الأخبارتحقيقات و مقالاتمحليات

حين تبدأ الأسئلة من الداخل.. لماذا لا يروي حزب الله ما يحدث في الجنوب ؟

من علي الطاهر إلى الغارات اليومية.. أسئلة تتسع داخل البيئة المؤيدة للحزب حول غياب روايته السياسية والإعلامية لما يجري في الجنوب

بقلم الصحفي حسين حرقوص

لم يعد السؤال عن صمت حزب الله تجاه ما يجري في جنوب لبنان محصوراً بخصومه السياسيين والإعلاميين. خلال الفترة الأخيرة، بدأت تظهر أصوات من داخل البيئة المؤيدة للحزب نفسها تسأل عن حقيقة ما يحدث على الأرض، وخصوصاً بعد التطورات الأخيرة في مرتفعات علي الطاهر

السؤال الذي يتردد ليس بالضرورة: لماذا لا يرد حزب الله عسكرياً ؟

بل هناك سؤال أبسط: ماذا حدث؟ ولماذا نسمع الرواية الإسرائيلية بالتفصيل، بينما لا نسمع رواية واضحة ومتكاملة من حزب الله؟

وهنا تحديداً تظهر مشكلة مختلفة عن النقاش التقليدي حول السلاح والحرب والرد العسكري.

فهناك جمهور يعيش في مناطق تتعرض للغارات، ويرى المنازل تُهدم والقرى تتعرض للقصف والتلال تُنسف، وفي الوقت نفسه يتابع بيانات إسرائيلية متلاحقة تشرح، من وجهة نظر إسرائيل، ماذا حدث وأين حدث وماذا تم استهدافه.

وفي المقابل، لا يجد دائماً رواية أخرى تجيب عن السؤال الأساسي: ما الذي حدث فعلياً؟

أصوات داخل البيئة بدأت تسأل ؟

من الخطأ تصوير ما يجري على أنه انقلاب في بيئة حزب الله أو تحول سياسي شامل ضد الحزب. لا توجد معطيات تسمح بالذهاب إلى هذا الاستنتاج.

لكن من الخطأ أيضاً تجاهل ظهور الأسئلة.

فالتغطيات اللبنانية خلال الأيام الأخيرة لم تعد تتحدث فقط عن تساؤلات خصوم الحزب. بعضها أشار إلى أن الصمت بشأن علي الطاهر أثار حيرة وأسئلة حتى داخل البيئة المؤيدة، خصوصاً أن الحزب المعروف بحضوره الإعلامي والسياسي لم يقدم رواية تفصيلية لما حدث في موقع تحوّل طوال أشهر إلى عنوان أساسي في المواجهة.

وهؤلاء الذين يسألون ليسوا بالضرورة في موقع الخصومة مع حزب الله.

على العكس، جزء من حساسية السؤال يأتي من أن بعضه يصدر عن مؤيدين يريدون أن يعرفوا ماذا حدث.

وبصيغة أقرب إلى ما يُطرح اليوم: نحن نسمع ماذا تقول إسرائيل، لكن ماذا يقول حزب الله؟

وهذه نقطة مهمة

فالمؤيد لا يحتاج إلى أن يتحول إلى معارض حتى يطرح سؤالاً، والثقة السياسية لا تلغي الحاجة إلى المعلومة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بحرب تجري أمام الناس ويدفعون ثمنها مباشرة.

إسرائيل تتحدث.. والفراغ يكبر

فالاحتلال الإسرائيلي لا يكاد يترك عملية من دون أن يقدم روايته: بيانات وصور وفيديوهات وتفاصيل عمّا يقول إنه استهدفه أو دمّره.

وهذا بالطبع لا يعني أن الرواية الإسرائيلية صحيحة.

إسرائيل طرف مباشر في الحرب، ولديها أهداف عسكرية وسياسية وإعلامية، كما أن الحرب النفسية جزء أساسي من أي مواجهة. ولذلك قد تتضمن الرواية الإسرائيلية معلومات صحيحة، أو معلومات ناقصة، أو تضخيماً لإنجاز عسكري، أو رسائل موجهة إلى الداخل الإسرائيلي والخارج.

المشكلة ليست في أن إسرائيل تتحدث.

المشكلة تبدأ عندما تكون روايتها هي الأكثر حضوراً بسبب غياب الرواية المقابلة.

فحتى من لا يصدق إسرائيل يجد نفسه أمام أسئلة لا يملك إجابات عنها.

وهنا يجب التمييز بين أمرين مختلفين: رفض الرواية الإسرائيلية لا يعني تلقائياً معرفة الحقيقة.

يمكن لشخص أن يكون مقتنعاً بأن إسرائيل تبالغ في وصف إنجازاتها، لكنه في الوقت نفسه يريد أن يعرف: ما الذي حدث فعلاً؟

علي الطاهر.. المثال الأكثر وضوحاً

أصبحت مرتفعات علي الطاهر خلال الأشهر الماضية نموذجاً واضحاً لهذه المعضلة.

إسرائيل أعطت الموقع أهمية عسكرية كبيرة، وتحدثت مراراً عن عملياته ومنشآته، ثم أعلنت في مطلع أيلول تحقيق ما وصفته بـ«السيطرة العملياتية» على المرتفعات.

في المقابل، لم يصدر عن حزب الله بعد الإعلان الإسرائيلي شرح رسمي مفصل يوضح حقيقة الوضع في الموقع.

وفتح ذلك الباب أمام تفسيرات متناقضة.

هل سيطرت إسرائيل فعلاً على الموقع بالكامل؟ هل انسحب مقاتلو الحزب؟ هل كانت هناك خطة مسبقة للإخلاء؟ ماذا بقي من المنشآت؟ وهل الأهمية التي أعطتها إسرائيل للموقع تعكس وزنه العسكري الحقيقي أم أن تل أبيب ضخّمته لتحويله إلى انتصار سياسي وعسكري؟

ثم جاء التفجير الضخم في العاشر من أيلول ليعيد كل هذه الأسئلة بصورة أكبر.

إسرائيل أعلنت أنها دمّرت شبكة منشآت تحت الأرض يزيد طولها، وفق روايتها، على كيلومترين، وتحدثت عن مركز قيادة ومستودعات وأسلحة وصواريخ وطائرات مسيّرة ومعدات أخرى.

لكن كل هذه التفاصيل مصدرها الأساسي الجانب الإسرائيلي.

وهنا يعود السؤال نفسه: ما الرواية الأخرى؟

ليس المطلوب أن يكشف حزب الله مواقع عسكرية أو أسماء أو خططاً أو قدرات، لكن من الطبيعي أن يسأل الرأي العام، وخصوصاً جمهوره: أي جزء من هذه الرواية صحيح؟ وأي جزء مبالغ فيه؟ وماذا حدث في علي الطاهر فعلياً؟

الصمت العسكري ليس هو السؤال الوحيد

.

فحزب الله يتحرك ضمن حسابات عسكرية وسياسية وإقليمية تتجاوز أحياناً الحدود اللبنانية، ولا يمكن فصل قراره عن علاقته بإيران وعن مسار المواجهة في المنطقة.

ومن بين التفسيرات المتداولة للصمت الحالي أيضاً أن الحزب قد لا يريد الدخول منفرداً في حرب واسعة في لبنان، وأن قراره العسكري ربما يرتبط بما ستؤول إليه المواجهة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، وربما بانتظار جولة جديدة من التصعيد الإقليمي قبل اتخاذ قرار أكبر.

لكن ذلك يبقى تحليلاً واحتمالاً، وليس معلومة مؤكدة أو موقفاً معلناً من حزب الله

وحتى لو كان هذا الاحتمال صحيحاً، فهو قد يساعد في تفسير جانب من عدم الذهاب إلى مواجهة عسكرية واسعة، لكنه لا يجيب عن السؤال السياسي والإعلامي.

فالغموض العسكري شيء، وغياب الرواية السياسية والإعلامية شيء آخر.

فهل الصمت تكتيك؟

هناك أيضاً تفسير آخر يتردد في الأوساط القريبة من الحزب: أن الصمت نفسه جزء من المعركة.

وفق هذه القراءة، لا يريد حزب الله أن يدخل في لعبة تفرضها إسرائيل، بحيث يصدر الجيش الإسرائيلي بياناً فيضطر الحزب إلى الرد عليه، ثم تستخدم إسرائيل الرد للحصول على معلومات عن نتائج عملياتها أو عن وضع قوات الحزب ومنشآته.

وقد يكون لهذا المنطق ما يبرره عسكرياً.

كما أن عدم التعليق على كل ادعاء إسرائيلي لا يعني بالضرورة العجز عن الرد عليه.

لكن السؤال يصبح: إلى أين يمكن أن يصل هذا التكتيك؟

هل يجب أن يعرف الخصم تفاصيل ما حدث؟ بالتأكيد لا.

لكن هل يجب أن يبقى الجمهور أيضاً بلا تفسير؟

هنا يبدأ الفرق بين السر العسكري والتواصل السياسي والإعلامي

يمكن لأي تنظيم عسكري أن يحتفظ بأسراره، وفي الوقت نفسه يقدم موقفاً عاماً يشرح لجمهوره كيف يقرأ ما يجري، وما الذي يعتبره صحيحاً أو مضللاً في رواية خصمه، من دون الكشف عن معلومة عسكرية واحدة.

مفارقة الداخل اللبناني

وهنا تبرز ملاحظة أخرى يرددها بعض المنتقدين، وحتى بعض الأصوات المتسائلة داخل البيئة المؤيدة للحزب.

فبحسب هؤلاء، حزب الله حاضر بقوة عندما يتعلق الأمر بالنقاش السياسي الداخلي. فإذا صدر عن رئيس الجمهورية جوزاف عون موقف لا يوافق عليه الحزب، يأتي الرد، وعندما يتحدث خصم سياسي عن الحزب أو سلاحه، تظهر التصريحات والبيانات والمقابلات، وأحياناً خلال ساعات.

ومن هنا يطرح هؤلاء مفارقة يعتبرونها لافتة:

الحزب يسمع جيداً ما يُقال في السياسة اللبنانية… لكن صوت التفجيرات في الجنوب، وهدم البيوت والقرى ونسف التلال، يبدو وكأنه لا يصل بالسرعة نفسها.

وهذا الكلام لا يعني بالضرورة المطالبة برد عسكري، بقدر ما يعكس سؤالاً عن غياب الخطاب السياسي والإعلامي الذي يشرح ما يحدث.

وفي المقابل، يمكن لأنصار الحزب أن يروا أن المقارنة بين الرد على موقف سياسي داخلي وبين التعليق على تطور عسكري ليست دقيقة، لأن لكل منهما حساباته وظروفه.

لكن بقاء هذا السؤال وتكراره، سواء من خصوم الحزب أو من بعض الأصوات داخل بيئته، يكشف حجم الفراغ الذي تركه غياب الرواية الرسمية .

بين المعلومة والشائعة

لغياب الرواية نتيجة أخرى لا تقل أهمية.

عندما لا توجد معلومة رسمية، لا تبقى الساحة فارغة.

تبدأ التحليلات:

هناك من يقول إن الحزب انسحب بقرار مسبق. وهناك من يتحدث عن تفاهمات إقليمية. وهناك من يربط كل شيء بإيران. وآخرون يقولون إن ما حدث مجرد مرحلة في خطة عسكرية أطول، وإن الحزب ينتظر اللحظة المناسبة للعودة إلى المواجهة.

وقد تظهر روايات أخرى غداً.

المشكلة أن معظم هذه السيناريوهات لا يمكن التحقق منها

وهكذا لا يترك الصمت المجال للرواية الإسرائيلية وحدها، بل يفتح أيضاً الباب أمام عشرات الروايات غير الرسمية داخل البيئة اللبنانية نفسها.

وهذا ربما أكثر خطورة على المدى الطويل.

لأن الجمهور يصبح أمام خيارين: رواية إسرائيلية مفصلة يعرف أن عليه الشك فيها، وروايات لبنانية غير رسمية لا يستطيع التأكد منها.

أما الرواية التي ينتظرها من الطرف المعني مباشرة، فتبقى غائبة أو محدودة.

ليست أزمة ثقة بعد.. لكنها فجوة تستحق الانتباه

من المبكر جداً القول إن ما يحدث يمثل أزمة ثقة بين حزب الله وبيئته.

هذا استنتاج أكبر من المعطيات الموجودة حالياً.

كما أن البيئة المؤيدة للحزب ليست كتلة واحدة، ومن غير المهني تعميم أصوات أو تساؤلات محددة على جمهور كامل.

لكن الجديد الذي يستحق المتابعة هو طبيعة السؤال ومصدره

فخصوم حزب الله يسألونه منذ سنوات عن سلاحه وعلاقته بإيران وقرارات الحرب والسلم و هذا ليس جديداً الجديد هو أن جزءاً من الأسئلة الحالية لا يأتي من هذه الزاوية أصلاً.

السؤال هذه المرة أقرب إلى:

نحن لا نطلب منكم كشف الأسرار العسكرية، لكن أخبرونا ماذا يحدث

وهذا فارق كبير !


معركة الرواية أيضاً معركة

قد يرى حزب الله أن الصمت في هذه المرحلة يخدم خطته، وربما تكشف التطورات لاحقاً أسباب هذا الخيار.

وقد تكون لديه معلومات لا يستطيع نشرها الآن

كل ذلك ممكن ؟

لكن هناك حقيقة إعلامية يصعب تجاوزها: عندما يتحدث طرف باستمرار ويصمت الطرف الآخر، فإن رواية الطرف الأول تصبح الأكثر انتشاراً، حتى لو لم تصبح الأكثر تصديقاً.

وهذا تحديداً ما يجعل الأصوات التي بدأت تسأل داخل بيئة حزب الله مهمة.

ليست لأنها أعلنت خصومتها مع الحزب، ولا لأنها غيرت موقفها السياسي، بل لأنها تطالب بشيء أبسط بكثير: رواية تشرح لها ما تراه وتسمعه كل يوم.

وقد يكون التحدي أمام حزب الله في المرحلة المقبلة هو إيجاد التوازن بين الحفاظ على الغموض الذي يراه ضرورياً في الميدان، وعدم ترك فراغ سياسي وإعلامي يتسع داخل بيئته.

لأن السر العسكري يمكن حمايته بالصمت

أما الفراغ الإعلامي، فلا يبقى فارغاً طويلاً

وإذا لم يملأه صاحب الرواية، سيملأه خصمه ..


تنويه: استندت هذه المقالة، إلى جانب متابعة التغطيات والتصريحات العلنية، إلى رصد محتوى ومواقف منشورة لعدد من صنّاع المحتوى والإعلاميين والناشطين المعروفين بقربهم من حزب الله أو بتأييدهم له، بهدف تتبّع طبيعة النقاش والأسئلة التي بدأت تظهر داخل البيئة المؤيدة للحزب. ولا تعني الآراء الواردة عن هؤلاء أنها تمثل موقف حزب الله الرسمي أو مجمل بيئته المؤيدة.


إقرأ أيضاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى