تحقيقات و مقالات

الجولاني في البيت الأبيض : سقوط العدالة على أعتاب واشنطن !

قبل أشهر كان على لوائح الإرهاب… واليوم يُستقبل بصفته “رجل دولة .

بقلم الصحفي حسين حرقوص


مشهد يهزّ المفاهيم

في سابقةٍ تكاد تختصر مفارقات هذا العصر، وصل أحمد الشرع — الذي نصّب نفسه رئيسًا لسوريا بقرار دوليًا و بقوة السلاح — إلى العاصمة الأميركية واشنطن، ليُستقبل رسميًا في البيت الأبيض.

هذا المشهد، الذي يُقدَّم إعلاميًا على أنه “انفتاح سياسي”، يُعدّ في جوهره إعلانًا صريحًا عن موت مفهوم العدالة الدولية، وفضحًا صارخًا لازدواجية المعايير الأميركية في التعاطي مع ملف الإرهاب.

الجولاني ، الذي كان يومًا على رأس قوائم المطلوبين للإدارة الأميركية، يقف اليوم أمام عدسات الإعلام في واشنطن بابتسامة رجل دولة.

مشهد يلخّص كل شيء : كيف تتحوّل القناعات إلى صفقات، والمبادئ إلى أدوات.

من المطلوب رقم واحد إلى الشريك الجديد

قبل أشهر قليلة فقط، كان اسم أحمد الشرع على لوائح الإرهاب الأميركية والعالمية ، وكانت واشنطن تصفه بالمتطرّف المسؤول عن جرائم ضد المدنيين السوريين والعراقيين .

اليوم، تُرفع عنه العقوبات، ويُستقبل رسميًا، وتُقدَّم زيارته كخطوة نحو “الاستقرار الإقليمي”.

لم تتبدّل الحقائق الميدانية ولا ماضي الرجل، بل تبدّلت مصالح السياسة الأميركية.

فبعد سقوط الدولة السورية السابقة في دمشق، وجدت واشنطن في الجولاني بوابةً جديدة لفرض نفوذها في سوريا، وضمان توازنٍ جديد بين الأطراف المتنازعة، من تركيا إلى إيران وإسرائيل .

أميركا… حين تصنع العدو ثم تحتضنه

منذ مطلع الألفية، استخدمت واشنطن شعار “محاربة الإرهاب” لتبرير تدخلاتها العسكرية حول العالم.

لكن هذا الشعار لم يكن يومًا مبدأً ثابتًا، بل ورقة سياسية متحرّكة تُستخدم متى احتاجت إليها الإدارات المتعاقبة.

ففي نظر البيت الأبيض، “الإرهابي” هو من يعارض المصالح الأميركية، أما من يخدمها فيُعاد تأهيله ويُمنح الشرعية.

وهكذا تحوّل الجولاني من عدوّ إلى أداة، من خطر إلى فرصة، ومن تهديد إلى شريك.

ازدواجية المعايير… الحقيقة التي لا تخفيها المظاهر

الولايات المتحدة التي تفرض عقوبات على دول بأكملها بحجة دعم الإرهاب، هي نفسها التي تُبيض صورة من اتهمتهم يومًا بالإرهاب متى ما اقتضت المصلحة.

تحت عناوين “الانفتاح السياسي” و”التحوّل الواقعي”، تُبرر واشنطن كل تناقض، بينما تسوّق للرأي العام رواية جديدة تُخفي خلفها شبكة مصالح معقّدة.

لقد باتت العدالة الأميركية انتقائية بامتياز، تُقاس بميزان النفوذ لا بالقانون، وبسعر التحالف لا بثمن الحقيقة.

بين الشرعية والسلاح… أين العدالة؟

منذ البداية، لم يكن صعود الجولاني نتاجًا لإرادةٍ شعبية أو مسارٍ ديمقراطي، بل نتيجة قرارات دولية وتفاهماتٍ أمنية بين أجهزة المخابرات العالميةالتي أعادت رسم المشهد السوري بما يخدم مصالحها.

وبقوة السلاح والدعم الخارجي، فرض نفسه أمرًا واقعًا، حتى بات يُقدَّم اليوم كـ”رئيس دولة” ووجهٍ شرعي للمرحلة الجديدة.

هذا المشهد لا يُجسّد شرعيةً سياسية بقدر ما يُظهر كيف تُصنع “الشرعيات” في زمن المصالح، حيث تتحوّل العدالة إلى أداة تجميلية لقرارات تُطبخ في غرف المخابرات ومجالس النفوذ، لا في صناديق الاقتراع أو إرادة الناس.

من يملك القوة… يملك تعريف الإرهاب

زيارة الجولاني إلى البيت الأبيض ليست حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل رمز لتحوّلٍ أخلاقي خطير في السياسة الدولية.

فمن كان عدوّ الأمس أصبح حليف اليوم، ومن ارتكب الجرائم أصبح يُقدَّم كصانع سلام.

لقد أثبتت واشنطن مجددًا أن مفهوم الإرهاب ليس قانونًا عالميًا، بل تعريفًا أميركيًا قابلًا للتعديل.

وفي عالمٍ كهذا، لا مكان للعدالة الحقيقية، لأن من يملك القوة… يملك الحق في إعادة كتابة المعايير.

شاهد أيضاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى