
أوروبا تنقلب على واشنطن.. القصة السرية لقطيعة تاريخية مع الولايات المتحدة
كشفت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية تفاصيل مرحلة مفصلية دفعت قادة أوروبا إلى إعادة النظر في علاقتهم التاريخية مع الولايات المتحدة، وسط قناعة متزايدة بأن الاعتماد على واشنطن لم يعد خياراً استراتيجياً آمناً كما كان في السابق.
حيث بدأت هذه التحولات تتبلور داخل أروقة الاتحاد الأوروبي خلال اجتماعات مغلقة شهدت نقاشات غير مسبوقة حول مستقبل العلاقات عبر الأطلسي.
اجتماع طارئ في بروكسل
في يناير/كانون الثاني 2026، اجتمع نحو 30 من القادة الأوروبيين داخل مقر المجلس الأوروبي في بروكسل خلال جلسة طارئة استمرت ساعات طويلة.
وركز الاجتماع على قضية واحدة فقط، وهي كيفية التعامل مع مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة في ظل السياسات الأمريكية المتقلبة والتوترات المتزايدة بين الجانبين.
وخلال المناقشات، عبّر عدد من القادة عن مخاوفهم من تراجع موثوقية واشنطن كشريك استراتيجي، خاصة بعد سلسلة من المواقف الأمريكية التي أثارت قلق العواصم الأوروبية.
ماكرون: لا عودة إلى الوراء
برز الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كأحد أبرز الداعين إلى تعزيز الاستقلال الأوروبي.
وخلال الاجتماع، أكد ماكرون أن أوروبا وصلت إلى نقطة تحول حاسمة، قائلاً: “نحن نضع حداً هنا.. لا عودة إلى الوراء”.
ولم يقتصر هذا الموقف على فرنسا فقط، بل شاركه عدد من القادة الأوروبيين الذين رأوا أن القارة بحاجة إلى بناء قدرات سياسية واقتصادية وعسكرية أكثر استقلالية.
مخاوف من التبعية لواشنطن
في المقابل، حذر مسؤولون أوروبيون من استمرار الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة، معتبرين أن ذلك قد يحد من قدرة أوروبا على اتخاذ قراراتها الاستراتيجية بشكل مستقل.
كما أبدى بعض القادة قلقهم من أن تتحول القارة الأوروبية إلى طرف تابع للمصالح الأمريكية في ملفات الطاقة والتكنولوجيا والأمن.

مارك كارني يدفع نحو الاستقلال الأوروبي
ومن جهة أخرى، لعب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني دوراً مؤثراً في تعزيز هذا التوجه الأوروبي.
فقد نقل كارني رسائل واضحة إلى قادة أوروبا، مؤكداً أن الأزمة الحالية تتجاوز شخص الرئيس الأمريكي، وتعكس تحولاً أعمق في بنية السياسة الأمريكية.
وقال كارني إن “أمريكا القديمة ذهبت إلى غير رجعة”، وهي عبارة لاقت صدى واسعاً داخل العواصم الأوروبية وساهمت في تعزيز الدعوات إلى تقليص الاعتماد على واشنطن.
أوروبا تبدأ مرحلة “فك الارتباط”
نتيجة لذلك، بدأت دول أوروبية العمل على مشاريع تهدف إلى تعزيز استقلالها الاستراتيجي.
حيث شملت هذه الخطوات تطوير بنى تكنولوجية أوروبية، وإنشاء مراكز بيانات محلية، إضافة إلى مراجعة القدرات الدفاعية وتقليل الاعتماد على الأنظمة الأمريكية في بعض القطاعات الحساسة.
وفي الوقت نفسه، واصل حلف شمال الأطلسي (الناتو) محاولاته للحفاظ على تماسك العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة.
قمة ألاسكا زادت المخاوف الأوروبية
غير أن المخاوف الأوروبية تصاعدت بعد قمة ألاسكا التي جمعت الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
واعتبر عدد من المسؤولين الأوروبيين أن نتائج القمة أظهرت تراجع تأثير أوروبا في القرارات الكبرى المتعلقة بالأمن الدولي، وهو ما عزز القناعة بضرورة امتلاك سياسة خارجية أكثر استقلالاً.
تراجع الثقة في الإدارة الأمريكية
كذلك، كشفت المناقشات الأوروبية عن تراجع الثقة بقدرة الإدارة الأمريكية على الالتزام بالسياسات التقليدية التي حكمت العلاقات عبر الأطلسي لعقود.
وأدى ذلك إلى تغيير مواقف بعض القادة الذين كانوا يعتقدون سابقاً بإمكانية التوصل إلى تفاهمات مستقرة مع واشنطن.
كما أبدت أجهزة استخبارات أوروبية قلقها من طبيعة صناعة القرار داخل الإدارة الأمريكية، مشيرة إلى غياب التنسيق المؤسسي الذي اعتادت عليه الحكومات الأوروبية في تعاملها مع الولايات المتحدة.
مرحلة جديدة في العلاقات عبر الأطلسي
في النهاية، يرى التقرير أن أوروبا تجاوزت مرحلة الصدمة وبدأت رسم ملامح استراتيجية جديدة تقوم على تعزيز الاستقلال السياسي والاقتصادي والعسكري.
وبذلك، لم تعد بروكسل تنظر إلى علاقتها مع واشنطن بالطريقة نفسها التي سادت طوال العقود الماضية، بل باتت تستعد لمرحلة جديدة عنوانها تقليص الاعتماد على الولايات المتحدة وتعزيز القرار الأوروبي المستقل.



