تحقيقات و مقالات

هل قدر الجنوبيين أن يعيشوا مجدداً زمن الحزام الأمني… ما قبل عام 2000؟

التطورات الميدانية جنوب الليطاني تعيد إلى الواجهة سؤالاً قديماً: هل تتجه الحرب نحو فرض واقع أمني يشبه مرحلة الشريط الحدودي قبل انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000؟

بقلم الصحفي حسين حرقوص

الحرب تعيد أسئلة الماضي إلى جنوب لبنان

مع اتساع الحرب على الجبهة اللبنانية، يعود إلى الواجهة سؤال ثقيل على ذاكرة الجنوبيين: هل يمكن أن يعود الجنوب إلى مرحلة تشبه ما عاشه قبل عام 2000، حين كانت مساحات واسعة من جنوب لبنان خاضعة لسيطرة إسرائيل ضمن ما عُرف حينها بالشريط الحدودي؟

التطورات العسكرية الأخيرة دفعت هذا السؤال إلى الواجهة مجدداً. فالمشهد الميداني في الجنوب لم يعد يقتصر على تبادل القصف أو الاشتباكات الحدودية، بل بدأ يأخذ طابعاً مختلفاً قد يحمل دلالات أوسع على مسار الحرب وما قد تؤول إليه.


الجنوب بين ذاكرة الاحتلال وواقع الحرب

قبل عام 2000، عاش الجنوب اللبناني سنوات طويلة تحت واقع الاحتلال الإسرائيلي. في تلك المرحلة كانت قرى بأكملها تقع ضمن منطقة عسكرية عازلة بعمق يقارب خمسة عشر كيلومتراً داخل الأراضي اللبنانية.

كان ذلك الواقع يعني حواجز عسكرية، توغلات مستمرة، وعمليات مقاومة شبه يومية. ولم ينته هذا المشهد إلا مع الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب في مايو 2000، وهو الحدث الذي غيّر شكل الصراع في تلك المنطقة.

اليوم، وبعد أكثر من عقدين على ذلك الانسحاب، تعود الذاكرة الجنوبية إلى تلك المرحلة مع تصاعد الحديث في الأوساط العسكرية والسياسية عن احتمال فرض واقع أمني جديد في المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني.


خطوات ميدانية توحي بتغيير في قواعد الحرب

خلال الأيام الماضية برزت مؤشرات ميدانية لافتة في جنوب لبنان، دفعت كثيراً من المراقبين إلى التساؤل عمّا إذا كانت الحرب تتجه نحو مرحلة مختلفة عمّا عرفته الجبهة طوال السنوات الماضية.

فقد صدرت إنذارات إسرائيلية متكررة تدعو سكان القرى الواقعة جنوب نهر الليطاني إلى مغادرة منازلهم

الإنذار الذي وجهته إسرائيل

بالتزامن مع استهداف الجسور والطرق الرئيسية التي تربط تلك المنطقة ببقية الأراضي اللبنانية، إضافة إلى غارات جوية عنيفة ومتواصلة طالت مناطق واسعة من الجنوب. كما شهدت بعض القرى الحدودية محاولات تقدم بري، خصوصاً في محيط مارون الراس والعديسة، حيث تشير تقارير ميدانية إلى أن التوغل الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية تراوح في بعض المحاور بين كيلومترين وستة كيلومترات تقريباً، فيما تتحدث بعض التقديرات العسكرية عن هدف عملياتي قد يصل إلى نحو سبعة كيلومترات داخل جنوب لبنان.

هذه التطورات لا تُقرأ فقط في إطار المواجهات العسكرية اليومية، بل يربطها بعض المحللين العسكريين بخطة أوسع قد تهدف إلى عزل المنطقة الواقعة جنوب الليطاني ميدانياً وفرض واقع أمني جديد فيها. كما تتحدث بعض النقاشات العسكرية في إسرائيل عن احتمال إنشاء حزام أمني بعمق يتراوح بين خمسة عشر وعشرين كيلومتراً داخل الأراضي اللبنانية إذا اتسعت العملية العسكرية.

وفي حال تحقق مثل هذا السيناريو، فإن الجنوب قد يجد نفسه أمام مرحلة تذكّر بما عاشه قبل عام 2000، حين كان جزء كبير من أراضيه خاضعاً لسيطرة إسرائيل ضمن ما عُرف بالشريط الحدودي، والذي امتد في بعض مراحله إلى عمق داخل الأراضي اللبنانية.


المعادلة الميدانية في الجنوب اليوم

في المقابل، لا يمكن قراءة الحديث عن ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب بمعزل عن واقع المعركة على الأرض اليوم. فالمواجهات الجارية تشير إلى أن حزب الله ما زال يحتفظ بقدرة عسكرية تمكّنه من التصدي لمحاولات التقدم الإسرائيلي في القرى الحدودية، كما أن طبيعة المنطقة الجغرافية وخبرة القتال التي اكتسبها الحزب خلال السنوات الماضية تجعل أي محاولة لفرض واقع عسكري جديد في الجنوب عملية معقدة ومكلفة.

ولهذا يرى بعض المراقبين أن تنفيذ سيناريو إنشاء حزام أمني في الجنوب ليس أمراً سهلاً في المرحلة الحالية.


تأثير الحرب الإقليمية على الجبهة اللبنانية

فالحرب الدائرة في المنطقة بين إسرائيل وإيران بمشاركة الولايات المتحدة تعني أن جزءاً كبيراً من القدرات العسكرية الإسرائيلية موزع اليوم على أكثر من جبهة، ما يجعل تركيز كامل القوة على الجبهة اللبنانية أمراً صعباً في هذه المرحلة.

وفي المقابل، يرتبط مستقبل هذه السيناريوهات أيضاً بمسار الحرب الإقليمية الأوسع. فقد صدرت تصريحات عن مسؤولين إيرانيين تشير إلى أن وقف الحرب لا يمكن أن يكون جزئياً أو منفصلاً بين جبهة وأخرى، بل يجب أن يشمل مجمل ساحات المواجهة في المنطقة.

في حال أصرت طهران على هذا الموقف، أي ربط وقف العمليات العسكرية ضدها بوقف الحرب في لبنان أيضاً، فإن ذلك قد يعرقل أي محاولة لفرض واقع جديد في الجنوب اللبناني، لأن الجبهتين ستبقيان مترابطتين ضمن معادلة واحدة.

أما إذا انتهت الحرب على إيران بشكل منفصل، وقبلت طهران بوقف المواجهة عنها دون ربط ذلك بالجبهة اللبنانية، فقد يتغير ميزان المعادلة بشكل كبير. ففي هذه الحالة قد تجد إسرائيل نفسها قادرة على تركيز كامل قدراتها العسكرية على لبنان، ما قد يجعل تنفيذ خططها في الجنوب أكثر سهولة مقارنة بالوضع الحالي الذي تتوزع فيه المواجهة على أكثر من ساحة.



فإذا عاد الحزام الأمني… سيقاوم الجنوب من جديد


التجربة التاريخية في جنوب لبنان تشير بوضوح إلى أن أي محاولة لفرض سيطرة عسكرية مباشرة أو إنشاء منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية لم تمر يوماً من دون مقاومة.

ففي المرحلة التي سبقت الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، كانت المواجهة مع الاحتلال حاضرة بشكل يومي في القرى الجنوبية، وتحوّلت تلك المنطقة إلى ساحة اشتباك مفتوح استمرت فيها عمليات المقاومة سنوات طويلة حتى تحقق الانسحاب.

اليوم، ومع الحديث عن احتمال عودة الحزام الأمني، يرى كثير من المراقبين أن أي واقع مشابه لن يمر من دون رد. فالمقاومة في الجنوب لن تكون محصورة بحزب الله وحده، بل قد تنخرط فيها أيضاً قوى وأحزاب وجماعات أخرى، إضافة إلى أبناء المنطقة الذين خبروا تلك التجربة سابقاً.

وفي حال تحقق مثل هذا السيناريو، قد يجد الجنوبيون أنفسهم مرة أخرى أمام واقع عاشوه في الماضي: العيش تحت ضغط الاحتلال من جهة، وخوض تجربة المقاومة ضده من جهة أخرى، وهو واقع ترك بصمته العميقة في تاريخ تلك المنطقة .



الجنوب أمام مفترق جديد



حتى الآن، لا يمكن الجزم بما ستؤول إليه الحرب الدائرة. لكن المؤكد أن الجنوب يقف مرة أخرى أمام مفترق حساس في تاريخه.

فالتطورات الميدانية الحالية قد تبقى ضمن إطار المواجهة العسكرية التقليدية، أو قد تتجه نحو مرحلة مختلفة تفرض واقعاً أمنياً جديداً في المنطقة الحدودية.

وفي كلتا الحالتين، يبقى السؤال المطروح في قرى الجنوب هو ما إذا كانت المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة من الصراع، أم أن موازين القوى ستمنع عودة تلك التجربة التي عرفها الجنوب في الماضي.

الأيام المقبلة وحدها قد تحمل الجواب...


يبقى ما ورد في هذا المقال قراءة تحليلية للتطورات الميدانية والسياسية استناداً إلى المعطيات المتوافرة حتى الآن، في ظل مشهد إقليمي شديد التعقيد وسريع التغير.


إقرأ أيضاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى