تحقيقات و مقالاتسياسةمحليات

الرئيس عون يحفظ وحدة لبنان ويعيد النقاش إلى مساره الصحيح في أخطر جلسة حكومية ..

جلسة بعبدا أقرّت خطة حصر السلاح بيد الدولة وسط انقسام داخلي وضغوط دولية، والرئيس عون يحفظ الاستقرار ويوجّه الأنظار نحو إسرائيل

بقلم الصحفي حسين حرقوص

جلسة غير عادية في بعبدا

لم تكن جلسة مجلس الوزراء في قصر بعبدا يوم أمس الجمعة ” ٥ أيلول ٢٠٢٥ ” جلسة عادية، بل بدت وكأنها اختبار حقيقي للاستقرار الداخلي. فالملف المطروح كان على درجة عالية من الحساسية، إذ أثار قبل انعقادها موجة من الترقب والقلق من انزلاق البلاد نحو أزمة جديدة. فخطة الحكومة لحصر السلاح بيد الدولة لم تكن مجرد بند عابر على جدول الأعمال، بل قضية جوهرية شكّلت محور خلاف بين القوى السياسية، وأثارت انقساماً واضحاً في الداخل اللبناني.

والخوف هذه المرة لم يكن من مناقشة الخطة فقط، بل من قرار البدء بتنفيذها ضمن مهلة مشروطة، وهو ما اعتبره كثيرون بمثابة وضع الجيش في صدام محتمل مع حزب الله. فمثل هذا الاحتمال، لو وقع، كان كفيلاً بإشعال فتيل أزمة أهلية جديدة في بلد مثقل أصلاً بالأزمات، ولا يملك ترف الدخول في مواجهة داخلية إضافية. لذلك، بدت الجلسة كأنها مفترق طرق، بين أن تتحوّل إلى ساحة اشتباك سياسي خطير، أو أن تتحوّل إلى فرصة لإعادة تثبيت الاستقرار، وهو ما تحقق بفضل إدارة الرئيس جوزاف عون.


إدارة هادئة من الرئيس عون

اختار الرئيس جوزاف عون أن يقود الجلسة بأسلوب هادئ وحكيم، مدركاً أنّ فتح النقاش مباشرة في البند المتعلق بحصر السلاح قد يشعل التوتر منذ اللحظة الأولى. لذلك، فضّل أن يبدأ بالبنود العادية، ويتيح للوزراء فرصة التوافق على نقاط لا خلاف حولها، قبل الانتقال إلى الملف الخلافي. هذا الترتيب أعطى الجلسة انطلاقة أكثر توازناً، ووفّر جواً أقل توتراً داخل القاعة.

بهذه الطريقة، أمّن الرئيس مناخاً يسمح ببحث الملفات الحساسة بعيداً عن التصعيد، وأثبت أن إدارة الجلسة بحسن تدبير يمكن أن تغيّر مسارها بالكامل. فبدلاً من أن تتفجر الخلافات في بدايتها، حافظ على الانضباط والهدوء، ومهّد الطريق للوصول إلى النقاش الأصعب من موقع أكثر تماسكا.


خطة الجيش: “خطوة مقابل خطوة”

عندما جاء دور قائد الجيش العماد رودولف هيكل، عرض خطة واضحة لحصر السلاح تحت سلطة الدولة، تقوم على مبدأ “خطوة مقابل خطوة”: انتشار تدريجي للجيش جنوب الليطاني يقابله انسحاب إسرائيلي من المواقع المحتلة. هذا الطرح أعاد تركيز النقاش على جوهر المشكلة، أي الاحتلال الإسرائيلي، بدل أن يبقى الخلاف محصوراً بين القوى اللبنانية.


انسحاب متوقع وتحت السيطرة

وأثناء عرض الخطة، أعلن وزراء “الثنائي الشيعي” ومعهم الوزير فادي مكي انسحابهم من الجلسة. وكان هذا الموقف متوقعاً، إذ سبق أن عبّروا عن رفضهم مناقشة الملف بهذه الصيغة خارج إطار استراتيجية دفاع وطني شاملة. وقد أوضح وزير العمل محمد حيدر أن الانسحاب من الجلسة لا يعني الانسحاب من الحكومة، لكنه شدد على أنّ أي قرار يُتخذ في غيابهم يفتقد إلى الميثاقية.

ورغم أن انسحاب الوزراء كان متوقعاً، فإنّ خطورته كانت في إمكانية أن يعطّل الجلسة أو يحوّلها إلى أزمة داخلية. غير أنّ الرئيس جوزاف عون تعامل مع الموقف بهدوء، فاستوعب الانسحاب وأبقى الجلسة في مسارها الطبيعي، حتى تم استكمال النقاش وإقرار المقررات.


مقررات مجلس الوزراء

بعد المداولات، رحّب مجلس الوزراء بالخطة، وقرر أن يبدأ الجيش تنفيذها وفق الإمكانات المتاحة، على أن يقدّم تقارير شهرية حول التقدم المحقق. كما تقرر أن تبقى تفاصيل الخطة ومداولاتها سرية منعاً لأي استغلال سياسي أو توتر داخلي. بهذه الصيغة، أكد المجلس التزامه بمبدأ حصر السلاح بيد الدولة كما نص عليه اتفاق الطائف والقرار 1701، مع ربط التنفيذ بمدى التزام إسرائيل.


صيغة توافقية قبل الانفجار

نجح الرئيس جوزاف عون في التوصل إلى صيغة وسطية جنّبت البلاد مواجهة سياسية كان يمكن أن تنفجر داخل الجلسة. فقد ضمّن البيان الوزاري ما يرضي جميع الأطراف، فشدّد على أن أي تقدّم في تنفيذ الخطة يبقى مرهوناً بالتزام إسرائيل والأطراف الأخرى، كما نصّت الورقة نفسها في فقرتها الختامية. وبذلك، تمكن الرئيس من تأكيد التزام لبنان بواجباته من جهة، وربط التنفيذ العملي بمسؤولية إسرائيل عن الانسحاب ووقف الاعتداءات من جهة ثانية، الأمر الذي جعل المقررات محل قبول عام، وحوّل ما كان يُخشى أن يكون انقساماً داخلياً إلى موقف لبناني جامع.


أبعاد خارجية للقرار

لم يكن القرار شأناً داخلياً فقط، بل جاء في ظل ضغوط خارجية غير مسبوقة على الحكومة اللبنانية وعلى الرئيس جوزاف عون للمضي قدماً في تطبيق خطة الجيش. وكان الضغط الأميركي هو الأبرز، إذ شددت واشنطن في أكثر من مناسبة على ضرورة أن يتولّى الجيش حصراً مسؤولية السلاح، وربطت جزءاً من دعمها العسكري والمالي للبنان بمدى التزامه بهذا المسار. كما تابعت الأمم المتحدة والعديد من العواصم الأوروبية عن كثب ما دار في بعبدا، باعتبار القرار 1701 المرجعية الأساسية لحفظ الاستقرار على الحدود. وهكذا، أعطى اعتماد الخطة إشارة واضحة بأن لبنان التزم بما عليه، فيما تبقى مسؤولية التنفيذ الكامل على إسرائيل التي ما زالت تحتل مواقع في الجنوب وتواصل خرق السيادة اللبنانية.


ردود الفعل الداخلية

مصادر سياسية، بينها عين التينة، وصفت نتائج الجلسة بالإيجابية. فقد رأت أن المقررات متوازنة لأنها لم تحدد مهل زمنية ملزمة، وأكدت على مبدأ التزام إسرائيل بوقف إطلاق النار. الرئيس نبيه بري نفسه عبّر عن ارتياحه، مشيراً إلى أن السلم الأهلي خط أحمر، وأن أي محاولة لتوتير الشارع لن تُسمح.


نقل الخلاف إلى موقعه الطبيعي

الأهمية الكبرى لنتائج هذه الجلسة أنها أعادت توجيه النقاش إلى موقعه الطبيعي: من خلاف لبناني–لبناني إلى لبناني–إسرائيلي. فبدلاً من أن يبقى الجدل محصوراً بالانقسامات الداخلية، أصبح مرتبطاً مباشرة بمدى التزام إسرائيل بالانسحاب ووقف اعتداءاتها. وقد تحقق ذلك بفضل إدارة الرئيس جوزاف عون للجلسة بحكمة وهدوء، إذ عرف كيف يمرّر اللحظة الدقيقة من دون تفجير سياسي، وكيف يحفظ وحدة الصف الداخلي في مواجهة الإحتلال الإسرائيلي . وهكذا، صان الرئيس السلم الأهلي ومنع انزلاق البلاد إلى أزمة جديدة كانت تلوح في الأفق، على الأقل في الوقت الراهن.


جلسة بعبدا أثبتت أن الإدارة الحكيمة قادرة على تحويل لحظة حرجة في تاريخ لبنان إلى فرصة لتثبيت الاستقرار. فالرئيس جوزاف عون لم يكتف بتمرير خطة حساسة، بل حرص على أن تبقى البلاد بمنأى عن الانقسام، موجهاً الأنظار إلى المسؤولية الحقيقية المتمثلة بالاحتلال الإسرائيلي. وبهذا، صان السلم الأهلي، وأكد أن الأولوية الوطنية في هذه المرحلة تبقى حماية لبنان من الداخل والخارج.


شاهد أيضاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى