
تشهد ليبيا تصعيدًا أمنيًا متسارعًا في عدد من المناطق، وسط مخاوف من انعكاس هذه التطورات على جهود توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام بين الشرق والغرب.
وجاء أحدث التصعيد مع اغتيال مدير الاستخبارات العسكرية في بنغازي اللواء فوزي المنصوري، بالتزامن مع هجمات متكررة استهدفت منشآت نفطية في مدينة الزاوية غربي البلاد.
اغتيال في بنغازي
لقي اللواء فوزي المنصوري، مدير الاستخبارات العسكرية في بنغازي، مصرعه مساء الاثنين في منطقة الهواري شرقي ليبيا، وفق ما أعلنته السلطات في شرق البلاد.
وقالت مصادر محلية إن انفجارًا وقع قرب مسجد السيدة عائشة، بعدما انفجرت عبوة ناسفة داخل سيارة المنصوري.
وتداولت منصات إخبارية محلية مقاطع مصورة أظهرت اشتعال النيران في السيارة المستهدفة، بينما انتشرت الأجهزة الأمنية في محيط موقع الحادث.
وتولى المنصوري منصبه برتبة لواء عام 2024، فيما لم تعلن السلطات حتى الآن عن هوية الجهة التي تقف وراء عملية الاغتيال.
ووصف متحدث باسم السلطات المحلية في بنغازي العملية بأنها “محاولة يائسة لزعزعة الأمن والاستقرار في ليبيا”.
وعقب الحادث، وجهت السلطات في شرق ليبيا الأجهزة المختصة بفتح تحقيق عاجل لكشف ملابسات الاغتيال وملاحقة المتورطين.
هجمات متكررة على نفط الزاوية
بالتزامن مع ذلك، شهدت مدينة الزاوية غربي ليبيا تصعيدًا أمنيًا استهدف منشآتها النفطية.
وكان آخر هذه الهجمات يوم الاثنين، عندما استهدفت مسيّرة خزانًا تابعًا لشركة البريقة لتسويق النفط يحتوي على نحو 4.5 ملايين لتر من البنزين.
وأدى الهجوم إلى اندلاع حريق واسع وانهيار الخزان بالكامل.
وبعد نحو ساعتين، سقطت مسيّرة أخرى قرب خزان الزيوت الأساسي وشبكة الأنابيب في مصنع خلط وتعبئة الزيوت التابع لشركة الزاوية لتكرير النفط.
ولم يسفر الهجوم الثاني عن خسائر بشرية أو أضرار مادية، وفق المعطيات المتاحة.
واليوم الثلاثاء، حذرت مؤسسة النفط الليبية من إمكانية إعلان حالة “القوة القاهرة” ووقف العمل في مجمع الزاوية النفطي بالكامل، في حال استمرت الهجمات على خزانات النفط.
ويأتي ذلك بعد هجومين آخرين بمسيّرات يومي السبت والأحد.
واستهدف الهجوم الأول خزانًا في مصفاة الزاوية من دون تسجيل إصابات، بينما استهدف الهجوم الثاني محطة لتحلية المياه في المدينة.
لماذا تثير الزاوية القلق؟
تكتسب الزاوية أهمية اقتصادية كبيرة بسبب وجود مصفاة ومنشآت نفطية عدة فيها.
لذلك، فإن استمرار الهجمات على منشآتها قد يهدد إمدادات الوقود والطاقة، كما قد يضيف ضغوطًا جديدة على الاقتصاد الليبي.
إضافة إلى ذلك، شهدت الزاوية ومدينة صرمان المجاورة اشتباكات مسلحة خلال الأسبوع الماضي، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى وفرار سجناء.
وبحسب مصدر أمني في مديرية أمن الزاوية، أسفرت الاشتباكات عن مقتل 4 أشخاص وإصابة أكثر من 10 آخرين.
وأفادت مصادر محلية بأن المواجهات اندلعت بين مجموعات تابعة لجهاز مكافحة التهديدات الأمنية وعناصر من الكتيبة 103 مشاة.
صدام داخل معسكر واحد
وتبرز مفارقة لافتة في هذه الاشتباكات، إذ ينتمي الطرفان رسميًا إلى الحكومة ذاتها، وهي حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة ومقرها طرابلس.
ورغم ذلك، لم يصدر تعليق رسمي واضح من مكتب رئيس الوزراء أو وزارة الدفاع يفسر أسباب الاقتتال.
كما تسببت المواجهات في خسائر بشرية وأدت إلى إغلاق الطريق الساحلي الحيوي الذي يربط طرابلس بالزاوية.
وتزامن ذلك مع حادثة فرار جماعي لنزلاء من سجن صرمان، ما زاد من حدة التوتر الأمني في المنطقة.

هل تتعقد جهود توحيد ليبيا؟
تأتي هذه التطورات في وقت تكثف فيه الأمم المتحدة ووسطاء دوليون جهودهم لمعالجة الخلافات بين المؤسسات الليبية، والدفع نحو توحيد المؤسسات العسكرية والسيادية وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية.
وتنقسم ليبيا منذ سنوات بين سلطتين رئيسيتين.
ففي الغرب، تدير حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة مناطق واسعة انطلاقًا من طرابلس.
أما في الشرق، فتدير الحكومة التي عينها مجلس النواب عام 2022 مناطق الشرق ومعظم الجنوب، ويرأسها حاليًا أسامة حماد، بينما تتولى قوات ومؤسسات موازية إدارة ملفات أمنية وعسكرية في تلك المناطق.
وفي هذا السياق، يزيد التصعيد الأخير من صعوبة بناء الثقة بين الأطراف المتنافسة.
كما أن عودة الاغتيالات والهجمات على منشآت حيوية قد تعرقل المبادرات الرامية إلى تقريب وجهات النظر بين الشرق والغرب.
تصعيد يهدد المسار السياسي
ويرى مراقبون أن تزامن اغتيال مسؤول عسكري في بنغازي مع استهداف منشآت النفط في الزاوية يعكس حجم التحديات الأمنية التي تواجه ليبيا.
ومن جهة أخرى، قد يؤدي استمرار استهداف قطاع النفط إلى زيادة الخلافات حول إدارة الموارد وتوزيع عائداتها.
وبالتالي، فإن التصعيد الأمني لا يهدد الاستقرار المحلي فحسب، بل قد ينعكس أيضًا على المسار السياسي ومحاولات توحيد مؤسسات الدولة.
ومع استمرار التحقيقات في اغتيال المنصوري والهجمات التي استهدفت منشآت الزاوية، تتجه الأنظار إلى قدرة السلطات الليبية على احتواء التصعيد ومنع تحوله إلى موجة أمنية أوسع.
فأي تدهور جديد في الوضع الأمني قد يزيد تعقيد المشهد الليبي، ويمنح الانقسام السياسي والمؤسسي مزيدًا من الوقت.



