دوليات

كيف وصلت ديون أمريكا إلى 39 تريليون دولار؟ تأثير الدين الأمريكي على الدولار

كيف وصلت ديون أمريكا إلى 39 تريليون دولار؟ تأثير الدين الأمريكي على الاقتصاد والدولار

تجاوز الدين الأمريكي حاجز 39 تريليون دولار، في تطور يعكس عقوداً من العجز المالي المتراكم والإنفاق الحكومي المتزايد.

وفي الوقت نفسه، ارتفعت تكلفة خدمة الدين بشكل ملحوظ مع صعود أسعار الفائدة، ما جعل مدفوعات الفائدة من أكبر بنود الإنفاق الفدرالي.

ورغم هذا الارتفاع القياسي، لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بمكانتها المالية العالمية بفضل قوة اقتصادها وهيمنة الدولار على الأسواق الدولية.

لكن خبراء الاقتصاد يحذرون من استمرار المسار الحالي إذا لم تتخذ الحكومة إجراءات تحد من نمو الدين العام.

كيف تراكمت الديون الأمريكية؟

بدأ التحول المالي الكبير في الولايات المتحدة مع نهاية حقبة الفوائض المالية التي سجلتها البلاد أواخر تسعينيات القرن الماضي. وبعد ذلك، أدت مجموعة من العوامل إلى زيادة الاقتراض الحكومي بشكل متواصل.

فقد ساهمت هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، إلى جانب حربي أفغانستان والعراق، في رفع الإنفاق الفدرالي بشكل كبير.

وفي المقابل، لم تلجأ الحكومات المتعاقبة إلى زيادة الضرائب لتمويل هذه النفقات، بل اعتمدت على الاستدانة.

لاحقًا، جاءت الأزمة المالية العالمية عام 2008 لتضيف أعباء جديدة على الموازنة الأمريكية، بعدما خصصت الحكومة مليارات الدولارات لدعم المؤسسات المالية وإنقاذ الاقتصاد من الركود.

جائحة كورونا سرعت وتيرة الدين

شكلت جائحة كورونا نقطة تحول مهمة في مسار الدين الأمريكي. فقد أطلقت واشنطن حزم دعم ضخمة شملت مساعدات مباشرة للأسر، وبرامج لدعم الشركات، وتوسيع إعانات البطالة.

ونتيجة لذلك، ارتفع الدين العام بنحو 13 تريليون دولار منذ بداية الجائحة، بينما تجاوزت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي مستويات لم تشهدها الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية.

علاوة على ذلك، تراجعت الإيرادات الضريبية خلال فترة الإغلاق الاقتصادي، ما أدى إلى اتساع فجوة العجز المالي.

التخفيضات الضريبية فاقمت العجز

يرى عدد من الخبراء أن التخفيضات الضريبية المتكررة لعبت دورًا رئيسيًا في زيادة الدين العام.

فقد شهدت الولايات المتحدة ثلاث موجات رئيسية من خفض الضرائب خلال عهود رونالد ريغان وجورج بوش الابن ودونالد ترامب.

ورغم أن هذه السياسات استهدفت تحفيز النمو الاقتصادي، فإن الإيرادات الحكومية لم ترتفع بالقدر الكافي لتعويض الخسائر الضريبية.

وفي المقابل، واصل الإنفاق الحكومي ارتفاعه، الأمر الذي ساهم في توسيع العجز السنوي وإضافة مزيد من الديون إلى الخزانة الأمريكية.

الشيخوخة السكانية تزيد الضغوط المالية

لا تقتصر أسباب الدين الأمريكي على الحروب والأزمات الاقتصادية فقط، بل تشمل أيضًا التغيرات الديمغرافية طويلة الأمد.

ومع تقاعد جيل “طفرة المواليد”، ترتفع تكاليف برامج الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية بشكل متواصل.

لذلك، تتزايد النفقات الإلزامية عاماً بعد عام، بينما تتراجع قدرة الحكومة على توجيه الأموال نحو الاستثمارات التنموية.

وتتوقع تقديرات مكتب الميزانية في الكونغرس أن يرتفع الدين العام المحتفظ به لدى الجمهور من نحو 100% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025 إلى 156% بحلول عام 2055.

ارتفاع الفائدة يجعل الدين أكثر خطورة

خلال السنوات الماضية، استفادت الولايات المتحدة من أسعار فائدة منخفضة ساعدتها على الاقتراض بكلفة محدودة، لكن الوضع تغير بعد موجة التضخم الأخيرة.

فمع ارتفاع أسعار الفائدة، بدأت وزارة الخزانة الأمريكية بإعادة تمويل ديونها القديمة بكلفة أعلى. ونتيجة لذلك، تجاوزت مدفوعات الفائدة على الدين العام تريليون دولار سنوياً.

كما ارتفع متوسط سعر الفائدة على الدين القابل للتداول إلى 3.36% بنهاية عام 2025، مقارنة مع 1.55% فقط قبل خمس سنوات.

وبالتالي، أصبحت الفوائد تشكل عبئاً متزايداً على الموازنة الفدرالية، ما يزيد من الحاجة إلى الاقتراض لسداد الالتزامات المالية.

متى يتحول الدين الأمريكي إلى أزمة؟

حتى الآن، لا يوجد اتفاق بين الاقتصاديين حول النقطة التي يصبح عندها الدين الأمريكي غير قابل للاستدامة.

ومع ذلك، يشير نموذج “بن وارتون” للموازنة إلى أن الخطر الحقيقي قد يظهر عندما يتجاوز الدين مستوى 210% من الناتج المحلي الإجمالي.

وعند هذه المرحلة، قد تواجه الحكومة صعوبة أكبر في تمويل التزاماتها، خاصة إذا ارتفعت الفوائد أو تباطأ النمو الاقتصادي.

في المقابل، تبلغ نسبة الدين الأمريكي حاليًا نحو 121% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تشير التوقعات إلى إمكانية وصولها إلى 175% بحلول عام 2056 إذا استمرت الاتجاهات الحالية.

هل يهدد الدين مكانة الدولار؟

من الناحية النظرية، يمكن أن يؤدي تضخم الدين العام إلى تراجع الثقة بالدولار الأمريكي وسندات الخزانة.

لكن الواقع يشير إلى أن الدولار ما زال يحتفظ بموقعه كأهم عملة احتياطية في العالم.

كما تستند هذه المكانة إلى قوة الاقتصاد الأمريكي وحجم التجارة الدولية المقومة بالدولار وعمق الأسواق المالية الأمريكية.

إضافة إلى ذلك، تظل سوق سندات الخزانة الأمريكية الأكبر والأكثر سيولة عالمياً، وهو ما يمنح واشنطن هامشًا واسعًا لمواصلة تمويل ديونها.

ومع ذلك، فإن استمرار ارتفاع الدين والفوائد قد يدفع المزيد من الدول إلى تنويع احتياطياتها وتقليل الاعتماد على الدولار على المدى الطويل.

وصل الدين الأمريكي إلى أكثر من 39 تريليون دولار نتيجة تراكم الحروب والأزمات الاقتصادية والتخفيضات الضريبية وتزايد الإنفاق على الرعاية الصحية والتقاعد.

وفي الوقت الذي لا تزال فيه الولايات المتحدة تستفيد من قوة الدولار ومكانتها المالية العالمية، فإن ارتفاع الفوائد واستمرار العجز المالي يشكلان تحدياً متزايداً أمام أكبر اقتصاد في العالم خلال العقود المقبلة.


اقرأ أيضاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى