
حلب تحت النار : صراع قوات الشرع و«قسد» يعيد المدينة إلى شبح الحرب ..
قصف، نزوح، واتهامات متبادلة في الشيخ مقصود والأشرفية وسط تعثر الاتفاق السياسي وتفاقم المخاوف من انفجار أوسع في المدينة .
تشهد مدينة حلب واحدة من أخطر موجات التصعيد منذ سقوط الدولة السورية قبل نحو عام، بعد اندلاع اشتباكات عنيفة بين قوات أحمد الشرع وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وسط تبادل حاد للاتهامات حول المسؤولية عن القصف والحصار والانتهاكات بحق المدنيين، ولا سيما في حيي الشيخ مقصود والأشرفية شمال المدينة.
اتهامات متبادلة بلا رواية حاسمة
اتهمت وزارة الدفاع التابعة لحكومة أحمد الشرع قوات سوريا الديمقراطية باستهداف أحياء سكنية في حلب بقذائف الهاون والرشاشات الثقيلة والمتوسطة، ما أدى — بحسب بيانها — إلى سقوط ضحايا مدنيين وأضرار واسعة في الممتلكات العامة والخاصة.
كما زعمت أن «قسد» منعت مئات المدنيين من مغادرة الشيخ مقصود والأشرفية عبر إطلاق النار لترهيبهم، واتهمتها بزرع متفجرات في طرق رئيسية وفرعية، إضافة إلى تفخيخ منازل ومرافق مدنية داخل الحيين.
في المقابل، نفت القيادة العامة لقوات سوريا الديمقراطية هذه الاتهامات بشكل قاطع، مؤكدة أن الحيين يخضعان لحصار كامل من قبل قوات الشرع منذ أكثر من ستة أشهر، ولا يشكلان أي تهديد عسكري للمدينة.
وشددت «قسد» على أنها لا تملك وجودًا عسكريًا داخل حلب بعد انسحاب موثق وتسليم الملف الأمني لقوى الأمن الداخلي، معتبرة أن ما يُنسب إليها من قصف هو «ذريعة لتبرير الحصار والضغط العسكري».
قصف، نزوح، وحياة مشلولة
ميدانيًا، بدأت قوات الشرع بعد ظهر الأربعاء بقصف حيي الشيخ مقصود والأشرفية عقب انتهاء مهلة حددتها لخروج المدنيين، في أعقاب اشتباكات وصفت بأنها الأعنف بين الطرفين منذ توقيع اتفاق مارس الماضي.
وأسفرت المواجهات عن سقوط 9 قتلى و27 جريحًا، وسط فشل الجهود في تثبيت تهدئة ميدانية أو إعادة إطلاق المفاوضات السياسية والأمنية بين الطرفين.
وعلى وقع القصف، خرج آلاف المدنيين من الحيين عبر معابر محددة، من بينهم نساء وأطفال ومسنون، بعضهم مشيًا على الأقدام وآخرون في سيارات صغيرة أو شاحنات، حاملين ما استطاعوا من أمتعتهم، فيما اصطحب البعض مواشيهم أو حيواناتهم الأليفة.
وأظهرت المشاهد الميدانية عائلات كاملة في حالة خوف وذعر، وأطفالًا يبكون أثناء مغادرة منازلهم، في واحدة من أكثر صور النزوح قسوة منذ سقوط الدولة السورية.
إجراءات طارئة في المدينة
وبالتوازي مع التصعيد، أُغلقت المدارس والجامعات والمؤسسات العامة في مدينة حلب بقرار من محافظ حلب المعيّن من قبل حكومة الشرع، كما جرى تعليق الرحلات الجوية من وإلى مطار حلب لمدة 48 ساعة، في مؤشر واضح على خطورة التطورات الأمنية.
اتفاق متعثر وضغوط بلا نتائج
ويأتي هذا التصعيد في ظل تعثر تنفيذ الاتفاق الموقع في مارس الماضي بين مظلوم عبدي وأحمد الشرع، والذي نصّ على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن هياكل السلطة المركزية، وكان من المفترض الانتهاء من تطبيقه بنهاية عام 2025.
غير أن الخلافات العميقة، وانعدام الثقة المتبادلة، وتضارب الرؤى السياسية والأمنية، رغم الضغوط الدولية ولا سيما الأميركية، حالت دون تحقيق أي اختراق حقيقي، ما ترك الاتفاق معلقًا عمليًا، ومفتوحًا على احتمالات الانفجار في أي لحظة.
المدنيون الخاسر الأكبر
وبين روايتين متناقضتين واتهامات متبادلة، تبقى الحقيقة الوحيدة الثابتة أن المدنيين في حلب هم الخاسر الأكبر مرة جديدة، في مدينة لم تستقر منذ سقوط السلطة السابقة، وتُدفع اليوم مجددًا إلى قلب صراع سياسي وعسكري لا يملك سكانها أي قدرة على التحكم بمساره أو نتائجه.



