لا يمكن السماح به”.

طهران تتحدث عن “تفاهم إسلام آباد”

في المقابل، عرض التلفزيون الرسمي الإيراني ما وصفه بـ”الإطار الأولي لتفاهم إسلام آباد”، في إشارة إلى وساطة باكستانية جارية بين الطرفين.

وبحسب ما جرى تداوله، تتضمن الوثيقة المؤلفة من 14 بنداً رفع الحصار البحري الأمريكي المفروض على إيران منذ أبريل الماضي، ووقف مضايقة السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية.

في المقابل، تتعهد طهران بإعادة حركة الملاحة التجارية في مضيق هرمز إلى طبيعتها خلال شهر، مع بقاء إدارة الممرات البحرية والتفتيش بيد إيران بالتنسيق مع سلطنة عمان.

كما تتحدث الوثيقة عن ضمانات دولية محتملة، بينها طرح الاتفاق النهائي على مجلس الأمن الدولي خلال ستين يوماً في حال التوصل إلى تفاهم شامل.

لكن البيت الأبيض سارع إلى نفي صحة الوثيقة، مؤكداً أن ما نشر “مختلق بالكامل”، وأنه لا يمثل الموقف الأمريكي أو تفاصيل المفاوضات الجارية.

خلافات عميقة حول الأموال واليورانيوم

ورغم الحديث عن تفاهمات أولية، إلا أن الخلافات الأساسية لا تزال قائمة، خصوصاً في ما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني والأموال المجمدة والعقوبات الاقتصادية.

وتشير تسريبات متداولة إلى أن بعض الطروحات الإيرانية تتضمن الإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة مقابل خطوات نووية وأمنية، إلا أن مسؤولين أمريكيين نفوا وجود أي التزام فعلي بهذا الشأن حتى الآن.

كما يبقى مصير مخزون اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب من أبرز نقاط الخلاف، إذ تدفع واشنطن باتجاه التخلص منه أو نقله إلى الخارج، بينما ترفض طهران حتى الآن إدراج هذه القضية ضمن التنازلات الأساسية.

وتملك إيران حالياً نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 بالمئة، وهي نسبة تقترب تقنياً من مستويات الاستخدام العسكري.

الملف الصاروخي خارج التفاهم

إلى جانب الملف النووي، لا تزال الترسانة الصاروخية الإيرانية تمثل نقطة توتر رئيسية، خصوصاً بالنسبة لإسرائيل التي تعتبر الصواريخ الباليستية الإيرانية تهديداً مباشراً لأمنها.

وبحسب المعطيات المتداولة، فإن المسودات الحالية للمفاوضات لا تتطرق بشكل مباشر إلى برنامج الصواريخ، ما يثير قلقاً داخل الأوساط الإسرائيلية والأمريكية المحافظة.

كما لا يزال الخلاف قائماً حول مدة تجميد البرنامج النووي الإيراني، إذ تسعى واشنطن إلى اتفاق طويل الأمد يمتد لسنوات عديدة، بينما تفضل طهران التزامات زمنية أقصر.

قلق إسرائيلي وانتقادات داخل واشنطن

وفي الداخل الأمريكي، واجه ترمب انتقادات من شخصيات جمهورية اعتبرت أن أي تفاهم لا يتضمن ضمانات صارمة سيكون غير قابل للثقة.

أما في إسرائيل، فقد أثار الحديث عن اتفاق محتمل مخاوف من أن يكون أقل من سقف المطالب الإسرائيلية المتعلقة بتفكيك البرنامج النووي الإيراني والحد من قدرات طهران الصاروخية.

وجاء صمت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لساعات طويلة بعد التصريحات الأمريكية ليزيد من التكهنات حول حجم القلق داخل تل أبيب من طبيعة التفاهمات المطروحة.

الميدان يسبق السياسة

ورغم استمرار المفاوضات، لم تتوقف التطورات العسكرية، إذ أعلنت واشنطن خلال الأيام الماضية تنفيذ ضربات استهدفت مواقع لإطلاق الصواريخ داخل إيران وزوارق قالت إنها كانت تستعد لزرع ألغام بحرية.

في المقابل، اتهمت طهران الولايات المتحدة بانتهاك وقف إطلاق النار، فيما صدرت تهديدات جديدة من الحرس الثوري الإيراني ومسؤولين إيرانيين أكدوا أن المفاوضات “لن تكون على حساب السيادة الإيرانية”.

كما لوّح وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث بإمكانية تنفيذ عملية عسكرية إذا فشلت المفاوضات في منع إيران من امتلاك سلاح نووي، معتبراً أن الضغوط الاقتصادية والعسكرية دفعت طهران إلى الجلوس مجدداً إلى طاولة التفاوض.

مفاوضات على حافة الانفجار

ومع استمرار التناقض بين التصريحات الأمريكية والإيرانية، تبدو المفاوضات الحالية أقرب إلى مرحلة اختبار نوايا أكثر من كونها اتفاقاً نهائياً جاهزاً للتوقيع.

فبين تهديدات التصعيد العسكري، والخلافات حول اليورانيوم والعقوبات والبرنامج الصاروخي، تبقى فرص الوصول إلى تفاهم شامل مرتبطة بقدرة الطرفين على تجاوز ملفات شديدة الحساسية قد تعيد المنطقة في أي لحظة إلى مربع المواجهة المفتوحة.

إقرأ أيضاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى