
تلاحق تداعيات سقوط الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
في ظل الحرب على إيران والمخاوف من تكرار سيناريو الفوضى الذي شهدته ليبيا بعد التدخل العسكري عام 2011.
وتعيد التطورات الحالية إلى الواجهة تساؤلات بشأن حدود القوة العسكرية الأميركية، وقدرة واشنطن على تحقيق أهدافها من دون التسبب في انهيار مؤسسات الدولة أو الدخول في صراع طويل الأمد.
وبحسب تحليل نشرته مجلة «نيوزويك» الأميركية، فإن التجربة الليبية تقدم دروساً مهمة للإدارة الأميركية في تعاملها مع الحرب على إيران، خصوصاً أن إسقاط الأنظمة لا يضمن بالضرورة تحقيق الاستقرار أو إنهاء الصراعات.

من ليبيا إلى إيران.. أخطاء الماضي تطارد ترامب
بدأت التداعيات السياسية لسقوط القذافي عام 2011 بالظهور خلال السنوات التالية، مع تفاقم الفوضى الأمنية في ليبيا، وتصاعد أزمة الهجرة إلى أوروبا، إضافة إلى الهجوم على المجمع الدبلوماسي الأميركي في بنغازي عام 2012.
وساهمت هذه التطورات في تأجيج الجدل داخل الولايات المتحدة بشأن جدوى التدخلات العسكرية الخارجية وتكاليفها السياسية والأمنية.
وفي هذا السياق، يرى جيسون باك، المستشار السابق لإدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، أن الحرب على إيران تختلف عن التجربة الليبية، خصوصاً في ظل غياب معارضة مسلحة مماثلة قادرة على إسقاط النظام من الداخل.
وبالتالي، فإن الاعتماد على الضربات الجوية وحدها قد لا يحقق الأهداف السياسية المرجوة، حتى لو نجحت القوات المهاجمة في إلحاق أضرار عسكرية كبيرة بالخصم.
تحذيرات من تكرار سيناريو ليبيا
لم تقتصر التحذيرات من تداعيات التدخلات العسكرية على المحللين، بل امتدت إلى شخصيات بارزة داخل الإدارة الأميركية.
وفي هذا الإطار، حذّر نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس من تكرار تجربة ليبيا، مشيراً إلى أن الإطاحة بالقذافي ساهمت في تحويل البلاد إلى دولة تعاني الانقسام وعدم الاستقرار، إلى جانب تداعياتها على الهجرة والأمن الإقليمي.
كما تثير التجربة الليبية مخاوف من أن يؤدي انهيار مؤسسات الدولة الإيرانية، في حال حدوثه، إلى تداعيات أوسع بسبب حجم إيران السكاني وموقعها الاستراتيجي ودورها الإقليمي.
لذلك، لا يقتصر التحدي أمام واشنطن على إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، بل يشمل أيضاً تجنب سيناريو قد يفتح الباب أمام اضطرابات طويلة الأمد.
لماذا تختلف الحرب على إيران عن التدخل في ليبيا؟
توجد اختلافات جوهرية بين الحالتين، رغم التشابه في المخاوف المتعلقة بتغيير الأنظمة وتداعيات التدخل العسكري.
ففي ليبيا، جاء التدخل العسكري الدولي عام 2011 في سياق انتفاضة داخلية ضد نظام القذافي، بينما تتسم المواجهة مع إيران بظروف سياسية وعسكرية مختلفة.
في ظل استمرار مؤسسات الدولة الإيرانية وامتلاكها قدرات عسكرية ونفوذاً إقليمياً.
كذلك، حظي التدخل في ليبيا بدعم دولي استند إلى قرار من مجلس الأمن، في حين تختلف الظروف السياسية والدولية المحيطة بالحرب على إيران.
ومع ذلك، تشترك الحالتان في معضلة أساسية: قد تتمكن القوة العسكرية من إضعاف نظام أو إسقاطه، لكنها لا تضمن بناء دولة مستقرة بعد انتهاء العمليات.
القوة الجوية وحدها لا تضمن النجاح
تسلط التجربة الليبية الضوء على محدودية الاعتماد على القوة الجوية لتحقيق أهداف سياسية بعيدة المدى.
فقد أدى سقوط القذافي إلى انهيار النظام السابق، لكنه لم ينهِ الصراعات الداخلية، بل دخلت البلاد في سنوات من الانقسام السياسي والأمني، ولا تزال تعاني تداعيات تلك المرحلة.
وفي المقابل، تواجه الولايات المتحدة تحديات مختلفة في إيران، حيث يمكن أن يؤدي استمرار الحرب أو اتساع نطاقها إلى زيادة الاضطرابات الإقليمية ورفع المخاطر الأمنية والاقتصادية.
ويرى مسؤولون وخبراء سابقون أن تجنب هذه النتائج يتطلب رؤية واضحة لما بعد العمليات العسكرية، إلى جانب جهود دبلوماسية وأمنية مستمرة تمنع نشوء فراغ سياسي.
هل ينجح ترامب في تجنب أخطاء أوباما؟
تضع التجربة الليبية إدارة ترامب أمام اختبار صعب، يتمثل في تحقيق الأهداف الأميركية المعلنة من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة أو التسبب في فوضى يصعب احتواؤها.
وتشير المقارنات بين ليبيا وإيران إلى أن نجاح أي تدخل عسكري لا يُقاس فقط بحجم الأضرار التي يلحقها بالخصم، بل أيضاً بالنتائج السياسية والأمنية التي تترتب عليه.
وبناءً على ذلك، فإن مستقبل المواجهة مع إيران سيعتمد إلى حد كبير على قدرة واشنطن على الموازنة بين الضغط العسكري والتحرك الدبلوماسي، مع تجنب تكرار الأخطاء التي تركت ليبيا في حالة من عدم الاستقرار بعد سقوط القذافي.
ويبقى السؤال الأهم: هل يستفيد ترامب من دروس ليبيا، أم يجد البيت الأبيض نفسه أمام تداعيات حرب جديدة تتجاوز حساباته؟



