محليات

أضرار المقابر في جنوب لبنان.. الحرب الإسرائيلية تطارد الأحياء والموتى

أضرار المقابر في جنوب لبنان.. الحرب الإسرائيلية تطارد الأحياء والموتى

جنوب لبنان – لا يبحث حسن حلال عن قبر ابنته بين صفوف الشواهد، فهو يحفظ الطريق إليه عن ظهر قلب. ومع ذلك، يتباطأ كلما اقترب من المكان، وكأن المسافة لم تعد تُقاس بالأمتار، بل بحجم الألم الذي تركته الحرب في داخله.

في مقبرة بلدة ميفدون جنوب لبنان، تغيّر المشهد بالكامل، تناثر الزجاج المكسور بين القبور، وتحركت الحجارة من أماكنها بفعل الغارات الإسرائيلية، فيما تصدعت شواهد عدة وانحنت أخرى تحت تأثير الانفجارات.

كما غطى الغبار أسماءً ظن الأهالي أن الموت منحها أخيراً سلاماً بعيداً عن الحروب.

قبر نرجس.. ذكرى لا تغيب

يصل حسن إلى قبر طفلته نرجس، فيمسح التراب بيده بهدوء، ثم يزيل غصناً يابساً سقط فوق الشاهد.

بعد ذلك يقف صامتاً، فلا كلمات تخرج من فمه، ولا دموع تظهر بوضوح، بينما يبقى الصمت التعبير الوحيد عن خسارة يصعب وصفها.

قبل أشهر فقط، كانت نرجس، ذات الأعوام الخمسة، تملأ المنزل بالحركة والضحكات والأسئلة الصغيرة، لكن الحرب قلبت حياتها وحياة عائلتها رأساً على عقب.

في الثاني من مارس/آذار 2026، ومع اندلاع الحرب بين حزب الله وإسرائيل، بدأ حسن يتلقى أخباراً متلاحقة عن غارات استهدفت بيروت والجنوب والبقاع، في البداية لم يدرك حجم الكارثة، لكنه شعر بأن شيئاً كبيراً يتغير.

ومع مرور الوقت، انقطعت الاتصالات. لم تجب زوجته على الهاتف، وغابت أخبار الجيران، بينما تكررت روايات عن تدمير المبنى الذي كانت تعيش فيه العائلة.

تنقل حسن بين المستشفيات ومراكز الإسعاف بحثاً عن إجابة، سمع روايات متناقضة عن ناجين ومفقودين وضحايا، إلى أن تأكد من الحقيقة المؤلمة: ابنته نرجس قُتلت خلال الغارات.

الخوف من فقدان القبر

منذ ذلك اليوم، لم تعد زيارة المقبرة مجرد عادة، بل تحولت إلى جزء من رحلة الفقد المستمرة. لكن الحرب فرضت عليه خوفاً جديداً.

فعندما انتشرت صور القصف في بلدات الجنوب، لم يبحث حسن عن منزله أو متجره المحترق، بل انشغل بمصير المقبرة.

كان يتساءل باستمرار: ماذا لو اختفى قبر طفلتي؟ وماذا لو فقدت المكان الوحيد الذي يربطني بها؟

بعد وقف إطلاق النار، عاد إلى المقبرة بخطوات مترددة، تفحص الشواهد واحداً تلو الآخر، فوجد بعضها مكسوراً وبعضها الآخر ملقى على الأرض. ورغم حجم الأضرار، بقي قبر نرجس في مكانه.

لم يكن القبر كما تركه سابقاً، لكنه ظل قائماً. لذلك شعر حسن بأن جزءاً من عالمه ما زال صامداً رغم كل شيء.

أضرار واسعة في مقابر جنوب لبنان

لا تقتصر أضرار المقابر في جنوب لبنان على بلدة ميفدون، فقد تضررت مقابر عدة نتيجة الغارات والانفجارات التي شهدتها المنطقة خلال الحرب.

في العديد من القرى، تصدعت شواهد القبور وانهارت أضرحة، بينما اختلط الركام بالأزهار اليابسة التي تركها الأهالي خلال زياراتهم السابقة.

وفي مشهد تكرر بعد وقف إطلاق النار، فضّل كثير من السكان زيارة المقابر قبل منازلهم. فقد أرادوا الاطمئنان إلى قبور أحبائهم قبل تفقد الممتلكات والأحياء السكنية.

وفي بلدة برج قلاوية بقضاء بنت جبيل، انحنت امرأة مسنة فوق قبر زوجها. رفعت قطعة رخام انفصلت عن الشاهد، ثم مسحت الغبار عنها وأعادتها إلى مكانها بعناية، وكأنها تحاول حماية ما تبقى من الذاكرة.

وبالقرب منها، وقف أحد السكان يتأمل أسماءً فقدت بعض حروفها بسبب الشظايا، وقال إن الموتى لا يخشون القصف، لكن الأحياء يحتاجون إلى مكان يزورون فيه من رحلوا حتى تبقى الصلة قائمة مع ذكراهم.

المقابر ضمن دائرة الحرب

لم تتوقف آثار الحرب الإسرائيلية على لبنان عند المنازل والطرقات والحقول الزراعية، بل امتدت أيضاً إلى المقابر التي يفترض أن تبقى بعيدة عن الصراع.

ووثقت تقارير حقوقية وصحفية لبنانية أضراراً في مقابر تقع في بلدات عدة، من بينها يحمر الشقيف ودير قانون النهر وبرج قلاوية وشمسطار والنبي شيت، إضافة إلى قرى أخرى تعرضت للقصف وأعمال التجريف.

كما امتدت الأضرار إلى مناطق تقع خارج الشريط الحدودي، ووصلت إلى عمق الجنوب والبقاع، حيث تضررت مقابر ومواقع دينية نتيجة العمليات العسكرية.

ماذا يقول القانون الدولي؟

وفق القانون الدولي الإنساني، تُعد المقابر من الأعيان المدنية المحمية، شأنها شأن دور العبادة والمواقع الثقافية، لذلك يحظر استهدافها أو إلحاق الضرر بها ما لم تُستخدم بشكل مباشر لأغراض عسكرية.

وتشير منظمات حقوقية إلى أن الأضرار التي لحقت ببعض المقابر تثير تساؤلات قانونية وأخلاقية حول مدى الالتزام بقواعد حماية الأعيان المدنية خلال النزاعات المسلحة.

الحرب والذاكرة

على أرض الواقع، تبدو النصوص القانونية بعيدة عن مشاهد الدمار التي خلفتها الحرب، فالحجارة المبعثرة والشواهد المكسورة وأسماء الموتى المشوهة تحكي قصة مختلفة يعيشها الأهالي يومياً.

وفي النهاية، لا تمثل المقابر مجرد أماكن للدفن، بل تشكل جزءاً من ذاكرة العائلات والمجتمعات.
ولذلك، عندما تصل الحرب إلى هذه الأماكن، لا يتضرر الحجر فقط، بل تتعرض الطمأنينة نفسها لجرح عميق يصعب ترميمه.


اقرأ أيضاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى