دوليات

التفاوض أم التصعيد.. ماذا بعد رفض ترامب مقترح إيران ؟

رفض واشنطن للعرض الإيراني لا يغلق باب الاتفاق.. ومضيق هرمز والعقوبات والملف النووي في قلب المواجهة

لم يغلق دونالد ترامب باب التفاوض مع إيران، لكنه لم يقبل أيضاً المفتاح الذي وضعته طهران أمامه.

فالرئيس الأميركي رفض المقترح الإيراني الأخير لإنهاء القتال وإعادة فتح مضيق هرمز، ثم قال في التصريحات نفسها إنه يريد اتفاقاً مع طهران. وبين الرفض والرغبة في الاتفاق، تبدو الأزمة وكأنها انتقلت من سؤال «هل ستكون هناك مفاوضات؟» إلى سؤال أكثر تعقيداً: من يتراجع أولاً، وبأي ثمن؟

المقترح الإيراني يربط بين مجموعة ملفات أصبحت متداخلة: مضيق هرمز، الحصار البحري، صادرات النفط، الأموال الإيرانية المجمدة، وقف العمليات العسكرية، ثم المفاوضات حول البرنامج النووي.

أما واشنطن، فتبدو غير مستعدة حتى الآن لمنح طهران ما تطلبه قبل الحصول على تنازلات إضافية.

ترامب: رفضت عرضهم

أعلن ترامب، السبت، رفضه العرض الإيراني، مؤكداً أن طهران تريد إعادة فتح مضيق هرمز سريعاً بسبب الضغوط والخسائر التي تتعرض لها.

لكنه لم يكتفِ بالرفض.

ففي التصريحات نفسها، قال إن الإيرانيين يريدون التوصل إلى اتفاق، مضيفاً أنه يريد الاتفاق أيضاً.

هذه النقطة مهمة لفهم المرحلة المقبلة. فالبيت الأبيض لم يعلن وقف الاتصالات مع إيران، وترامب لم يقل إن التفاوض انتهى، بل رفض الصيغة التي أصبحت أمامه.

كما لم يقدم الرئيس الأميركي، في تصريحاته، قائمة علنية بالشروط التي يريد تعديلها.

وهنا تبقى مساحة للوسطاء من أجل محاولة تقريب المواقف أو صياغة مقترح جديد.

سبعة أيام لتغيير المشهد

المبادرة التي قدمتها إيران تقوم على مسار سريع نسبياً.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تحدث عن مهلة تمتد سبعة أيام تبدأ خلالها سلسلة خطوات متبادلة يفترض أن تنتهي بإعادة فتح مضيق هرمز ووقف العمليات القتالية.

وبحسب التفاصيل المتداولة عن المبادرة، تطالب إيران برفع الحصار البحري عن موانئها، وتخفيف القيود المفروضة على صادرات النفط، وإتاحة الوصول إلى أموال إيرانية مجمدة.

وفي الجانب العسكري، تريد طهران وقفاً للأعمال القتالية في المنطقة، يشمل لبنان أيضاً.

وفي المقابل، تتحرك إيران باتجاه إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة.

لكن هذا لا يعني أن الاتفاق، في حال حصوله، سينهي الخلاف الأميركي الإيراني.

النووي مؤجل.. وليس محلولاً

هنا تظهر إحدى أهم نقاط الخلاف.

طهران لا تتعامل مع فتح مضيق هرمز باعتباره مقابلاً لتسوية الملف النووي بالكامل.

بل تريد معالجة الحرب والحصار والعقوبات أولاً، ثم الانتقال إلى مفاوضات أوسع مع واشنطن.

وتتمسك إيران في الوقت نفسه بحقها في تخصيب اليورانيوم، وهو ما يبقي واحدة من أصعب القضايا بين الطرفين من دون حل.

بمعنى آخر، المقترح الإيراني يمكن أن يوقف جانباً من الأزمة، لكنه لا يقدم حتى الآن تسوية شاملة لها.

وحتى لو أعيد فتح هرمز وتوقفت العمليات العسكرية، ستبقى طاولة المفاوضات محملة بالملف النووي والعقوبات والترتيبات الأمنية والنفوذ الإقليمي.

لماذا لم يقبل ترامب؟

الإجابة الكاملة ليست معلنة حتى الآن.

ترامب لم يقل بالتحديد: هذا البند أقبله وهذا البند أرفضه.

لكن تصريحاته تظهر أنه ينظر إلى الضغوط الواقعة على إيران باعتبارها ورقة في يد واشنطن.

فعندما يتحدث الرئيس الأميركي عن خسائر إيرانية كبيرة، ثم يرفض العرض ويؤكد في الوقت نفسه استعداده للاتفاق، يصبح أحد التفسيرات المطروحة أن واشنطن لا ترى سبباً لتقديم تنازلاتها الآن إذا كانت تعتقد أن استمرار الضغط قد يدفع طهران إلى تقديم عرض أفضل.

وهذا تفسير لمسار المفاوضات، وليس موقفاً أميركياً معلناً بصيغته هذه.

هرمز لم يعد الورقة الوحيدة

في بداية الأزمة، بدا مضيق هرمز وكأنه مركز المواجهة.

لكن مع مرور الوقت، توسعت المعادلة.

هناك النفط والأسواق العالمية، والحصار البحري، والعمليات العسكرية، والملف اللبناني، والبرنامج النووي، إضافة إلى الأموال والعقوبات.

لهذا السبب، لم تعد عبارة «فتح مضيق هرمز» كافية لوصف ما يجري.

طهران تريد ثمناً سياسياً واقتصادياً وأمنياً مقابل التخلي عن هذه الورقة، بينما تحاول واشنطن الفصل بين بعض هذه الملفات أو الحصول على شروط أفضل قبل تقديم تنازلات مقابلة .

وماذا عن احتمال عودة الضربات؟

هنا تدخل الأزمة منطقة أكثر حساسية.

صحيفة «وول ستريت جورنال» نقلت عن مسؤولين أميركيين أن ترامب يتوقع احتمال تجدد القصف بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية في نوفمبر.

لكن هذه المعلومة لم يعلنها ترامب بنفسه، كما لم تؤكدها الإدارة الأميركية كقرار عسكري محدد، ولذلك لا يمكن التعامل معها باعتبارها موعداً لجولة عسكرية جديدة.

مع ذلك، فإن مجرد استمرار الحديث عن الخيار العسكري بالتوازي مع المفاوضات يكشف هشاشة المرحلة الحالية.

فالدبلوماسية مستمرة، لكن التصعيد لم يخرج من الحسابات .

الوسطاء ما زالوا في الصورة

المقترح الإيراني وصل إلى الجانب الأميركي عبر وسطاء قطريين، وهو ما يؤكد استمرار قنوات الاتصال غير المباشر.

وهذه القنوات قد تصبح أكثر أهمية بعد رفض ترامب الصيغة الحالية.

فالسيناريو الدبلوماسي لا يتطلب بالضرورة قبول العرض أو رفضه بالكامل؛ يمكن تعديل بعض البنود، تغيير ترتيب تنفيذها، أو الاتفاق على خطوات أولية قبل الانتقال إلى الملفات الأصعب.

ومن هنا قد تكون المرحلة المقبلة مرحلة تفاوض على تسلسل الخطوات بقدر ما هي تفاوض على مضمونها.

هل ترفع واشنطن الحصار أولاً؟

هل تفتح إيران المضيق أولاً؟

هل يبدأ وقف النار قبل الإجراءات الاقتصادية أم بعدها؟

ومتى يبدأ الملف النووي؟

هذه التفاصيل قد تحدد مصير المبادرة أكثر من التصريحات السياسية نفسها.

لا اتفاق حتى الآن.. ولا قطيعة

المشهد، حتى اللحظة، لا يشبه تسوية أصبحت جاهزة للتوقيع، لكنه أيضاً لا يشبه انهياراً كاملاً للمفاوضات.

ترامب رفض العرض، لكنه يريد اتفاقاً.

إيران تريد إنهاء الضغط وفتح الطريق أمام تسوية، لكنها لا تريد التخلي مسبقاً عن أوراقها النووية والسياسية.

وبين الطرفين وسطاء يحاولون إبقاء قناة التفاوض مفتوحة.

لذلك قد يكون السؤال خلال الأيام المقبلة أقل ارتباطاً بما إذا كان ترامب سيعود إلى التفاوض، وأكثر ارتباطاً بما الذي سيتغير في العرض عندما يعود الطرفان إلى الطاولة.

أما إذا بقي كل طرف مقتنعاً بأن الوقت والضغط يعملان لمصلحته، فقد يصبح الانتظار نفسه جزءاً من التصعيد.

وهنا تكمن خطورة المرحلة: التفاوض لم يمت، لكن البديل عنه ما زال حاضراً .

إقرأ أيضاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى