
حزب الله بين خيار الحرب أو خسارة المبرر للسلاح !
ضغط سياسي داخلي وتصعيد عسكري إسرائيلي يضعان الحزب أمام قرارات مصيرية ..

الضغط المزدوج على السلاح
منذ أشهر، يعيش حزب الله وضعًا لم يمرّ به من قبل. فإسرائيل تكثّف ضرباتها شبه اليومية على مواقع ومخازن ومراكز اتصالات تابعة له، وتنفذ عمليات اغتيال تستهدف كوادره في مختلف المناطق اللبنانية، من الجنوب إلى البقاع وصولًا إلى الضاحية الجنوبية في بيروت. هذه الضربات لا تطال البنية العسكرية فقط، بل تمتد إلى شبكات الدعم والقيادات الميدانية، في محاولة متواصلة لإضعافه وشل قدرته على التحرك.
هذا التصعيد لم يأتِ من فراغ، بل هو امتداد لمسار بدأ منذ أكتوبر 2023 كعمليات إسناد محدودة، قبل أن يتحول في سبتمبر 2024 إلى مواجهة واسعة بعد استهداف أنظمة الاتصالات وبدء حملة الاغتيالات، وصولًا إلى اغتيال السيد حسن نصرالله وعدد من أبرز قادته. حينها دخلت الحرب مرحلة مفتوحة استمرت حتى نوفمبر، وانتهت بوقف إطلاق النار.
بين وقف النار وضغط الداخل والخارج
بعد وقف إطلاق النار، أعلن الحزب التزامه بالقرار 1701، مؤكّدًا أنه سيمنح الدولة اللبنانية والمؤسسات الرسمية الفرصة للتحرك عبر القنوات الدبلوماسية لمعالجة الاعتداءات الإسرائيلية. هذا الموقف، الذي ارتبط بمرحلة إعادة التقاط الأنفاس بعد الخسائر التي تكبدها خلال الحرب، كان مقبولًا في بيئته الشعبية باعتباره خيارًا يجنّب البلاد الانزلاق إلى مواجهة جديدة في ظل الظروف الصعبة.
لكن المعطيات تغيّرت اليوم. ففي أغسطس 2025، صوّتت الحكومة اللبنانية على خطة لإخضاع سلاح الحزب لسلطتها قبل نهاية العام، لتتحول من جهة كان يمنحها الوقت للتحرك إلى طرف يطالبه مباشرة بالتخلي عن سلاحه. ومع استمرار إسرائيل في التصعيد الميداني والاغتيالات، وجد الحزب نفسه أمام ضغط مزدوج: داخلي من السلطة السياسية، وخارجي من إسرائيل. ومع استمرار الصمت، بدأت التساؤلات تُطرح حتى من داخل بيئته: إذا كانت الحكومة وإسرائيل معًا تريدان إنهاء وجود هذا السلاح، فما جدوى الانتظار وعدم الرد على الاعتداءات؟
فهل الحزب قادر على الرد؟
الواقع الميداني يشير إلى أن الحزب لا يزال يحتفظ بترسانة صاروخية كبيرة وخبرة قتالية واسعة، لكن هذه القدرة أصبحت محاصرة بظروف سياسية وأمنية معقدة. فإسرائيل تمتلك خزانًا ضخمًا من المعلومات الاستخباراتية عن الحزب، وتراقب تحركاته ومواقعه على مدار الساعة، ما يجعل أي عملية إطلاق صواريخ أو تحرك عسكري مكشوفًا مسبقًا وقابلًا للاستهداف قبل تنفيذه.
التحرك العسكري الشامل الآن قد يستنزف ما تبقى من قوته في ظل ضعف الحلفاء وتراجع خطوط الإمداد، بينما أي رد محدود قد لا يغيّر في موازين القوى، بل قد يمنح إسرائيل مبررًا لتوسيع ضرباتها. وفي كل الأحوال، يرى كثير من المراقبين أن أي مغامرة عسكرية في الظروف الحالية قد تتحول إلى تهديد مباشر لبقاء الحزب كقوة فاعلة.
وفي ظل هذه المعطيات الميدانية المعقدة، لا يمكن فصل قدرة الحزب على الرد عن التغيرات الكبرى التي تشهدها بيئته الإقليمية، والتي أعادت رسم خريطة التحالفات وأثرت على مصادر قوته ودعمه الخارجي.
تحولات البيئة الإقليمية
على المستوى الإقليمي، الظروف الحالية ليست كما كانت في السابق. فسوريا تحولت من “سوريا الأسد”، التي كانت الحليف الأقرب والداعم الأساسي للحزب، إلى “سوريا الجولاني”، حيث باتت تهيمن عليها دول وقوى معادية يمثل مصالحها أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني)، والذي يرى كثيرون في بيئة الحزب أنه أخطر على الحزب وبيئته من إسرائيل.
أما إيران، فقد خاضت مواجهة مباشرة مع إسرائيل في يونيو 2025 استمرت 12 يومًا وانتهت بخسائر كبيرة، ما جعل قدرتها على دعم الحزب بالسلاح والمعدات أقل مما كانت عليه. هذه التطورات جاءت مع تضييق شديد على طرق الإمداد، سواء عبر البر أو البحر أو الجو، في ظل رقابة أمنية مشددة.
تحولات داخلية مؤثرة
التغيير الكبير في القيادة بعد اغتيال السيد حسن نصرالله وعدد من قادة الصف الأول في سبتمبر 2024، أدى إلى انتقال المسؤوليات إلى جيل جديد من القيادات. هذا التحول يفرض على الحزب إعادة ترتيب أولوياته وتثبيت وضعه الداخلي، وهو ما قد يؤثر على سرعة اتخاذ القرارات المصيرية، وفي مقدمتها قرار الدخول في مواجهة عسكرية واسعة مع إسرائيل.
خيارات الحزب بين المواجهة والتراجع
أمام هذا المشهد المعقد، يقف الحزب أمام ثلاثة خيارات رئيسية:
الأول، فتح مواجهة شاملة مع إسرائيل لكسر الضغط المزدوج وفرض معادلة جديدة، وهو خيار محفوف بالمخاطر في ظل ضعف الحلفاء وتراجع القدرات.
الثاني، الاستمرار في الصمت، ما قد يحافظ على ما تبقى من إمكاناته، لكنه يكرس صورة التراجع ويفقده عنصر الردع، وفي الوقت نفسه يمنح إسرائيل فرصة لمواصلة استنزافه دون كلفة كبيرة.
الثالث، القبول بتسوية داخلية تحفظ له دوره السياسي على حساب دوره العسكري، وهو ما قد يرضي خصومه في الداخل لكنه يغيّر صورته كمقاومة مسلحة.
حرب يومية تنتظر الانفجار
في الواقع، الحرب لم تتوقف منذ وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024. فإسرائيل تخوض ضد الحزب حرب استنزاف يومية: قصف متكرر، اغتيالات، واستهداف للبنية العسكرية والقيادية. الفرق الوحيد بين الوضع الحالي وحرب شاملة هو حجم التصعيد، وهذا الحجم يمكن أن يتغير في أي لحظة، إما بقرار من الحزب أو كرد فعل على ضربة إسرائيلية أكبر من المعتاد.
المشهد مفتوح على كل الاحتمالات، لكن المؤكد أن أي حرب مقبلة ستكون أصعب من سابقاتها، لأن الحزب سيخوضها اليوم في ظروف أصعب، وبحلفاء أضعف، وقيادة جديدة لم تُختبر بعد في معركة بهذا الحجم. والسؤال لم يعد إن كانت الحرب قادمة، بل متى ستبدأ، وبأي شروط سيدخلها الحزب، ومن سيملك زمام المبادرة حين تشتعل.
تنويه: المقالة هذه هي قراءة تحليلية للأحداث استنادًا إلى المعلومات المتاحة، ويعكس تقدير الكاتب لمسار التطورات.



