
لبنان بين صواريخ بلا توقيع وغارات تحمل الرسائل ..

استهدفت الطائرات الإسرائيلية صباح اليوم الضاحية الجنوبية لبيروت، في غارة مباشرة أعادت فتح كل الأسئلة القديمة حول طبيعة التصعيد، وتوقيت الضربات، وهوية الصواريخ التي تسبقها أو تُستخدم لتبريرها.
لم تكن هذه الضربة مفاجئة بالكامل، لكنها كانت لافتة في جرأتها، ورسالتها، وتوقيتها.
في المقابل، وكما بات مألوفًا، سبقت الغارة صواريخ أُطلقت من جنوب لبنان نحو إسرائيل، لم يتبنَّها أحد، ولم تُعلن أي جهة مسؤوليتها عنها. وبين صواريخ بلا توقيع، وغارات لا تُنكر إسرائيل تنفيذها، يجد لبنان نفسه محاصرًا في مشهد غامض تُدار معاركه من الخارج، وتُفرض معادلاته بالقوة.
صواريخ بلا توقيع… وغارات مدروسة
اللافت أن حزب الله نفى مسؤوليته عن هذه الصواريخ أكثر من مرة. وهذا النفي لا يمكن اعتباره تفصيلاً، بل يعكس بوضوح أن هذه الصواريخ لا تنطلق بقرار منه، ولا تندرج ضمن استراتيجيته الحالية في إدارة الاشتباك مع إسرائيل.
ما يجري يبدو أقرب إلى محاولات متكررة لإبقاء الجبهة مفتوحة دون فتح حرب شاملة، وربما دون أن يعرف اللبنانيون من يملك قرار التصعيد أو التهدئة.
في المقابل، الغارات الإسرائيلية تحمل توقيعًا واضحًا وهدفًا سياسيًا مباشرًا.
كل ضربة تأتي ضمن إطار مرسوم، تستهدف موقعًا محسوبًا، وتُرسل عبره رسالة مباشرة إلى حزب الله، مفادها:
“الرد سيكون في العمق، إن لم تتوقفوا عن إعادة هيكلة حضوركم القتالي أو تعديل تموضعكم في الداخل اللبناني.”
هي رسائل تُوجَّه بلغة النار، وتُقرأ بوضوح في بيروت وطهران وواشنطن وتل أبيب، حيث تُصاغ القرارات وتُدار التوازنات.
الضغط على حزب الله لم يَعُد خارجيًا فقط
بل بات داخليًا وبقوة متزايدة.
في الداخل اللبناني، تتصاعد مواقف سياسية وإعلامية تدعو إلى تقليص نفوذ حزب الله أو إخراجه من المعادلة كقوة عسكرية وسياسية.
هذا الضغط لا يصدر فقط عن الخصوم التقليديين، بل بات جزءًا من خطاب سياسي منظم، يعبّر عن نفسه في الإعلام، في النقاشات النيابية، وفي المزاج الشعبي الذي بدأ يميل إلى تحميل الحزب مسؤولية كلفة التصعيد وتجميد العلاقات الخارجية.
في بعض الأحيان، يبدو الضغط الداخلي على حزب الله أشد تأثيرًا من الضغط الخارجي، لأنه ينبع من قلب الأزمة اللبنانية، ويُستخدم كأداة في أي تسوية أو تفاوض مرتقب.
معادلة بدأت تظهر إلى العلن: إما التصعيد… أو التنازل
في ظل هذا المشهد، لم تَعُد المعادلة خفية كما في السابق، بل بدأت تظهر تدريجيًا إلى العلن، من خلال مواقف سياسية وإعلامية متزايدة.
إما أن يقبل لبنان بحالة التصعيد والتوتر والاستنزاف المستمر، أو يُدفع شيئًا فشيئًا نحو خيارات سياسية كبرى، تبدأ بإضعاف حزب الله، وقد تصل إلى عناوين مثل الحياد أو التطبيع.
هذه المعادلة لا تنبع من توافق داخلي، بل تُصاغ خارج الحدود، وتُمرَّر بأدوات ضغط مركّبة، هدفها إعادة ترتيب المشهد اللبناني بما يتناسب مع موازين جديدة تُراد للمنطقة.
البلد في قلب الضغط
ما جرى في الضاحية ليس حدثًا معزولًا، بل حلقة في سلسلة ضغوط متواصلة تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع اللبناني بوسائل تتراوح بين التصعيد الميداني والضغط السياسي.
في هذا السياق، لا يبدو أن لبنان يملك هامشًا واسعًا للتحرك، لا في الرد ولا في القرار.
صواريخ تُطلق دون توقيع، وغارات تُنفّذ برسائل، وخيارات تُطرح على الطاولة دون أن يكون الداخل اللبناني شريكًا حقيقيًا في صياغتها.
المعادلة باتت واضحة: من لا يملك قراره في لحظة اشتباك، سيتحمّل تبعات خيارات تُفرض عليه في لحظة تسوية