
تستعد قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) لإنهاء عملياتها الميدانية في جنوب لبنان نهاية كانون الأول 2026، بعد نحو 48 عاماً على بدء مهمتها.
ويأتي هذا التطور وسط تساؤلات متزايدة حول مستقبل الوضع الأمني في الجنوب، والجهة التي ستتولى مهام المراقبة بعد انتهاء عمل القوة الدولية، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي اللبنانية.
لكن رحيل اليونيفيل لا يعني بالضرورة انتهاء التوترات، بل يفتح الباب أمام مرحلة جديدة تحمل تحديات أمنية وسياسية معقدة، خصوصاً مع استمرار الوجود الإسرائيلي في مناطق لبنانية.
اليونيفيل تغادر والاحتلال الإسرائيلي مستمر
لا يمثل إنهاء مهمة اليونيفيل مجرد انسحاب لقوة دولية بعد عقود من العمل، بل يكشف عن تعقيدات المشهد الأمني الذي تأسست البعثة لمواجهته.
ففي الوقت الذي تستعد فيه القوة الدولية للمغادرة، تواصل إسرائيل السيطرة على نحو 600 كيلومتر مربع من الأراضي اللبنانية، أي ما يعادل قرابة 6% من مساحة لبنان، وفق الأرقام الواردة في التقرير.
وفي تقرير أعدته شيماء بوعلام لقناة الجزيرة، يبرز قرار مجلس الأمن الصادر عام 2025 بإنهاء مهمة اليونيفيل، في خطوة جاءت وسط ضغوط أميركية وإسرائيلية.
ومنذ عام 1978، اضطلعت البعثة بمهام مراقبة الوضع على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، استناداً إلى القرارين الدوليين 425 و426. كذلك، تعزز دورها لاحقاً في إطار القرار 1701، الذي صدر عام 2006 بهدف وقف الأعمال القتالية وتنظيم الوضع الأمني في جنوب لبنان.
ميدانياً، يمتد نطاق السيطرة الإسرائيلية من الناقورة غرباً باتجاه جبل الشيخ شرقاً، مروراً بمناطق قريبة من النبطية.
وفي المقابل، تحولت بلدات مثل زوطر الغربية وفرون وصريفا إلى مناطق تماس مفتوحة، ما يزيد صعوبة ضبط الوضع الأمني.
القرار 2790 يحدد موعد نهاية المهمة
حدد مجلس الأمن الدولي، بموجب القرار 2790 الذي أقره بالإجماع في 28 آب 2025، موعد إنهاء عمليات اليونيفيل في 31 كانون الأول 2026.
وبعد ذلك، تبدأ مرحلة انسحاب تدريجي تستمر عاماً، فيما يتولى الأمين العام للأمم المتحدة تقديم خيارات تتعلق بالترتيبات الأمنية التي يمكن اعتمادها بعد مغادرة القوة الدولية.
ومع ذلك، تواجه عملية الانتقال عقبات ميدانية كبيرة. إذ تقع نحو نصف مواقع اليونيفيل في مناطق تخضع للسيطرة الإسرائيلية، الأمر الذي يجعل تسليم هذه المواقع إلى الجيش اللبناني مهمة بالغة الصعوبة.
وفي هذا السياق، وصف قائد البعثة، اللواء ديوداتو أباجنارا، عملية تسليم المواقع للجيش اللبناني بأنها «صعبة جداً».
وبالتالي، لم يعد السؤال مقتصراً على الجهة التي ستخلف اليونيفيل، بل أصبح مرتبطاً بقدرة أي قوة جديدة على أداء مهمتها في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي.
اتفاق لبنان وإسرائيل لا يحسم مصير القوة الدولية
تزداد الصورة تعقيداً مع الاتفاق الإطاري الذي وقعته لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة في 26 حزيران 2026.
فالاتفاق، وفق التقرير، لا يتضمن إشارة إلى القرار 1701 أو إلى دور اليونيفيل أو أي قوة أممية بديلة.
وبدلاً من ذلك، يركز على نزع سلاح حزب الله مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي، ما يثير تساؤلات حول طبيعة الترتيبات الأمنية التي ستعقب انتهاء مهمة القوة الدولية.
وفي ظل غياب تصور واضح لدور أي بعثة بديلة، يبقى مستقبل المراقبة الدولية في الجنوب مرتبطاً بالتفاهمات السياسية بين الأطراف المعنية.
ثلاثة خيارات أممية لمستقبل جنوب لبنان
في الأول من حزيران 2026، قدم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى مجلس الأمن ثلاثة خيارات للتعامل مع مرحلة ما بعد اليونيفيل، وفق الوثيقة الرسمية رقم S/2026/453.
وتختلف هذه الخيارات من حيث عدد العناصر وطبيعة المهام ونطاق الانتشار، لكنها تشترك في مواجهة تحديات سياسية وأمنية قد تعرقل تنفيذها.
الخيار الأول: قوة قوامها نحو 5500 عنصر
يقترح الخيار الأول نشر قوة تضم نحو 5500 عنصر، بينهم 350 مراقباً غير مسلح، وأربع كتائب مشاة، قوام كل منها 750 جندياً، إضافة إلى قوة احتياط تضم 700 عنصر.
كما يشمل المقترح وحدات دعم وإسناد، مع قدرة على مراقبة الوضع الأمني حتى نهر الليطاني وشماله.
ويمنح هذا الخيار القوة المقترحة انتشاراً أوسع وإمكانات أكبر لمراقبة التطورات الميدانية.
الخيار الثاني: قوة تضم نحو 3300 عنصر
أما الخيار الثاني، فيتضمن نشر نحو 3300 عنصر، بينهم 285 مراقباً، وكتيبتا مشاة تضم كل منهما 750 جندياً، إلى جانب قوة احتياط قوامها 450 عنصراً ووحدات دعم.
ويركز هذا المقترح على المنطقة الممتدة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني، بما يتيح مراقبة نطاق جغرافي أضيق مقارنة بالخيار الأول.
الخيار الثالث: قوة محدودة بنحو 2000 عنصر
يقترح الخيار الثالث نشر قوة تضم نحو 2000 عنصر، بينهم 215 مراقباً، وكتيبتان خفيفتان قوام كل منهما 450 جندياً، إضافة إلى قوة رد سريع تضم 350 عنصراً.
ويعتمد هذا الخيار على الحد الأدنى من وحدات الدعم، لكنه لا يوفر القدرة الكافية للفصل بين الأطراف المتنازعة، ما يحد من فعاليته في حال تصاعد التوترات.
وعلى الرغم من اختلاف حجم القوات المقترحة، فإن تنفيذ أي من هذه الخيارات يحتاج إلى توافق سياسي دولي، فضلاً عن توفير الدول المشاركة للعناصر والإمكانات اللازمة.
الفيتو الأميركي يهدد أي قوة بديلة
لا تتوقف العقبات أمام الخيارات الأممية عند الجوانب العسكرية واللوجستية، بل تمتد إلى الخلافات السياسية داخل مجلس الأمن.
فقد خلصت دراسة لمجلس العموم البريطاني إلى أن إنشاء أي قوة دولية جديدة يحتاج إلى تفويض من مجلس الأمن، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام استخدام الولايات المتحدة حق النقض، ما يعرقل تشكيلها.
سياسياً، ترفض إسرائيل والولايات المتحدة إنشاء قوة جديدة، إذ يرى المندوب الإسرائيلي داني دانون أن مثل هذه القوة قد تمنح حزب الله فرصة لإعادة بناء قدراته.
في المقابل، تدعم الصين وروسيا استمرار الوجود الأممي، وتؤيدان مراجعة قرار إنهاء مهمة اليونيفيل.
وبذلك، يتحول مستقبل القوة الدولية إلى ملف مرتبط بالتوازنات بين القوى الكبرى، وليس فقط بالاحتياجات الأمنية في جنوب لبنان.

فرنسا وإيطاليا تتحركان لتشكيل قوة متعددة الجنسيات
أوروبياً، تقود فرنسا وإيطاليا تحركات لإنشاء قوة متعددة الجنسيات تتولى مهام أمنية في مرحلة ما بعد اليونيفيل.
وفي هذا الإطار، أعلنت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، استعداد عشر دول أعضاء للمساهمة في الترتيبات المقبلة.
كذلك، يتجه الاتحاد الأوروبي إلى إنشاء بعثة لتدريب الجيش اللبناني وتعزيز قدراته، لكن هذه المهمة لا تمثل بديلاً مباشراً عن اليونيفيل.
من جهتها، أبدت تركيا استعدادها للمشاركة في أي ترتيبات مستقبلية، ما يضيف خياراً آخر إلى النقاشات المتعلقة بمستقبل الوجود الدولي في الجنوب.
ومع ذلك، لا تزال هذه التحركات في إطار البحث عن صيغة قابلة للتنفيذ، في ظل غياب اتفاق دولي نهائي بشأن طبيعة القوة الجديدة ومهامها وصلاحياتها.
ماذا يخسر جنوب لبنان برحيل اليونيفيل؟
يرى العميد حسن جوني، الخبير العسكري، أن الأثر الميداني المباشر لغياب اليونيفيل قد يكون محدوداً، نظراً إلى أن القوة الدولية لا تنفذ مهام قتالية.
لكن أهمية البعثة تتجاوز وجودها العسكري، إذ تؤدي دوراً أساسياً في مراقبة التطورات الميدانية وتوثيق الخروقات، فضلاً عن توفير نوع من الردع المعنوي عبر نقل الوقائع إلى المجتمع الدولي.
ومن هذا المنطلق، فإن مغادرة اليونيفيل قد تؤثر في آليات مراقبة الحدود وتوثيق الانتهاكات، خصوصاً إذا لم تتوافر جهة بديلة تمتلك الإمكانات والصلاحيات اللازمة.
كما أن وجود قوة دولية على الأرض يوفر قناة لمتابعة التطورات الأمنية، في وقت يواجه فيه الجنوب تحديات مرتبطة باستمرار الاحتلال الإسرائيلي وتعدد الأطراف المعنية بالملف.
نهاية اليونيفيل لا تعني انتهاء الأزمة
منذ بدء مهمتها عام 1978، دفعت اليونيفيل ثمناً بشرياً كبيراً، إذ قُتل 346 من عناصرها خلال العقود الماضية، بحسب الأمم المتحدة.
واليوم، تستعد البعثة لإنهاء عملياتها الميدانية، بينما لا تزال الظروف الأمنية التي أدت إلى وجودها قائمة في أجزاء من جنوب لبنان.
وفي حين تطرح الأمم المتحدة ثلاثة خيارات لمرحلة ما بعد الانسحاب، تصطدم هذه المقترحات بخلافات دولية حول طبيعة القوة البديلة وصلاحياتها.
لذلك، لا يتوقف مستقبل الأمن في الجنوب على عدد الجنود الذين يمكن نشرهم أو حجم الإمكانات المتاحة لهم، بل يعتمد أساساً على التوافق السياسي وقدرة أي ترتيبات جديدة على التعامل مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي.
ويبقى السؤال الأهم: هل يتمكن المجتمع الدولي من إيجاد صيغة تحفظ الاستقرار في جنوب لبنان بعد رحيل اليونيفيل، أم يدخل الجنوب مرحلة أمنية أكثر تعقيداً؟



