
تواجه الولايات المتحدة أزمة متصاعدة في مخزونات الذخائر والصواريخ، بعدما أدى الاستهلاك العسكري المرتفع خلال الحرب مع إيران إلى استنزاف جزء كبير من الترسانة الأمريكية.
في وقت تحتاج فيه واشنطن إلى سنوات لتعويض بعض الأسلحة المستخدمة.
وكشف وكيل وزارة الحرب الأمريكية لشؤون المشتريات والاستدامة، مايكل دافي، عن تحركات عاجلة لمعالجة نقص الذخائر وتأمين استمرارية الإنتاج العسكري، مشيرا إلى أن نقص المواد الخام يمثل أحد أبرز العوائق أمام خطوط الإنتاج.
نقص الذخائر يضغط على الترسانة الأمريكية
ورغم تأكيد وزارة الحرب الأمريكية أن الولايات المتحدة تمتلك ما يكفي من الأسلحة للتعامل مع التهديدات المباشرة، فإن مسؤولين أمريكيين أقروا بوجود تحديات كبيرة تتعلق بسرعة إنتاج الذخائر وتعويض المخزونات المستنزفة.
وفي هذا السياق، بدأت واشنطن مفاوضات مع شركات جديدة بهدف إنتاج صواريخ كروز منخفضة التكلفة وبكميات كبيرة.
كما طرحت وزارة الحرب عقودا طويلة الأجل تمتد إلى 7 سنوات، تتضمن خططا لإنتاج آلاف الصواريخ، بينها نحو 7 آلاف صاروخ توماهوك و14 ألف صاروخ باتريوت.
وتأتي هذه الخطط بالتزامن مع توجه إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى زيادة الإنفاق الدفاعي وإعادة بناء قدرات الجيش الأمريكي.
حرب إيران تستنزف صواريخ باتريوت وثاد
وتظهر تداعيات الأزمة بشكل أوضح في أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، ولا سيما صواريخ باتريوت وثاد.
وبحسب تقرير صادر عن مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، استخدمت الولايات المتحدة أعدادا كبيرة من الصواريخ الاعتراضية في الشرق الأوسط، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين وتيرة الاستهلاك وقدرة المصانع على التعويض.
وتشير التقديرات إلى أن مخزونات بعض صواريخ باتريوت قد تحتاج إلى سنوات حتى تعود إلى مستوياتها السابقة.
فعلى سبيل المثال، استلمت الولايات المتحدة 172 صاروخا من طراز باتريوت خلال عام 2026، في حين تجاوز استخدام هذه الصواريخ ألف وحدة خلال الحرب مع إيران.
وبالتالي، تواجه واشنطن سباقا مع الزمن لرفع الإنتاج، خصوصا أن الأزمة لا تقتصر على القوات الأمريكية، بل تمتد أيضا إلى حلفائها.
أوكرانيا وتايوان تواجهان تداعيات النقص
ولا تقف آثار نقص الذخائر عند حدود العمليات الأمريكية في الشرق الأوسط.
فقد طلبت أوكرانيا صواريخ اعتراضية إضافية لمواجهة الهجمات الروسية، إلا أن الأولوية التي أعطتها واشنطن لجبهة إيران أثرت في قدرة كييف على الحصول على بعض المنظومات الدفاعية.
وفي الوقت نفسه، تواجه تايوان تأخرا في شحنات أسلحة أمريكية تقدر قيمتها بنحو 30 مليار دولار، وسط مخاوف متزايدة من احتمال اندلاع مواجهة مع الصين خلال السنوات المقبلة.
وهكذا، باتت واشنطن أمام معادلة صعبة تتمثل في دعم حلفائها، والحفاظ على مخزوناتها الخاصة، وفي الوقت نفسه مواصلة العمليات العسكرية.
واشنطن تضغط على شركات السلاح
وأمام هذه التحديات، كثفت وزارة الحرب الأمريكية ضغوطها على شركات الصناعات الدفاعية لرفع معدلات الإنتاج.
وفي هذا العام، أبرم البنتاغون صفقة مع شركة لوكهيد مارتن لزيادة الإنتاج السنوي لصواريخ ثاد الاعتراضية من 96 إلى 400 صاروخ، إلى جانب رفع إنتاج صواريخ باتريوت الاعتراضية من 600 إلى 2000 صاروخ.
كذلك، أبرمت الوزارة صفقات مع شركة بوينغ لزيادة إنتاج صواريخ PAC-3، بينما تعهدت شركة RTX برفع إنتاج الصواريخ الدفاعية إلى أكثر من 500 وحدة.
ومن جهة أخرى، منح الجيش الأمريكي وحدة رايثيون التابعة لشركة RTX عقدا بقيمة 22.9 مليار دولار لزيادة إنتاج صواريخ توماهوك.
عقود طويلة الأجل لتسريع الإنتاج
وفي خطوة أخرى، تتجه إدارة ترمب إلى إبرام عقود متعددة السنوات مع كبار المتعاقدين العسكريين.
ومن شأن هذه العقود منح الشركات قدرة أكبر على الاستثمار في مصانع جديدة، وشراء المعدات، وتوسيع خطوط الإنتاج دون مخاوف من تراجع الطلب في المستقبل القريب.
وفي وقت سابق من أغسطس، وقع الجيش الأمريكي صفقات لزيادة إنتاج قطع غيار الصواريخ الاعتراضية الخاصة بمنظومتي باتريوت وثاد.
كما وجه نائب وزير الحرب ستيف فاينبرغ مذكرة إلى قادة قطاع الصناعات الدفاعية، طالبهم فيها بتقديم خطط خلال 21 يوما تتضمن تسريع عمليات التسليم وزيادة إنتاج القدرات العسكرية الحيوية.
وشددت المذكرة على أن دورات التطوير التي تستغرق سنوات لم تعد مناسبة لحجم التحديات الحالية.
كذلك، طلبت الوزارة من الشركات تقديم مقترحات لتوسيع المنشآت وزيادة الاستثمارات الرأسمالية، مع استعداد أكبر لتحمل جزء من المخاطر المرتبطة برفع الإنتاج.
صواريخ أرخص لمواجهة المسيرات الإيرانية
وبالتوازي مع زيادة إنتاج الصواريخ التقليدية، تبحث واشنطن عن حلول أقل تكلفة لمواجهة الطائرات المسيرة.
وفي هذا الإطار، طورت شركة X-Bow Systems صاروخا اعتراضيا جديدا تقل تكلفته عن 100 ألف دولار، بهدف التعامل مع مسيرات من الفئة الثالثة، ومن بينها طائرات شاهد-136 الإيرانية.
وتعتمد الفكرة على خفض تكلفة الاعتراض، خصوصا أن استخدام صواريخ دفاعية باهظة الثمن ضد مسيرات منخفضة التكلفة قد يؤدي إلى استنزاف المخزونات بسرعة كبيرة.
كما تعتمد الشركة على إنتاج هيكل المحرك الصاروخي والمواد الدافعة محليا داخل الولايات المتحدة.
وحصلت الشركة على تمويلات بقيمة 105 ملايين دولار، إلى جانب دعم من شركة لوكهيد مارتن، فيما طلبت وزارة الحرب إحاطة رسمية بشأن المنظومة الجديدة.

هل تدفع الأزمة واشنطن إلى تغيير تكتيكاتها؟
ويرى محللون أن استمرار تراجع مخزونات الصواريخ الاعتراضية قد يدفع الولايات المتحدة، في حال استئناف هجمات واسعة ضد إيران، إلى الاعتماد بدرجة أكبر على الضربات الجوية.
لكن هذا الخيار يحمل مخاطر إضافية، خصوصا مقارنة باستخدام الصواريخ بعيدة المدى التي تسمح بتنفيذ بعض العمليات من مسافات أكبر.
لذلك، تحاول واشنطن في الوقت نفسه زيادة إنتاج الأسلحة الحالية وتطوير بدائل أرخص يمكن تصنيعها بأعداد كبيرة.
تسريبات تكشف حجم الاستنزاف
وفي تطور آخر، كشفت تقارير إعلامية أمريكية أن المخزونات العسكرية الأمريكية وصلت إلى مستويات مقلقة نتيجة الاستهلاك المرتفع للذخائر.
وأثارت هذه التقارير غضب الرئيس دونالد ترمب، خصوصا أن الكشف عن حجم الاستنزاف جاء في مرحلة حساسة سياسيا وعسكريا.
وبحسب التقارير، كان ترمب على اطلاع بالمشكلات التي تواجه مخزونات الأسلحة منذ أشهر، لكنه أبدى اعتراضا شديدا على تسريب معلومات تتعلق بقدرات الترسانة الأمريكية إلى وسائل الإعلام.
وتخشى الإدارة الأمريكية من أن تؤثر هذه المعلومات في صورة الردع الأمريكي، خصوصا في ظل استمرار التوترات والمفاوضات المرتبطة بالحرب مع إيران.
سباق مع الزمن لإعادة بناء الترسانة
وفي المحصلة، تكشف أزمة الذخائر الأمريكية عن فجوة متزايدة بين سرعة استهلاك الأسلحة وقدرة الصناعة الدفاعية على تعويضها.
وبينما تسعى واشنطن إلى رفع إنتاج صواريخ باتريوت وثاد وتوماهوك، تتجه في الوقت نفسه إلى تطوير أسلحة أرخص لمواجهة المسيرات والتهديدات منخفضة التكلفة.
ومع استمرار الحرب مع إيران، يبدو أن إعادة بناء المخزونات العسكرية الأمريكية ستحتاج إلى استثمارات ضخمة، وتوسيع خطوط الإنتاج، وتسريع العقود الدفاعية، فضلا عن البحث عن أسلحة أكثر كفاءة وأقل تكلفة.



