الأخبارسياسةمقالات

الجولاني لم يُستقدم كبديل عن الأسد، بل كمعبر لمشروع تل أبيب ..

لم يكن وصول أحمد الشرع، المعروف سابقًا بـ”أبو محمد الجولاني”، إلى قصر الشعب في دمشق تتويجًا لثورة شعب أو انتقالًا ديمقراطيًا سلسًا، بل نتيجة خطة أمنية ومحطة محسوبة ضمن مشروع أوسع، صُمّم بعناية لإعادة تشكيل سوريا بما يخدم مصالح الخارج، وعلى رأسها إسرائيل .


من إدلب إلى قصر الشعب: انتقال مُبرمج لا شعبي

هذا الوصول لم يكن سياسيًا ولا شعبيًا، بل جاء عبر غرف مغلقة، وتنسيقات استخباراتية دقيقة، بدأت من إدلب وانتهت في أروقة القصر، حيث يجلس اليوم من كان بالأمس المطلوب الأول على لوائح الإرهاب .

الجولاني لم يُقدَّم كبديل عن الأسد، بل كواجهة مؤقتة لإمرار ما عجزت الجيوش عن فرضه. المطلوب كان واضحًا: شخصية مطواعة، بمظهر مدني، لا تعارض إسرائيل، ولا تمانع في تقاسم النفوذ  بل تساهم في ترسيخه

استهزاء تل أبيب بالجولاني… لا صمت بل جرأة

في الوقت الذي أصبحت فيه إسرائيل على أبواب دمشق، لم يُسجَّل أي ردّ يُذكر من الجولاني، لا سياسيًا ولا عسكريًا.

بل على العكس، ظهر وكأنه يغضّ الطرف، أو على الأقل، يلتزم صمتًا وظيفيًا يخدم المرحلة.

أما في الداخل الإسرائيلي، فالموقف كان واضحًا: سخرية واستهزاء من شخصية الجولاني، وليس دعمًا ولا صمتًا.

الصحفي الإسرائيلي المعروف إيدي كوهين كتب متهكمًا:

“بشار على الأقل كان يطلق صواريخ دفاعات جو، الجولاني لا يطلق أي شيء!”

تعليق يكشف حجم التحوّل في المعادلة:

من رئيس كان يرد ولو رد شكلي وكان يدعم كل الحركات المعادية لإسرائيل ، إلى واجهة انتقالية لا ترى في الغارات الإسرائيلية شيئًا يُستحق الرد

هذا التعليق ليس عابرًا، بل يعكس إدراكًا إسرائيليًا بأن من يحكم دمشق اليوم لا يمثل تهديدًا، بل حالة وظيفية صامتة تُمرر الغارات وتغضّ النظر عن التوسع.


تنسيق استخباراتي شامل

هذا التحوّل لم يكن صدفة. ولم يكن وليد الداخل السوري فقط، بل كان ثمرة تنسيق استخباراتي عالي المستوى، شاركت فيه أجهزة:

  • المخابرات التركية
  • المخابرات الروسية
  • المخابرات الأميركية
  • المخابرات الإسرائيلية
  • المخابرات الإيرانية
  • المخابرات القطرية

كل طرف شارك من موقعه، ووفق مصلحته، في إخراج هذا السيناريو إلى العلن، مع علم الجميع أن الجولاني ليس قائد مشروع، بل أداة وظيفية بيد المشروع


الاجتماع المفصلي قبل غياب الأسد عن المشهد …

ولعلّ اللحظة المفصلية التي سبقت غياب الأسد، كانت ذلك الاجتماع الطارئ لوزراء خارجية روسيا وإيران وتركيا وقطر، والذي عُقد قبل ساعات من اختفاء بشار الأسد عن المشهد، في واحدة من أكثر اللحظات غموضًا في تاريخ الحرب السورية

ذاك الاجتماع لم يكن لمناقشة “الانتقال السياسي” كما قيل، بل لوضع اللمسات الأخيرة على خارطة النفوذ الجديدة، ولإقرار شكل السلطة البديلة.

وفي قلب التفاهم، برز اسم الجولاني كشخصية توافقية:

  • ميدانيًا من تركيا وقطر
  • أمنيًا من تل أبيب وواشنطن
  • تكتيكيًا من موسكو وطهران

حكومة البشير شكل بلا مضمون و ديكور سياسي لخطة أمنية

أما الحكومة التي كُلّف بها محمد البشير، فلم تكن إلا امتدادًا إداريًا لتلك الصفقة، بصيغة محاصصة ترضي اللاعبين، وتمنح السوريين وهم التغيير، لا التغيير نفسه.

أُعيد تشكيل الوزارات، وأُضيفت وجوه مدنية، لكن السيادة لم تعد للشعب، بل لمركز القرار الذي أنتج الجولاني نفسه.

كرت محروق… وظيفته مؤقتة مشروع لا يمثل الثورة !

هكذا، تم تمرير العملية بغطاء إقليمي، وصمت دولي، وسط خطاب إعلامي مموّه عن “الشرعية الثورية”، بينما الحقيقة كانت أبعد ما تكون عن الثورة، وأقرب إلى صفقة أمنية عابرة للحدود، استُخدم فيها الجولاني كواجهة تنفيذية مؤقتة، لا أكثر.

واليوم، بدأت تتصاعد أصوات من داخل المعارضة نفسها، تلك التي طالما وقفت ضد الأسد، لتقولها بوضوح :

أحمد الشرع ليس مشروعًا ثوريًا، ولا يمثل تطلعات الثورة السورية.”

فمن جيء به عبر التفاهمات الأمنية، لا يمكنه أن يكون حاملًا لمشروع وطني، بل مجرد مرحلة تكتيكية في لعبة أكبر

نهاية الكرت… والمرحلة

في المشهد الأخير، يقف الجولاني في قصر الشعب، لا كمنتصر ولا كممثل عن ثورة، بل كأداة أُحضرت في اللحظة المناسبة لتُفتح بها أبواب دمشق أمام تل أبيب واللاعبين الآخرين .

من كهوف إدلب، إلى غرف العمليات الإقليمية، إلى قصر الرئاسة… هذا ليس انتقالًا سلميًا، بل إعادة تموضع لقوة وظيفية تم إعدادها بعناية لخدمة مشروع لم ينتهِ بعد.

لكن الحقيقة التي لا تغيب عن أي طرف شارك في هذه الصفقة، هي أن الجولاني لم يكن يومًا مشروعًا رابحًا، بل ورقة محروقة جميع من لعب بها كان يعلم أنها كرت خاسر على المدى البعيد، لكن يمكن الاستفادة منه مرحليًا، كعامل ضغط، أو كجسر عبور لتصفية حسابات أكبر.

هو ليس مستقبل سوريا، بل مجرد أداة مؤقتة في مرحلة انتقالية ستُنهيه كما بدأت به :

بهدوء استخباراتي… لا بثورة شعب.

شاهد أيضاً :

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا
Scan the code
مرحباً..
كيف يمكنني مساعدتك